الثقافة الاستهلاكية وانعكاساتها الاقتصادية على التنمية في اليمن
يهدف البحث إلى تحليل واقع الثقافة الاستهلاكية السائدة في المجتمع اليمني، وتشخيص تداعياتها على مسارات التنمية الشاملة والمستدامة، وينطلق البحث من إشكالية تتمثل في شيوع أنماط استهلاكية استنزافية وغير منتجة، من أبرزها: الاستهلاك التفاخري، واستنزاف الموارد المالية والمائية المرتبط بزراعة واستهلاك القات، فضلًا عن المغالاة في الإنفاق خلال المناسبات الاجتماعية، وقد اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لرصد هذه الظاهرة وتحليل أبعادها المختلفة، مستندًا إلى بيانات إحصائية وتقارير دولية ومحلية حديثة. وتوصل البحث إلى وجود علاقة عكسية بين هيمنة الثقافة الاستهلاكية وبين مؤشرات التنمية؛ إذ يؤدي توجيه جزء كبير من الدخل نحو الاستهلاك غير الضروري إلى إعاقة الاستثمار في رأس المال البشري، ولا سيما في مجالي الصحة والتعليم، فضلًا عن تعميق التبعية الغذائية والاقتصادية للخارج، كما كشف البحث عن وجود مخاطر بيئية جسيمة ناجمة عن الهدر في الموارد المائية وسوء إدارة المخلفات.
الكلمات المفتاحية: الثقافة الاستهلاكية، الاستهلاك، التنمية، اليمن.
Abstract
This research aims to analyze the prevailing consumer culture in Yemeni society and diagnose its repercussions on comprehensive and sustainable development. The research stems from the problem of widespread, wasteful, and unproductive consumption patterns, most notably: conspicuous consumption, the depletion of financial and water resources associated with the cultivation and consumption of qat, and excessive spending during social events. The research adopted a descriptive-analytical approach to observe this phenomenon and analyze its various dimensions, relying on statistical data and recent international and local reports. The research concluded that there is an inverse relationship between the dominance of consumer culture and development indicators; directing a large portion of income towards unnecessary consumption hinders investment in human capital, particularly in the health and education sectors, and deepens food and economic dependence on foreign countries. The research also revealed serious environmental risks resulting from the waste of water resources and poor waste management.
Keywords: Consumer culture, Consumption, Development, Yemen.
يُعدُّ الاستهلاك من المواضيع المهمة والمؤثرة في الأفراد سواء في المجتمعات النامية أم المجتمعات المتقدمة، وفي المقابل أصبحت التنمية اليوم هدفًا يسعى بصورة عامة إلى زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي والاقتصادي وتطوير المجتمع، إلا أن الانتشار الواسع لثقافة الاستهلاك يعيق تحقيق هذا الهدف، ففي ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم والانفتاح العالمي للأسواق، تحولت الثقافة الاستهلاكية إلى آلية للسيطرة على الأفراد؛ فأسهم ذلك في تبنيهم سلوكيات استهلاكية مرتبطة بأسلوب الحياة العصرية، وهو ما شجع الشركات المنتجة على توسيع عملياتها التسويقية والترويج لسلعها؛ الأمر الذي زاد من رغبة الأفراد في اقتناء منتجات جديدة ومتنوعة بصرف النظر عن حاجتهم الفعلية لها.
والجدير بالذكر أن هناك مجموعة من العادات التي تحدد بدورها التمايز بين الطبقات الاجتماعية، وتنعكس هذه العادات بصورة جلية في اختيار الأفراد للسلع الاستهلاكية والممارسات الاجتماعية والثقافية، مثل: الأكل والملبس والذوق العام، وهذه الأساليب والأنماط الاستهلاكية تتزايد ممارستها وتختلف من مجتمع إلى آخر، فلكل مجتمع أسلوبه المعيشي والاستهلاكي الذي يميزه عن غيره.
وعلى مستوى المجتمع اليمني، يكتسب البحث أبعادًا بالغة الأهمية، فقد شهد الاقتصاد اليمني - الذي يعاني أساسًا من اختلالات اقتصادية - تحولًا نحو تعميق أنماط استهلاكية تفوق قدرته على الإنتاج ومستوى دخل الفرد، بل وتوجيه النسبة الأكبر من دخل الأسرة نحو الإنفاق الاستهلاكي، هذا الخلل بين تنامي المظاهر الاستهلاكية وتأخر الإنتاج سبب تحديًا كبيرًا أمام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما أدى التأثر بالأنماط الاستهلاكية الوافدة إلى إحداث تغييرات سلوكية جوهرية لدى الفرد داخل المجتمع اليمني، فانعكس سلبًا بشكل مباشر على مسار التنمية، وأسهم في توسيع الفجوة بين الموارد المتاحة وحجم متطلبات الأفراد الاستهلاكية، مما يستدعي العمل على فهم هذه الانعكاسات وآثارها في التنمية.
