العرب والمسلمون في سنوات التَيه
دراسة تحليلية مقارنة
هَدَف هذا البحث إلى تشخيص واقع العرب والمسلمين في سنوات التيه، وهو إطار تحليلي يعبر عن حالة التراجع الحضاري، والتشتت السياسي، وفقدان الهوية. اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لرصد مظاهر التيه، والمنهج التاريخي الذي يستند على تحليل الماضي وفهم الأحداث التاريخية وتحليلها.
توصل البحث إلى عدد من النتائج أبرزها:
تبين أن التيه ليس وليد الصدفة، بل هو محصلة لتراكمات تاريخية بدأت منذ سقوط الخلافة العثمانية وما تلاها من ترسيم حدود استعمارية خلقت كيانات وطنية هشّة تفتقر للسيادة الحقيقية والانسجام الداخلي، كما أدى التيه السياسي والتدخلات الخارجية في اليمن إلى فقدان القوى الوطنية استقلاليتها؛ ما فاقم الانقسامات المحلية ومزّق النسيج الاجتماعي والتعليمي، وأوضحت تجارب (ماليزيا، تركيا، كوريا الجنوبية) أن الخروج من التيه يبدأ حتمًا بثورة تعليمية، واقتصادية صناعية، واجتماعية عادلة.
الكلمات المفتاحية: التيه، العرب والمسلمون، اليمن، التجارب الدولية.
Abstract
This research aimed to diagnose the reality of Arabs and Muslims during the «Years of Wandering,» an analytical framework expressing the state of civilizational decline, political fragmentation, and loss of identity. The research relied on the descriptive-analytical approach to monitor the manifestations of wandering, and the historical approach based on analyzing the past and understanding and analyzing historical events.
The research reached a number of results, most notably: It was found that wandering is not a product of chance, but rather the result of historical accumulations that began since the fall of the Ottoman Caliphate and the subsequent demarcation of colonial borders that created fragile national entities lacking true sovereignty and internal harmony. Furthermore, political wandering and foreign interventions in Yemen led national forces to lose their independence, which exacerbated local divisions and tore the social and educational fabric. The experiences of (Malaysia, Turkey, South Korea) showed that emerging from wandering inevitably begins with an educational revolution, an industrial economy, and social justice.
Keywords: Wandering (Al-Teeh), Arabs and Muslims, Yemen, International Experiences.
يمثل مفهوم «سنوات التيه» إطارًا تحليليًا ومنهجيًا لفهم حالة التراجع الحضاري والفكري والسياسي، التي مرَّ بها العالم العربي والإسلامي خلال القرون الأخيرة، ويُستخدم مصطلح «التيه» بوصفه توصيفًا مجازيًا وفلسفيًا لحالة من التشتت، وفقدان بوصلة الاتجاهات الكبرى، وغياب الرؤية الاستراتيجية، سواء على مستوى الهوية أم المشروع النهضوي، أم البناء المؤسسي والتعليمي.
لقد دخلت الأمة العربية والإسلامية في نفق طويل من الاضطراب الحضاري؛ نتيجة تراكمات تاريخية معقدة، بدأت بانهيار الكيانات الجامعة وتراجع المنظومات المعرفية، وصولًا إلى غياب المؤسسات القادرة على حمل أمانة التجدد، وقد تفاقمت هذه الحالة بفعل الضغوط والتدخلات الخارجية، والتفكك الإقليمي، والفشل التنموي الذي أدى بدوره إلى اتساع الفجوة بين واقع الأمة وركب الحضارة الإنسانية الحديثة.
ونتناول هنا «التيه» وتحليل مظاهره، بإسقاطه على الواقع العربي والإسلامي المعاصر، كما يسعى البحث إلى تقديم دراسة حالة لليمن بوصفه نموذجًا واقعيًا لهذه الحالة، مع استعراض بعض التجارب الدولية التي مرت بمنعطفات مشابهة، ونجحت في الخروج منها، وذلك لاستخلاص أهم مظاهر «الخروج من التيه» وكيفية استعادة المسار الحضاري المفقود.
تكمن مشكلة البحث في حالة «التراجع الحضاري» وضياع الطريق التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية، وهي الحالة التي توصف بـ «سنوات التيه»؛ إذ أدت إلى فقدان القدرة على اتخاذ القرار المستقل والارتباط بالخارج، مع انتشار النزاعات التي استنزفت طاقات الشعوب، وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الحالة اليمنية التي تحولت من صراعات سياسية بسيطة إلى انقسام كبير أثر في تماسك المجتمع ودمّر النظام التعليمي والاجتماعي والاقتصادي؛ ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة، وتزداد المشكلة صعوبة بسبب عدم الاستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في النهوض والتقدم؛ ما يجعل من الضروري فهم أسباب هذا الانهيار، والبحث عن طرق لاستعادة مكانة الأمة وإصلاح مسارها نحو المستقبل، وتتبلور مشكلة البحث في السؤال الرئيس الآتي:
ما واقع العرب والمسلمين في زمن التيه؟
ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل الرئيس عن طريق الإجابة عن التساؤلات الفرعية الآتية:
تكمن أهمية البحث في تقديم إطار تحليلي يشخّص الركود الحضاري بوصفه «تيهًا» سياسيًا شاملًا، وتبرز قيمته في الربط المنهجي بين التنظير الفلسفي والواقع اليمني المتأزم، مع استعراض تجارب دولية ناجحة؛ ما يحولها إلى خارطة طريق عملية لاستعادة الهوية، وإعادة بناء المؤسسات والتعليم التي تُعد مظاهر أساسية للخروج من التيه وتحقيق النهضة.
استخدم البحث المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي، وذلك لتحليل الأحداث التاريخية والرجوع إلى مصادرها، واستقراء التجارب الرائدة للخروج من التيه والاستفادة منها.
الحدود الموضوعية: العرب والمسلمون في سنوات التيه والجذور التاريخية لها وتجارب الخروج من التيه ومظاهره.
الحدود المكانية: تتمثل الحدود المكانية في الدول العربية والإسلامية واليمن أنموذجًا.
الحدود الزمانية: تمتد المدة الزمنية لهذا البحث من بداية سقوط الدولة العثمانية عام 1916م إلى يومنا هذا.
ونوضح هنا المصطلحات المتعلقة بالعرب والمسلمين في سنوات التيه، وذلك على النحو الآتي:
جيلٌ لسانهم العربيّةُ والعربي واحد منهم، وليس العربي والأعرابي واحدٌ، فالعربي هو الذي له نسب صحيح في العرب وإن كان ساكنًا في الأمصار[1].
جمع مسلم، وهو اسم متَّبع دين الإسلام، وذلك بتسمية الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج:78][2].
«(تيهه) أضله والشيء ضيعه ونفسه حيّرها»، وقيل: «(تاه) في الأرض يتيه (تيهًا) و (تيهانًا) ذهب متحيرًا»[3].ويمكن أن نعرف التيه إجرائيًا أنه: حالة التراجع الحضاري والفكري والسياسي، التي مر بها العالم العربي والإسلامي خلال القرون الأخيرة، المتمثلة في أزمات الهوية وغياب المشروع النهضوي والقيادة الفاعلة، والتراجع المعرفي، ويُعد هذا المفهوم إطارًا تحليليًا لفهم التحولات التي طرأت على الأمة خلال القرنين الماضيين.
يسعى هذا المحور إلى سبر أغوار الحالة الراهنة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي، التي أطلِق عليه في بحثنا هذا بـ «سنوات التيه»، ويعد تقاطعًا معقدًا بين انكسارات سياسية تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية وتفكك الخلافة، وبين أزمات فكرية عميقة أحدثت شرخًا في الهوية والوعي الجمعي العربي الإسلامي، وعن طريق المحاور الآتية، سنعمل على تفكيك بنية هذا التيه، وتحليل الجذور التاريخية للنظام الإقليمي الهش، ورصد أثر مشاريع الهيمنة والاختراقات الخارجية.
نتناول هنا الجذور العميقة للأزمة السياسية العربية الراهنة، من اللحظة التاريخية الفارقة التي شهدت تفتت الدولة العثمانية وانهيارها وتقسيم الدولة العثمانية إلى دويلات خاضعة للنفوذ الاستعماري، وبروز الثورات ضد الاستعمار، وبعدها ظهور الدول الوطنية ذات السيادة الهشة، وثورات الربيع العربي، ونستعرضها عن طريق المراحل التي مر بها التيه السياسي والجذور التاريخية له على النحو الآتي:
شهد العالم العربي والإسلامي منذ سقوط الدولة العثمانية حالة من التشتت السياسي العميق؛ إذ لم يكن هذا التشتت مجرد صدفة تاريخية، بل كان تجسيدًا لمخططات وأهداف القوى الاستعمارية[4]، وذلك عن طريق اتفاق «سايكس - بيكو» (1916م)؛ إذ لم يكتفَ برسم الحدود الدولية، بل وضع حجر الأساس لنظام «توازن الضعف»؛ إذ ركزت المفاوضات الفرنسية - البريطانية آنذاك على ضمان توزيع مناطق النفوذ لقطع الطريق أمام أي قوة إقليمية صاعدة، مع الحرص على إقصاء المنافسين الدوليين مثل ألمانيا، وهو ما وُصف تاريخيًا بتقاسم «الكعكة» الإقليمية[5].
إذ قسمت الاتفاقية فعليًا الولايات العربية العثمانية إلى مناطق تسيطر عليها بريطانيا وفرنسا أو تحت نفوذها، فخصصت الاتفاقية لبريطانيا ما هو اليوم فلسطين والأردن وجنوب العراق ومنطقة صغيرة إضافية تشمل موانئ حيفا وعكا؛ للسماح بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، أما فرنسا فتسيطر على جنوب شرق تركيا وشمال العراق وسوريا ولبنان، أما منطقة فلسطين ذات الحدود الأصغر من فلسطين المنتدبة اللاحقة فإنها ستكون تحت «إدارة دولية»[6].
كانت الأوضاع السياسية في مختلف البلدان العربيّة على صفيح ساخن، وذلك مع انطلاق القرن العشرين، ففي فلسطين تشكلت مجموعات مقاومة شعبيّة أخذت على عاتقها الوقوف ضدّ الاستيطان اليهودي، وفي ليبيا برزت الأطماع التوسعيّة الإيطاليّة التي لم تجد أفضل من ليبيا امتدادًا لنفوذها السياسي والعسكري، فقامت باحتلالها وسلخها عن الإمبراطوريّة العثمانيّة، فتشكلت وحدات مقاومة وحركات تحررية جهادية ضد المحتل الإيطالي.
لقد استطاعت ثورة الضباط الأحرار في مصر إسقاط النّظام الملكي والاستيلاء على الحكم، وتشكيل مجلس قيادة الثورة بقيادة محمد نجيب عام 1952م[7].
أما سوريا فمنذ فرض السيطرة الاستعمارية على سوريا عام 1920م فقد حصلت مشادات بين الجيش الفرنسي والوطنيين السوريين المصرّين على نيل الاستقلال، حتى عام 1646م حيث تحقق نضال الشعب السوري، وجرى إجلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سوريا[8].
أما العراق فقد كان إعلان استقلاله عن الانتداب البريطاني عام 1932م بموجب قرار مجلس العصبة للأمم المتحدة، وبذلك دخول العراق عضوًا في العصبة بوصفه دولة مستقلة[9].
ثم كان إعلان استقلال المملكة العربيّة المغربيّة عن فرنسا في العام 1956م، وبهذا تكون لجنة تحرير المغرب قد استطاعت توحيد جيوش الأقطار الثلاثة (تونس، الجزائر، المغرب) في جيش تحرير المغرب، الذي استطاع أن يضغط على فرنسا ويجبرها على الجلاء عن بلدان المغرب العربي الواحدة تلو الأخرى؛ ليتكلّل هذا الإنجاز بتحرير الجزائر عام 1962م بعد مقاومة شرسة لقيت فيها فرنسا ضربات موجعة، وارتكبت خلالها أعمالًا إجراميّة وإرهابيّة تتخطى جرائم الحرب بأشواط ومسافات؛ إذ ارتقى في سبيل الانتصار على المحتل في الجزائر أكثر من مليون شهيد، وإلى الآن لم تعتذر فرنسا عن مجازرها بحقّ الأبرياء في الجزائر فيما عُرف بـ“ثورة المليون شهيد“[10].
حصلت كثير من دول الشرق والجنوب (بما في ذلك الدول العربية والإسلامية) على الاستقلال بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن معظم هذه الدول قد نالت استقلالًا شكليًا، وهو ما يتضمن استقلال (العلم والنشيد وعضوية الأمم المتحدة)، وليس الاستقلال الحقيقي (وهو ما يتضمن استقلالًا حضاريًا، الذي يشتمل على استقلال الفكر والعقل والاقتصاد والقرار السياسي)، ولذلك بقيت هذه الدول مرتبطة برباط التبعية إلى المركز الغربي الذي انسحبت جيوشه من تلك الدول، فيما بقيت سيطرته الاقتصادية وغزوه الفكري متمسكًا بهذه الدول بما يشبه بقيود ناعمة إلا أنها أشد ضررًا من قيود الحديد[11].
إلا أن الحقبة الاستعمارية خلفت لها إرثًا ثقيلًا من النزاعات الهيكلية والصراعات الداخلية التي لا تزال تلقي بظلالها على واقع هذه الشعوب حتى اليوم، وفي هذا السياق، يمكن إرجاع ظاهرة الصراعات العربية البينية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين إلى عدة أسباب، أبرزها:
أما النموذج الصراعي الثالث، فيتمثل في الصراع على تثبت نظام الحكم السلطاني في عُمان (1960 - 1976م)؛ إذ دعمت السعودية والأردن نظام السلطنة العمانية ضد حركة تحرير ظفار التي دعمها النظام الاشتراكي لاحقًا (بعد عام 1967م) في جنوب اليمن[14].
ارتباط صراعات أخرى في هذه المدة بمسائل إقامة الدولة، لا سيما الصراع العربي - الإسرائيلي، ثم الفلسطيني - الإسرائيلي لاحقًا (1948م - إلى اليوم) من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة من الثمانينيات حتى أوائل التسعينيات؛ إذ كانت الحرب بين إيران والعراق (1980 - 1988م)، والحرب الأهلية الجزائرية (1991 - 2002م) أشد صراعين في هذه المدة، ومع بداية انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية في النصف الثاني من الثمانينيات وبداية التسعينيات، انهارت أنظمة عربية كاملة كان بقاؤها يعتمد على الاتحاد السوفيتي، مثل الصومال (1986 - 1992م)، والجمهورية الديمقراطية الاشتراكية في اليمن الجنوبي (1986 - 1990م)[15].
ثم انخفضت الصراعات في النصف الثاني من التسعينيات والسنوات الخمس الأولى من القرن الحادي والعشرين، ولكن وتيرة الصراعات ارتفعت مرة أخرى مع زيادة التوجه العالمي نحو محاربة الإرهاب، خصوصًا بعد الهجوم على المدمرة الأميركية «كول» في 12 أكتوبر 2000م في اليمن، وهو الهجوم الذي نفذه تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وبروز الجماعات المتطرفة في شبه جزيرة سيناء بمصر، مرورًا بالهجمات الإرهابية داخل الدول الغربية ذاتها، مثل هجمات 11 سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة، واشتد القلق العالمي من ظاهرة الإرهاب بعد حادثتي تفجير في مدريد في 11 مارس 2004م ولندن في 7 يوليو 2005م، ومن ثَّمَّ تعزز التنسيق العالمي في محاربة الإرهاب كما سُمي في دول المصدر؛ لذلك، تجد في الجزائر نشاطًا ملحوظًا للعمليات العسكرية ضد الجماعات الإرهابية، كما تحارب مصر كثيرًا من المنظمات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء، وفي اليمن والسعودية، تستهدف عمليات عسكرية عدة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، التي تعد من أخطر الجماعات الإرهابية وأنشطها في المنطقة العربية[16].
وكذلك اتخاذ أدوات تنفيذية مدروسة لإعادة هندسة المنطقة وتفكيكها بنيويًا بما يخدم ثنائية (المصالح الأمريكية - الصهيونية)، تأتي هذه المشاريع لتمثل المرحلة الآتية من «سايكس بيكو»؛ إذ لا يُكتفى فيها برسم الحدود «الشرق الأوسط الجديد»، بل يُعاد بواسطتها صياغة المنطقة جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا؛ لتجريدها من أي مقومات للمقاومة أو الاستقلال الفعلي[17].
ومما ساعد على تأجيج الصراعات الداخلية وتنامي التدخل الخارجي، عجزت جامعة الدول العربية عن القيام بدورها في حل النزاعات، وعدم قدرتها على حماية الأمن القومي العربي، فمنذ ثمانين عامًا ظلت الجامعة عاجزة عن التحول من «ديوان للدبلوماسية» إلى «مؤسسة فاعلة»[18].
وتعود أسباب هذا العجز إلى عوامل جوهرية:
أدى ذلك إلى تعرض الوطن العربي اليوم لأعنف موجات الاختراق وأكثرها تعقيدًا منذ عهد الاستعمار التقليدي؛ إذ لم يعد الاختراق يقتصر على السيطرة العسكرية المباشرة، بل تحول إلى منظومة متكاملة تهدف إلى تجريد النظام الإقليمي من «عروبته» وإلحاقه بمشاريع عابرة للحدود، يمارس هذا الاختراق سطوته بمسارين متوازيين، يُكمل أحدهما الآخر في إحكام الطوق على الإرادة العربية، وهما كالاتي[22]:
إن هذا التضافر بين الانهيار المؤسسي الداخلي والسطوة الخارجية المتعددة الأبعاد، هو ما أفضى في نهاية المطاف بالدول العربية والإسلامية إلى الدخول في هذه الدوامة الوجودية من حالة التيه السياسي التي نعيشها اليوم.
كانت الثورات العربية خطوة حتمية في ظل تغوّل أنظمة عربية فاسدة وقمعية تخدم المخططات الأميركية في الهيمنة وتسهر على أمن إسرائيل.
وفي عام 2011م قامت ثورات «الربيع العربي» - التي تحولت إلى صراع على السلطة بعد عامها الأول - التي خلفت دولًا فاشلة تعمها الفوضى الدموية، وأسهمت التدخلات الخليجية فيها من جهة وتدخلات أمريكا وإسرائيل من جهة أخرى في تحويل معظم الدول التي انطلقت فيها هذه الثورات إلى دول فاشلة وحروب أهلية وصراعات طائفية ومناطقية وقبلية؛ الأمر الذي صب في نهاية المطاف في مصلحة الجماعات الجهادية المتشددة، وعلى رأسها «الدولة الإسلامية»، وتهيئة الظروف الملائمة لنشوئها وازدياد قوتها.
قال توني بيلر فيلسوف الهيمنة الغربية على المنطقة العربية وأحد أبرز مهندسي الحرب على العراق في بداية انطلاق ثورات الربيع العربي: إنه يرحب بعملية التغيير التي تريد هذه الثورات تحقيقها، ولكن يجب أن يكون هذا التغيير «متحكمًا به» ويخدم المصالح الغربية؛ الأمر الذي يوفر الأسباب التي تكمن وراء التدخلات الغربية لإجهاض هذا الربيع وحرفه عن مساراته الحقيقية، والدفع به باتجاه العسكرة والعنف المسلح[24].
عن طريق مراحل التيه السابقة يتضح لنا أن حالة التيه السياسي التي يعيشها العرب والمسلمون ليست أمرًا حتميًا فرضته الجغرافيا، بل هي نتيجة لنظام إقليمي أسسه الاستعمار ليكون ضعيفًا ومفككًا، وقد زاد من سوء الوضع فشل المؤسسات المشتركة التي تحولت من أدوات لحماية الأمن القومي إلى ساحات للخلافات الداخلية، بالإضافة إلى سياسات الاختراق التي فصلت بين الأرض والهوية، كل هذه العوامل أدت في النهاية إلى فقدان العرب والمسلمين سيطرتهم على قرارهم؛ ليصبحوا تابعين لإرادات دولية خارجية؛ ما أدى إلى دخول العرب والمسلمين في دائرة التيه السياسي.
نوضح هنا التيه الفكري وإشكالية التبعية الثقافية التي مر بها العرب والمسلمون وآفاق النهوض ومستقبل الوعي العربي على النحو الآتي:
واجهت البنية الثقافية والاجتماعية للأمة العربية صراعًا فكريًا وجوديًا احتدم مع وقوع الصدمة الحضارية الأولى، التي أحدثها التماس المباشر والعنيف مع المنظومات الاستعمارية الغربية، لم تكن هذه الصدمة تقنية فحسب، بل كانت وجودية؛ إذ فرضت على المفكر العربي الاختيار بين الارتماء في أحضان المنجز الغربي أو الانكفاء على الماضي[25].
ويتجلى التيه الفكري في الاستلاب الفكري وتيارات التغريب: إذ انبهرت قطاعات واسعة من النخب بالمنهجية الغربية، ليس فقط أدوات للعلم، بل نمط حياة وقيمًا سياسية مطلقة؛ ما أوجد فجوة سحيقة بين هذه النخب وبين القاعدة الشعبية المتمسكة بأصولها[26].
على الرغم من هذه الصورة القاتمة، إلا أن هناك تحولات بنيوية في الوعي الجمعي العربي تبشر بإمكانية التغيير، لم تعد الظروف الدولية والإقليمية كما كانت قبل مائة عام؛ فالأمة التي كانت تعاني من أمية تتجاوز 90%، باتت اليوم تعتمد على جيل شاب متصل بالعالم بواسطة وسائل التواصل الحديثة[27].
عناصر الأمل في التغيير:
مما سبق يمكن القول: إن تيه العرب والمسلمين تمثل في عجز النظام الإقليمي الذي أسسه الاستعمار عن تحقيق الشرعية أو التكامل؛ ما أنتج حالة من التبعية السياسية والمؤسسية، توازت مع تشتت فكري بين التغريب والتقليد، وهو ما مكن القوى الخارجية من اختراق الوعي العربي والإسلامي، وتفتيت الهوية الجمعية؛ لضمان بقاء المنطقة ساحة للمشاريع الدولية.
سنتناول في هذا المحور التيه السياسي في اليمن والجذور التاريخية الزمنية المتلاحقة والتأثيرات التعليمية والاجتماعية لها.
يمكن عرض مسألة التيه السياسي في اليمن والجذور التاريخية للأحداث الزمنية المتلاحقة عن طريق المراحل الآتية:
نستعرض جذور التيه السياسي اليمني منذ بروز حدة الصراع العسكري بين قوات الإمام يحيى حميد الدين والدولة العثمانية إلى حالة من الاستنزاف المتبادل؛ ما فرض ضرورة البحث عن مخرج سياسي، وتوجت هذه الجهود بـ “صلح دعّان“ عام 1911م، الذي مَثَّل حلًا وسطًا للطرفين اليمني والعثماني؛ نتيجة لجهود حربية وسلمية طويلة، وهو وإن كان في جملته عبارة عن عشرين مادة تنظيمية لتحديد العلاقة بين الإمام والعثمانيين، فقد كان في جوهره أول اعتراف رسمي بالإمام يحيى من دولة خارجية، ولتشمل منطقة سيطرته - عدا بعض المناطق الجنوبية والساحلية - للدولة اليمنية، وحازت اليمن بذلك قبل غيرها من الأقطار العربية - على درجة كبيرة من الاستقلال - حتى جاءت معاهد مدروس عام 1918م بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولي؛ لتختتم اليمن عملية تحريرها في شمال البلاد والاعتراف بسيادتها في العام الآتي.
وانتهى بذلك الدور العثماني في اليمن؛ لتدخل حقبة جديدة في ظل حكم الإمام يحيى حميد الدين وقيام المملكة المتوكلية، ويُعد الإمام يحيى حميد الدين أطول من حكم من أئمة بيت القاسم.
أما جنوب اليمن فقد خضع للاحتلال البريطاني الذي انتهج سياسة “فرق تسد“ لترسيخ نفوذه، إلا أن إرادة التحرر انبعثت من حركة وطنية ثورية منظمة، انطلقت شرارة المقاومة المسلحة في ثورة 14 أكتوبر 1963م من جبال ردفان؛ إذ أدت الثورة دورًا محوريًا في استنزاف القوات البريطانية سياسيًا وعسكريًا، وخلق حالة من المقاومة الشعبية الشاملة في عدن والمحميات كافة، وبفعل هذا الضغط النضالي المتصاعد، أُجبرت بريطانيا على الجلاء التام؛ ليتوج هذا المسار بإعلان الاستقلال الوطني، وذلك في 30 نوفمبر 1967م؛ إذ أجبرت بريطانيا على الرحيل[30].
كانت الثورة 1948م (المعروفة بانقلاب الدستور) المنعطف الأبرز في تاريخ اليمن؛ إذ تُعد أكبر تمرد سياسي واجتماعي شهدته البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تميزت هذه الحركة بأنها تحالف عريض ضم مختلف الأطياف من مثقفين، وعسكريين، ورجال قبائل، وتجار، في محاولة للإطاحة بالنظام الإمامي القائم، وعلى رغم نجاح الثوار في اغتيال الإمام يحيى وتشكيل حكومة دستورية، إلا أن المحاولة باءت بالفشل بعد أسابيع قليلة نتيجة لثورة مضادة قادها الإمام أحمد حميد الدين؛ لتنتهي الحقبة بإعدام قادة الحركة عبد الله الوزير، ودخول مدينة صنعاء[31].
وثورة 1955م هي انتفاضة عسكرية قادها المقدم أحمد الثلايا في تعز، هدفت للإطاحة بالإمام أحمد حميد الدين وتعيين أخيه الأمير عبد الله إمامًا دستوريًا، ولكن فشلت الثورة بعد بضعة أيام بسبب تراجع بعض القبائل ودهاء الإمام أحمد في استعادة ولائهم، وانتهت بإعدام الشهيد الثلايا[32].
وبعد فشل انقلاب 1948 و1955م الذي قام به الضباط الأحرار، ومحاولة اغتيال الإمام أحمد 1961م في مدينة الحديدة، وكذلك اضطر الضباط الأحرار إلى وضع برنامج وخطة لإسقاط حكم بيت حميد الدين وإقامة الجمهورية في البلاد، وتوّجت هذه الجهود الوطنية بـ ثورة 26 سبتمبر 1962م الخالدة، التي أعلنت قيام النظام الجمهوري والقضاء على الإمامة.
ومع ذلك فقد خاضت الجمهورية الوليدة صراعًا مريرًا مع القوى الملكية استمر ثمان سنوات، حتى وضعت المصالحة الوطنية عام 1970م حدًا للاضطرابات؛ لترسي بذلك دعائم النظام الجمهوري شمال البلاد وتفتح صفحة جديدة[33].
تُعد المدة (1970-1990م) مرحلة “تثبيت الهوية”؛ إذ شهدت تقلبات حادة بين الرغبة في التحديث والتمسك بالموروث، تخللتها صراعات سياسية واغتيالات لرؤساء في الشمال والجنوب، ومع ذلك، نجحت هذه المدة في وضع حجر الأساس لمؤسسات الدولة، وانتهت بجعل “الوحدة اليمنية“ الحل الوحيد لإنهاء التوتر وتحقيق الاستقرار الشامل[34].
شهدت مدينة صنعاء خلال 19-22 أبريل 1990م أول لقاء ضم القيادات المدنية والعسكرية، وأسفر عن قرار نص اتفاق على «إعلان الجمهورية اليمنية وتنظيم المدة الانتقالية»، وذلك في 22 مايو 1990م حيث اجتمع مجلسا الشعب والشورى، ووافقا على إعلان قيام الجمهورية اليمنية، ورُفع علم الدولة الجديد[35].
ومع ذلك، واجه المسار الوحدوي تحديات بنيوية جعلت الاستقرار هشًا؛ إذ سرعان ما تبددت أجواء الوفاق وحلت مكانها أزمة سياسية حادة عام 1993م، تطورت إلى حرب في العام 1994م، وانتهت تلك المواجهة العسكرية بفرض واقع سياسي جديد بعد هزيمة القوات الجنوبية؛ ما ترك آثارًا عميقة على بنية الهوية الوطنية ومستقبل الشراكة السياسية في اليمن الكبير[36].
اتسمت المدة الممتدة ما بين عامي 1995م و2006م بمرحلة من شبه الاستقرار الظاهري؛ إذ شهدت البلاد دورات انتخابية نيابية ورئاسية متتالية، إلا أن تلك التعددية ظلت صورة شكلية دون إحداث تداول حقيقي للسلطة؛ ما أدى بالتبعية إلى حالة من الجمود السياسي عقب عام 2006م، بدأت تظهر حالة من الجمود السياسي، وتزايدت الانقسامات داخل الأحزاب، وضعف قدرتها على تمثيل الشارع، وحين اندلعت ثورة فبراير 2011م، كشفت الأوضاع هشاشة هذه الأحزاب وعدم قدرتها على قيادة التحول الديمقراطي، بل تحولت أغلبها إلى أدوات صراع على النفوذ، وتسببت بتعطيل المرحلة الانتقالية؛ ما مهد لانهيار النظام بحلول العام 2014م[37].
استمر الصراع والاضطرابات والأحداث والانقسامات بعد الوحدة اليمنية؛ إذ شهدت اليمن صراعات متعددة، كحروب صعدة الست (2004-2009م) بين الدولة وحركة «أنصار الله» (الحوثيين)، في صراعٍ عسكري محتدم غذته دوافع دينية وسياسية مناهضة للنفوذ الخارجي؛ ما أنهك مؤسسة الجيش وفتح ثغرة واسعة في جدار الاستقرار الوطني.
ومن ذلك ظهور «الحراك الجنوبي» في عام 2007م ردَّ فعل شعبي على سياسات التهميش التي أعقبت حرب 1994م؛ ليتصاعد هذا الحراك من مطالب حقوقية إلى مناداة بالاستقلال، وصولًا إلى مأسسته في مايو 2017م تحت مظلة «المجلس الانتقالي الجنوبي»؛ الذي فرض واقعًا عسكريًا وسياسيًا جديدًا مدعومًا من أطراف إقليمية؛ ما أضاف تعقيدًا آخر لمفهوم السيادة والوحدة، وفي العام 2026م جرى حل المجلس الانتقالي، ولاتزال الصراعات مستمرة.
بحلول 11 فبراير 2011م، انفجر الغضب الشعبي في ثورة شبابية طالبت بالتغيير والعدالة الاجتماعية، وأدت بالفعل إلى رحيل نظام علي عبد الله صالح بموجب المبادرة الخليجية، إلا أن تعثر المرحلة الانتقالية وفشل التوافق فتح الأبواب على مصراعيها لفراغ السلطة، هذا الفراغ استثمره الحوثيون للسيطرة على العاصمة عام 2014م؛ ما أدى إلى طلب الحكومة تدخلًا عسكريًا إقليميًا في مارس 2015م بقيادة السعودية ضمن «عاصفة الحزم» لاستعادة الشرعية.
ومنذ ذلك الحين، دخلت اليمن في دوامة الحرب والصراعات المستمرة، ولذلك بُذلت جهود دولية لحل الصراعات والنزاعات عن طريق المفاوضات، إلا أنهاء فشلت؛ بدءًا من جنيف والكويت، مرورًا بـ ستوكهولم، ووصولًا إلى الرياض، فقد اصطدمت هذه المساعي برفض الحوثيين تسليم السلاح أو الانسحاب من المدن، وتداخلت الأجندات الإقليمية مع الانقسامات المحلية؛ ليظل المشهد اليمني مفتوحًا على كل الاحتمالات في ظل غياب حل سياسي شامل ينهي معاناة البلاد[38].
مما سبق يتضح أن التيه السياسي الراهن ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج بنيوي لتعثر الانتقال من نمط الشرعيات التقليدية أو الثورية إلى الدولة المؤسسية الحديثة؛ إذ تسببت دوامة الانقلابات والحروب والنزاعات منذ التحرر من الحكم العثماني والاستعمار البريطاني حتى يومنا هذا في إعاقة نضج التجربة السياسية الوطنية، وقد تعمق هذا التيه نتيجة لتداخل الأجندات الإقليمية مع الانقسامات المحلية؛ ما أدى إلى ارتهان القرار السيادي لولاءات خارجية؛ الأمر الذي أضعف قدرة القوى الوطنية على التوافق المستقل؛ ما أدى هذا التشظي والانقسام في مراكز القوى إلى تعطيل المسارات الانتقالية، وتآكل العقد الاجتماعي وتحويل التعددية السياسية من أداة للتداول السلمي إلى وسيلة لتعميق الصراع؛ ما جعل اليمن يعيش حالة من التيه السياسي الذي انعكس أثره المباشر في انهيار الاستقرار الشامل وتفاقم المعاناة الإنسانية.
من خلال الجمود السياسي والصراعات التي مر بها اليمن - كما ورد سابقًا - برزت آثار تعليمية واجتماعية كما يلي:
تواجه اليمن تحديات وصعوبات جسيمة في مجال التعليم، وعلى الرغم أن اليمن لها تاريخها الحضاري المعاصر بحسب المراحل التاريخية وظروفها الزمنية، إلا أن قضية التعليم أهملت ولم تواكب التغيرات الحاصلة من حولها، وأصبح ينظر لها في مصاف الدول المتأخرة أو المتخلفة، وربما يعود ذلك إلى عدة أسباب، تحمل مسؤوليتها كل شرائح وفئات المجتمع من الفرد والأسرة إلى أعلى سلطة في البلاد، وقد بينت الأبحاث الميدانية والنظرية أن أي خلل في العملية التعلمية، وأي تخلف علمي لأي دولة تتبعه مشاكل أخرى (صحية، اجتماعية، سكانية، فقر، بطالة) تعيق التقدم والتنمية.
وهناك دلائل على تردي نوعية التعليم، وهو ما يعني تدني التحصيل المعرفي والقدرات التحليلية والابتكارية، وأسهم الخلل الحادث بين سوق العمل ومستوى التنمية من جهة، وخريجي النظام التعليمي من جهة أخرى في ضعف إنتاجية العمالة، واختلاف هيكل الأجوار، وتفشي البطالة، وتدهور الأجور الحقيقية للأغلبية العظمى؛ ما يعني ضعف العائد الاقتصادي والاجتماعي للتعليم[39].
أشار المدير الإقليمي لمنظمة (اليونسف) لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن المنظمات الدولية تتحدث عن الأزمة الصحية في اليمن، وعن المجاعة، لكن قلما تتحدث عن أزمة التعليم.
وأوجز بقول: إن الانخفاض في معدلات الدوام المدرسي للأطفال في مدة النزاعات في اليمن أدى الي عدم قدرة نصف مليون طفل جدد الذهاب إلى المدرسة، وبات ما يقرب من 2 مليون من الفتية والفتيات في اليمن لا يذهبون إلى المدرسة، أو لم تتح لهم الفرصة، وأكد أنه وفقًا للبيانات التي جرى التحقق منها من قبل اليونيسف فإن ما يقدر بنحو 2,500 مدرسة في اليمن لم تعد تخدم الأغراض التعلمية مع عدد غير محصور للمدارس التي إما دمرتها الحرب، وإما تستخدم الآن لأغراض عسكرية، أو لإيواء النازحين.
وتطرق مدير اليونيسف إلى الكارثة الأكبر، وهي أن أغلب المعلمين اليمنيين لم يتقاضوا رواتب أكثر من عام، ونقص الاستثمارات يسهم في نظام تعليمي متخلف للغاية؛ إذ يتعلم الأطفال اليمنيون من الكتب التي مضي عليها عشرات السنين.
وذكر أن «قطاع التعليم في اليمن على وشك الانهيار، بل ينهار بالفعل، ولقد رأيت ذلك في كل المدراس التي زرتها وسمعت ذلك من كل مدرس تحدثت إليه»، كما حذر من التأثير المجتمعي للنظام التعليمي اليمني المتعثر، الذي ازداد تعقيدًا بسبب زيادة البطالة والفقر[40].
شهدت المرحلة الأخيرة تدهورًا كبيرًا في الحقوق الاجتماعية للمواطن اليمني تتجسد في قلة دخل الفرد، وزيادة معدلات البطالة، وخصوصًا بين الشباب، واتساع متزايد لرقعة الفقر، وتدهور في الخدمات.
وقد أدت عوامل كثيرة - لا يتسع المجال لذكرها هنا - إلى تركيز السياسات الحكومية في التطبيق على جوانب الإصلاحات السعرية، أي: رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية والمشتقات النفطية، مع إهمال الجوانب المتصلة بالإصلاحات المالية والإدارية، ومكافحة الفساد.
وفي حين زادت الموارد المتاحة للحكومة، فقد أدى ذلك إلى الإخفاق الحكومي في جوانب الإصلاح المالي والإداري.
ولكن استمرار التدهور في قيمة الريال المصحوب بارتفاع مطرد في أسعار السلع والخدمات؛ ما نتج عن ذلك زيادة معانة المواطن اليمني والنزوح سواء داخل اليمن أم خارجها[41].
مما سبق يتمثل التيه اليمني في تعثر الانتقال من صراعات الإمامة والاستعمار إلى مرحلة «الوحدة الهشة» التي أجهضتها الحروب الداخلية والجمود السياسي؛ ما أدى إلى تشظي الهوية الوطنية وتدخلات إقليمية حولت البلاد إلى ساحة صراع، وأنتج ذلك انهيارًا بنيويًا في منظومة التعليم والنسيج الاجتماعي والاقتصادي للمواطن.
في هذا المحور، يُلقى الضوء على نماذج مشرقة لدول خرجت من ظروف مشابهة للواقع العربي والإسلامي نحو تنمية مستدامة ونهضة حقيقية، مثل: ماليزيا وتركيا وكوريا الجنوبية، هذه التجارب، التي تحولت فيها دول نامية إلى قوى اقتصادية عالمية عن طريق إصلاحات شاملة واستثمار في التعليم، يمكن للدول العربية والإسلامية استلهامها للخروج من التيه، ونستعرضها على النحو الآتي:
ماليزيا بلد مساحتها تعادل 329.758 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها 28 مليون نسمة، وتتكون من خليط من الأجناس المختلفة من المالبون، والصينيين، والهنود، وكان الماليزيون يعيشون في الغابات، ويعملون في زراعة الطماط، والموز، والأناناس، وصيد الأسماك، وكان متوسط دخل الفرد أقل من ألف دولار أمريكي سنويًا، وكانت الصراعات الدينية والعرقية تمثل تحديًا كبيرًا أمام الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
اعتمد الاقتصاد الماليزي على الزراعة وتصدير المواد الخام كالغاز الطبيعي والنفط، وعانت ماليزيا من ارتفاع معدل الفقر والبطالة، وكذلك أزمة الديون الخارجية[42].
انطلقت استراتيجية النهضة والتنمية من ثلاثة محاور، وهي:
من أجل إحداث الجودة في العملية التعلمية أجرت الحكومة الماليزية عددًا من الإصلاحات في المناهج مع العمل على زيادة استخدام التكنولوجيا في التعليم، كما اتخذت عددًا من الإجراءات من أجل إحداث الفاعلية والكفاءة في النظام الإداري للتعليم، وتضمن ذلك الاهتمام بالعملية التعلمية داخل الصف الدراسي والجوانب الإدارية المختلفة في النظام التعليمي، وكذلك الاهتمام بالمعلم.
وبلغ إجمالي ما أنفقته الحكومة الماليزية على التعليم في عام 1996م 2.9 مليار دولار أمريكي، بنسبة 21.7% من إجمالي حجم الإنفاق الحكومي، وازداد هذا المبلغ إلى 3.7 مليارات دولار أمريكي عام 2000م بما يعادل 23.8% من إجمالي النفقات الحكومية.
وفي نظام التعليم، جعل مهاتير محمد مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية (الروضة) جزءًا من النظام الاتحادي للتعليم، واشتراط أن تكون جميع دور الرياض وما قبل المدرسة مسجلة لدى وزارة التربية والتعليم، وأنشأ الكثير من معاهد التدريب المهني، التي تستوعب طلاب المدارس الثانوية وتؤهلهم لدخول سوق العمل في مجال الهندسة الميكانيكية والكهربائية وتقنية البلاستيك.
كما أنشأت الحكومة الماليزية عددًا مما يعرف بالمدارس الذكية التي تتوافر فيها مواد دراسية تساعد الطلاب على تطوير مهاراتهم واستيعاب التقنية الجديدة، وذلك من خلال مواد متخصصة عن أنظمة التصنيع المتطورة وشبكات الاتصال ونظم استخدام الطاقة التي تحدث تلوثًا بالبيئة[43].
كانت خطه مهاتير واضحة للشعب؛ ما أكسبه ثقتهم وحماسهم للعمل، فقد سعى إلى أن تكون ماليزيا في عام 2020م رابع قوة اقتصاديه في آسيا بعد الصين واليابان والهند، وهذا ما سمي بخطة (عشرين عشرين)، فبدأ بتنمية الصادرات لإنعاش الاقتصاد في قطاع السياحة، ثم تحديد الدخل المستهدف في عشر سنوات لـ 20 مليار دولار أمريكي بدلًا من 900 مليون دولار أمريكي في عام 1981م إلى 33 مليار دولار أمريكي سنويًا، ليحدث ذلك اتُخذت عدد من الإجراءات: تنشيط السياحة لتصبح ماليزيا (مركزًا عالميًا) للسباقات الدولية في السيارات والخيول والألعاب المائية والعلاج الطبيعي، وخصصت عدد من الشركات والمؤسسات الحكومية مع احتفاظ الحكومة بسهم خاص في إدارة المؤسسة ذات الأهمية الاجتماعية الاستراتيجية؛ لتمارس الحكومة دورها في الرقابة والإشراف عليها، وللتقليل من الآثار السلبية في أن تتحول إلى القطاع الخاص، ومنحت الحكومة تأمينًا ضد البطالة للعاملين في الخدمات التي جرى تحويلها إلى قطاع خاص، ووفرت فرصًا بديلة لهم؛ ما أحدث نقلة نوعية في الاقتصاد الماليزي.
قاد مهاتير محمد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ثورة صناعية بماليزيا تزامنت مع انخفاض عدد أبناء الصيادين والمزارعين الذين امتهنوا مهن آبائهم منخفضة الأجر، وأصبح هؤلاء الشباب بعد ذلك هم تروس الاقتصاد الحديث، وهاجروا إلى المدن بمعدلات غير مسبوقة، ونتيجة لهذا انخفض أعداد الموظفين ممن هم تحت خط الفقر من 52% في عام 1970م إلى 5% في عام 2002م، وشجعت الحكومة الصناعية ذات التقنيات العالية وأولتها عناية خاصة، كما عملت على التصنيع في الإسمنت والحديد الصلب، بل وتصنيع السيارات الماليزية الوطنية، ثم التوسع في صناعة النسيج وصناعة الإلكترونيات التي صارت تسهم بثلثي القيمة المضافة للقطاع الصناعي، وتستوعب 40% من العمالة.
والجدول الآتي يوضح معدلات الفقر:
جدول (1)
يوضح إحصاءات عن مراحل النمو في ماليزيا (سباعنة)
|
البند |
قبل النهضة 1981م |
عندما ترك مهاتير الحكم 2003م |
2015م |
|
متوسط دخل الفرد |
350 دولارًا |
8,000 دولار |
16,000 دولار |
|
نسبة من هم تحت خط الفقر |
%70 |
%5 |
%2 |
|
نسبة البطالة |
%10 |
%4 |
%2.5 |
|
نسبة الأمية |
%47 |
%10 |
%1 |
وخلال مدة حكم مهاتير، أُنشئ أكثر من 15 ألف مشروع صناعي بإجمالي رأس مال وصل إلى 220 مليار دولار أمريكي، وفرت مليوني فرصة عمل للشعب الماليزي، وشكلت المشروعات الأجنبية نحو 54% من هذه المشاريع، في حين مثلت المشروعات المحلية 46%[44].
«ثروة أي دولة هي شعبها»، بهذه الكلمات الخاصة لمهاتير محمد، فإن المحور الأهم في مشروع التنمية هو الإنسان، المواطن الماليزي، فبالعودة إلى الخليط الديني والعرقي للمكون الماليزي، ندرك أهمية الاستثمار في الإنسان؛ فهذه الأعراق المختلفة لن تجتمع إلا بعد أن جرى العمل جيدًا على الإنسان وتنميته تنمية واعية بالشكل السليم.
كان من أعظم أسباب نجاح ماليزيا بعد التعايش السلمي بين الأديان والأعراق المختلفة التركيز على بناء البشر قبل الحجر، وقد وضع قائد النهوض النمر الأسيوي - مهاتير محمد - خطه طموحة تستهدف بناء الإنسان، وفحواها: فلسفة التعليم بماليزيا على إعداد المواطنين بصورة أكثر ديناميكية وإنتاجية؛ لمواجهة تحديات القرن القادم في عمليات التنمية الوطنية نحو تحقيق وضع صناعي جديد، وإعداد أفراد إعدادًا عقليًا روحيًا جسميًا وعاطفيًا قائمًا على الإيمان بالله وطاعته، وتزويدهم بالمعارف والمهارات والقدرات؛ ليتحملوا المسؤولية والقدرة على الإسهام في حدة رخاء الأسر والمجتمع والوطن بشكل كامل، وتكوين نظام تعليمي على مستوى عالمي يفي بمتطلبات وتطلعات الشعب الماليزي، ويحقق مبدأ تكافؤ الفرص بإتاحة فرصة التعليم لجميع الماليزيين[45].
مما سبق يتضح للباحث أن ماليزيا تجاوزت مرحلة التيه عن طريق إحلال التنمية الشاملة بدلًا من الصراعات العرقية؛ إذ استثمرت بكثافة في التعليم النوعي عن طريق بناء الإنسان، والتحول من التبعية الريعية إلى السيادة الصناعية والتقنية، هذا المسار العقلاني حوّل التعددية الاجتماعية إلى قوة إنتاجية؛ ما أدى إلى تقليص معدلات الفقر والأمية، وتحقيق استقرار سياسي قائم على منجزات ملموسة وعقد اجتماعي جديد بعيدًا عن الارتهان للخارج؛ لتصبح بذلك نموذجًا يُحتذى به.
تبلغ مساحة تركيا 780.580 كم مترًا، ويقع 97% منها في قارة آسيا والباقي في أوروبا، يطل غرب تركيا على بحر إيجة، وجنوبها على البحر المتوسط وسوريا وقبرص، وشمالها على البحر الأسود.
كما يبلغ عدد سكان تركيا حوالي 72 مليون نسمة، يشكل الأتراك أكبر تشكيلة عرقية للسكان حوالي 66%، يليهم الأكراد 30%، ثم الزازا 2%، ثم العرب 1%، والشركس 0.5%، والجورجيون 0.5%، وهنالك أقليات أخرى يونان وآشوريون.
ومن هنا تتضح الأهمية الجغرافية لتركيا حيث تتوسط قارات العالم الثلاث آسيا، أوروبا، وإفريقيا وتقع في قلب المجال الجغرافي المسمى «أوراسيا»، وهي بذلك تُعد المنطقة الوسيطة المتحكمة في قلب العالم؛ الأمر الذي يؤهلها لأن تكون دولة محورية أو حاسمة في المجال الجيوسياسي، وهي دولة قارية وبحرية في نفس الوقت، وتحدها ثماني دول؛ ما يتيح لها اختيار سياسات أو تحالفات، كما تحيطها المياه من ثلاث جهات، وتسيطر على ممرين مائيين[46].
منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أحرزت جمهورية تركيا تقدمًا مهمًا نحو توسيع نطاق الوصول إلى التعليم للمتعلمين من جميع الأعمار إلى جانب التقدم المحرز في زيادة جودة التعليم.
حققت تركيا هذا التقدم على رغم التحديات العالمية الكبيرة، بما في ذلك الأزمة المالية العالمية 2008- 2009م وجائحة كوفيد 19 للعام 2019م، وخلال العقد الماضي، استقبلت تركيا أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري، من بينهم 1.2 مليون طفل، وبوصفها الدولة الأولى في العالم من حيث استضافة الأطفال اللاجئين، فقد زاد توفير التعليم لأطفال اللاجئين السوريين من التحديات المعقدة التي تواجه النظام التعليمي التركي.
سعت السياسة - الرئيسة - الرامية إلى توسيع نطاق الوصول إلى التعليم إلى زيادة المشاركة في مراحل الطفولة المبكرة والتعليم قبل المرحلة الابتدائية وبعدها، وقد شكّل نطاق الوصول إلى التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم ما قبل المدرسي في السنة التي تسبق المرحلة الابتدائية محورًا رئيسًا خلال معظم العقود، مع اتخاذ عدد من التدابير في السنوات الأخيرة، وفيما يتعلق بالطلاب الأكبر سنًا، فقد ارتفعت معدلات الالتحاق والتحصيل الدراسي بشكل ملحوظ في تركيا.
كما حققت تركيا تقدمًا في معدلات الالتحاق بالمدارس خلال السنوات الماضية، لا سيما بالنسبة للفئات العمرية الأكبر سنًا[47].
كما يعد التعليم هو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية والتنمية الاجتماعية، فقد شكلت العلاقة بين مستويات التعليم والمؤشرات الاقتصادية ونتائج التنمية في مختلف البلدان موضوعًا لا ينفصل عن الأدبيات.
يعد استثمار تركيا في التعليم من أجل توفير رأس مال البشري المؤهل اللازم لتنمية البلاد، وزيادة الإنفاق على التعليم وتحسين جودته؛ من أجل اللحاق بالدول المتقدمة اقتصاديًا.
تشير الدراسات التي أُجريت في تركيا والعالم إلى أن ارتفاع مستوى التعليم يؤثر بشكل إيجابي في النمو الاقتصادي والاجتماعي، وفي هذا السياق، فإن أحد الأسباب الأساسية وراء الاستثمارات المكثفة في تركيا في التعليم في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هي الإسهام الكبير في تحقيق التنمية[48].
شكّل الوضع الاقتصادي البائس والانهيار التجاري والمالي لتركيا في نهاية القرن الماضي التحدي الرئيس لحزب العدالة والتنمية عند تسلمه مقاليد السلطة؛ إذ استطاع الحزب النهوض بالاقتصاد التركي بما يشبه المعجزة، بعد عقود طويلة من فضائح الفساد والرشاوى والبؤس المالي الذي عاش فيه الأتراك.
ولقد مر الاقتصاد التركي بعملية تحول كبيرة طيلة السبع سنوات الواقعة في المدة ما بين الأزمة الاقتصادية الداخلية سنة 2001م والأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008م، أما الآن فيعد الاقتصاد التركي واحدًا من أقوى 16 اقتصادًا في العالم؛ إذ بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي في تركيا إلى حوالي تريليون دولار أمريكي سنويًا.
وأثمرت السياسات الاقتصادية السليمة والإصلاحات الاقتصادية القوية نتائج مبشرة بالنجاح؛ إذ شهد الاقتصاد نموًا قويًا ومطردًا خلال العقد الماضي، ويفضل المضي في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية بخطى ثابتة وانتهاج سياسات الاقتصاد الكلي بنجاح، أصبح الاقتصاد التركي من أسرع الأنظمة الاقتصادية نموًا في المنطقة.
فبين عامي 2004م و2014م ارتفع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 105% ليصل إلى 800 مليار دولار أمريكي.
تدفق إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2014م، فقد وصل 12.5 مليار دولار أمريكي، وعدد الشركات الأجنبية بنهاية عام 2014م، وصل 41,397 شركة، وارتفع إجمالي الصادرات في تركيا من 152.5 مليار دولار أمريكي 14 سنة 2012م ليصل إلي 158 مليار دولار أمريكي سنة 2014م[49].
هي عبارة عن نظام اجتماعي اقتصادي، يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية بين طبقات المجتمع الواحد؛ إذ تعمل على توفير المعاملة العادلة وتوفير الحصة التشاركية من خيرات المجتمع للجميع، وتتمثل في النفعية الاقتصادية، والعمل على إعادة توزيع الدخل القومي، وتكافؤ الفرص؛ ليتشكل في النهاية ما يسمى بالمجتمع المدني.
وعلى رغم تعدد مفاهيم العدالة الاجتماعية، إلا أن عددًا كبيرًا من البحوث الأكاديمية والمؤلفات العلمية تجمع على عدد من أبرزها العناصر الواجب توافرها لتحقيق العدالة الاجتماعية: المساواة وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للموارد والأعباء والضمان الاجتماعي، وتوفير السلع العامة بعدالة بين الأجيال، وهذا ما يحاول النموذج التركي للتنمية الوصول إليه بالاستمرار في التطور ضمن سياقه الوطني والدولي، وأثبت نجاحه بقدرته على دمج الإسلام والديمقراطية وتحقيق التنمية الاقتصادية عن طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، والعمل ضمن إطار السوق الحرة، والاهتمام بالفئات المهمشة في المجتمع، وتُعد التنمية الاقتصادية السمة الرئيسة للنموذج التركي بالاستناد على السوق الحرة والإنتاج الاقتصادي والعدالة الاجتماعية[50].
تُعد السياسة الاجتماعية التركية المواطن هو الأصل في بناء المجتمع؛ فهو الذي يصنع المجتمع الذي يكوّن الدولة، والعلاقة بين المجتمع والدولة يجب أن تكون مبنية على العدالة، فالدولة مطالبة بتحقيق العدل الاجتماعي؛ لتحافظ على قوتها داخليًا وخارجيًا، ومن أهم الأسس التي ارتكزت عليها التجربة النهضوية في تركيا لتحقيق العدالة الاجتماعية ما يلي:
يستنتج الباحث مما سبق أن الدولة التركية تمكنت من تجاوز حالة التيه السياسي الذي اتسم بالانسداد السياسي والانهيار المالي الناتج عن تراكم الديون وفساد المؤسسات، إلا أنها تجاوزت هذه المرحلة بإصلاحات هيكلية جذرية حولت ذلك البؤس إلى معجزة اقتصادية وضعتها ضمن أقوى 16 اقتصادًا عالميًا، وبالتركيز على التعليم النوعي والعدالة الاجتماعية، استطاعت الدولة ردم فجوة الانقسامات المجتمعية وضمان التوزيع العادل للثروة؛ لتصبح بذلك نموذجًا يُحتذى به.
تقع الجمهورية الكورية الجنوبية في الشمال الشرقي لقارة آسيا، وتبلغ مساحتها 99,392 كم، وهي مقسّمة إلى 16 منطقة، وعاصمتها سيول، تتكون المناطق من 6 مدن حضرية وثمانية أقاليم ومقاطعة واحدة ذاتية الحكم، مرت كوريا الجنوبية بعدد من التقلبات والأحداث السياسية، فقد تعرضت للاستعمار الياباني منذ عام 1910م حتى عام 1945م، وفي عام 1945م كان إعلان تأسيس جمهورية كوريا، وتشكيل أول حكومة ديمقراطية، وفي عام 1953م قسمت شبه الجزيرة الكورية إلى كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية إثر الحرب الكورية التي بدأت في عام 1950م، وانتهت بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 1953م.
منذ عام 1990م، حققت كوريا نجاحًا اقتصاديًا واجتماعيا وتنمويًا، واعتبرت واحدة من الدول السريعة في النمو، وفي عام 2013م احتلت المركز 15 بين أكبر اقتصادات العالم[52].
كانت كوريا من الدول الفقيرة، وأصبحت سادس أكبر مصدر في العالم، وتحولت من دولة تتلقى المنح الاقتصادية إلى دولة مانحة، وقد حققت كوريا هذا النمو والتحول خلال مدة زمنية قصيرة؛ بسبب استثمارها في الموارد البشرية عن طريق التعليم.
وقد أدى التعليم دورًا رئيسًا في هذا التحول الكبير لكوريا من أفقر البلدان في العالم إلى دولة متقدمة من أسرع الدول نموًا، في أوائل عام 1945م كان معدل الأمية في كوريا يبلغ 78%، غير أنه بعد مرور أشهر من العام نفسه تجاوز الطلب على التعليم العرض، وارتفع معدل الالتحاق بالمدارس؛ إذ أصبح أعلى بكثير من معدل الالتحاق في الدول الأوروبية والأمريكية ذات المستويات المعيشية المماثلة Sorenen (1994م)، وفي عام 1948م جعلت الحكومة الكورية التعليم الابتدائي إلزاميًا، وقد كانت نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية 54%، ثم بفضل قانون إلزامية التعليم الابتدائي بلغت النسبة 96% في عام 1959م، وبعد الحرب الكورية مباشرة، تبنت الحكومة الكورية الجنوبية مشروع الخمس سنوات للقضاء على الأمية، فارتفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 12 عامًا، وبلغ 96% عام 1958م، وبذلك تمكنت كوريا الجنوبية من رفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة ليكون أحد أعلى المعدلات في العالم.
الإنفاق على التعليم في كوريا الجنوبية هو ثاني أعلى معدل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إذ يبلغ معدل الإنفاق من الناتج المحلي 8% في عام 2009م، وقد كان للقطاع الخاص دور كبير؛ إذ يسهم بنحو 40% من الإنفاق على التعليم، وهو ثاني أعلى معدل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية[53].
تمثل كوريا الجنوبية اليوم رمزًا من رموز الثورة الاقتصادية؛ إذ انتقلت من حالة التخلف بكل ما فيها من سمات ومؤشرات إلى مرحلة النمو والتنمية.
وتعد تجربة كوريا الجنوبية من التجارب التنموية الرائدة في العالم؛ لما لها من أهمية في تطوير الحياة بجوانبها كافة الاقتصادية والاجتماعية، بما حفلت به من إنجازات متعددة هيأت لها كل مستلزمات النمو والتنمية والنهوض والتقدم حتى استطاعت أن تلحق بركب التطور العالمي في وقت قياسي (وهو 26 عامًا فقط)، وقد اعتبرت بحق (معجزة آسيا)، فقد سجل الاقتصاد الكوري نموًا اقتصاديًا عاليًا باستخدام العمالة المؤهلة، وتدفق رأس المال الأجنبي، وتشجيع التصدير، والقيادة الحكومية القوية.
لقد كانت التجربة الكورية في التنمية الاقتصادية إحدى القصص الناجحة في قارة آسيا؛ إذ أسهمت استراتيجية التنمية الكورية التي تُعد الصادرات بمقام محرك للنمو إلى حد كبير في التحول الكبير للاقتصاد الكوري، واعتمادًا على مثل هذه الاستراتيجية زاد إجمالي الدخل القومي الكوري من (23) مليار دولار أمريكي عام 1962م إلى (680.1) مليار دولار أمريكي عام 2004م، ثم إلى (1,200.4) مليار دولار أمريكي عام 2013، كما ارتفع نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي من (87) دولارًا أمريكيًا إلى (14,162) دولارًا أمريكيًا، ثم إلى (24,007) دولارات على التوالي خلال هذه المدة.
لقد أصرت كوريا الجنوبية على أن تحول نفسها من واحدة من أفقر دول العالم إلى قوة اقتصادية كبرى، وما تطلق عليه اليوم المعجزة الكورية، ليس إلا تعبيرًا عن مدى الجهد والإرادة التي قام بها هذا الشعب، فما حدث ليس عملًا خارقًا، ولكنه حصيلة جهد ومثابرة وصبر وإصرار[54].
يستنتج الباحث مما سبق أن دولة كوريا الجنوبية تمكنت من تجاوز حالة التيه والفقر والجهل الذي خلفه الاستعمار والحرب، وذلك بإصلاحات جوهرية متمثلة في الاستثمار في الإنسان عن طريق التعليم ركيزة أساسية؛ ما رفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة والتحول من الأمية إلى الريادة العالمية، كما اعتمدت استراتيجية اقتصادية قائمة على التصدير والعمالة المؤهلة؛ ما قفز بدخلها القومي من أدنى المستويات إلى مصاف الاقتصادات الكبرى في وقت قياسي، إن «المعجزة الكورية» هي نتاج إرادة سياسية قوية وجهد شعبي مثابر؛ لتصبح بذلك نموذجًا يُحتذى به.
بناءً على التجارب الناجحة لماليزيا وتركيا وكوريا الجنوبية، يمكن استخلاص «دستور للنهضة» يرتكز على المحاور الآتية:
يُعد التعليم هو المفتاح الأول الذي استخدمته الدول الثلاث للانتقال من «التيه» إلى الريادة:
الخروج من الاعتماد على المواد الخام إلى التصنيع والتصدير:
النهضة لا تكتمل بدون استقرار اجتماعي قائم على العدالة:
إن المظاهر السابقة تمثل خارطة طريق متكاملة يمكن للدول العربية والإسلامية - وفي مقدمتها اليمن - الاحتذاء بها للخروج من حالة التيه الراهنة وتحقيق نهضة حقيقية وشاملة؛ إذ يتطلب هذا التحول إرادة سياسية تضع بناء الإنسان فوق كل اعتبار، مع تبني رؤية اقتصادية مرنة تستلهم من التجارب (الماليزية، التركية، كوريا الجنوبية)، وكيفية تحويل الأزمات الوجودية إلى دوافع للتنمية والابتكار، فخروج اليمن من تيهه لا يحتاج إلى معجزات غيبية، بل إلى حوكمة رشيدة واستثمار في المجالات التنموية كافة لتحقيق تنمية مستدامة.
تُعد دراسة واقع الأمة العربية والإسلامية في ظل مفهوم سنوات التيه مدخلًا أساسيًا لفهم الأزمات المركبة التي تعصف بالمنطقة؛ إذ كشف البحث أن هذا التيه ليس مجرد تعثر عابر، بل هو نتاج لتراكمات تاريخية وجيوسياسية أدت إلى فقدان النظرة الاستراتيجية للنهضة للخروج من التيه، ومن خلال تحليل الحالة اليمنية نموذجًا مكثفًا، واستعراض التجارب النهضوية الدولية، يتبين أن الخروج من التيه مرتبط بإعادة الاعتبار للإنسان والتعليم ركيزتين أساسيتين للبناء. إن الأمة اليوم تمتلك من المقومات البشرية والوعي المتنامي لدى الأجيال الصاعدة ما يمكنها من تجاوز حالة الاستلاب والتبعية، شريطة تبني مشروع حضاري جامع يرتكز على السيادة الفكرية والاكتفاء الذاتي.