تمثل الثقافة ذلك الموروث الذي ينتقل من جيل إلى جيل، وتكسبهم سلوكيات وممارسات تُسهم في رسم ثقافة المجتمع، ويتبناها المجتمع للحفاظ على نظامه الاجتماعي والثقافي معًا، ولعل من بين تلك الممارسات الجانب الاستهلاكي للأسر، الذي تتعدد جوانبه فنجد التفاخري والمعتدل والعشوائي، وأصبحت هذه الأخيرة أسلوبًا تتبعه الأسر في إنفاقها وطريقه عيشها؛ نتيجة ما أفرزته التطورات الحاصلة في المجتمعات، وظهور ما يسمى بالنزعة الاستهلاكية، التي جعلت حاجات الأسر تتغير كلٌ بحسب قدراتها الشرائية (الأسرة) المعيشية؛ فظهرت ما يسمى بالتفضيلات والأذواق، تميز الأسر عن بعضها بعض إلى درجة أن بعض المفكرين وصفوها بحمى الاستهلاك، في شؤون الطبخ واللباس والممارسات الثقافية في الأعراس، حتى أصبحت الأمثال الشعبية شعارًا لها، ولعل - كذلك - ما ساعد في بروز الثقافة الاستهلاكية الجانب الإعلامي بالتحديد الإعلان الذي أسهم بشكل أو بآخر في نشر وعرض المنتجات التي تلبي رغبات الأسر وحاجاتهم بالشكل الذي يضمن ويشبع هذه الأخيرة، (لعبيدي ومسعودان، 2024، 83).
وتُعد الثقافة الاستهلاكية من الظواهر العالمية التي لم تعد تقتصر على مجتمع دون آخر، بل أصبحت سمة بارزة من سمات المجتمعات المعاصرة في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، وانتشار وسائل الإعلام والاتصال، وتزايد تأثير العولمة الاقتصادية والثقافية، وقد أسهمت هذه التحولات في تعزيز النزعة الاستهلاكية لدى الأفراد، بحيث لم يعد الاستهلاك مقتصرًا على تلبية الحاجات الأساسية، بل تجاوز ذلك ليصبح وسيلة للتعبير عن المكانة الاجتماعية وإبراز الهوية الثقافية والاقتصادية للأفراد والجماعات، ونتيجة لذلك برز مفهوم الثقافة الاستهلاكية بوصفه منظومة من القيم والاتجاهات والسلوكيات التي تؤثر في أنماط الاستهلاك وتوجهاته داخل المجتمع، حتى غدت هذه الثقافة ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار تشمل مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية.
وعلى الصعيد اليمني، يواجه المجتمع اليمني مجموعة من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي انعكست بصورة واضحة على أنماط الاستهلاك؛ إذ تشير عدد من المؤشرات إلى توجيه نسبة كبيرة من دخل الفرد والأسرة نحو الاستهلاك، في ظل محدودية الموارد وضعف القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، كما تسود في المجتمع أنماط استهلاكية متعددة تستنزف الموارد الاقتصادية وتزيد من الأعباء المالية على الأسر، ومن أبرزها: الاستهلاك المرتبط بالعادات والتقاليد الاجتماعية، مثل: التفاخر والمبالغة في الإنفاق خلال المناسبات الاجتماعية المختلفة، إلى جانب التوسع الملحوظ في استهلاك القات، الذي يمثل أحد أكثر الأنماط الاستهلاكية استنزافًا للدخل والوقت والموارد الطبيعية.
ولا تقتصر خطورة الثقافة الاستهلاكية على إضعاف ميزانية الأسرة أو التأثير في معدلات الادخار والاستثمار فحسب، بل تمتد آثارها لتشكل عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق التنمية المستدامة في اليمن؛ لما تسببه من هدر للموارد الاقتصادية والطبيعية، وتعميق للاعتماد على الاستيراد، وإضعاف دور القطاعات الإنتاجية، فضلًا عن انعكاساتها الاجتماعية والبيئية التي تؤثر في جودة الحياة ومستقبل الأجيال القادمة، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية دراسة الثقافة الاستهلاكية وتحليل انعكاساتها المختلفة على مسارات التنمية في المجتمع اليمني.
بناءً على ما سبق، يمكن تحديد مشكلة البحث في التساؤل الرئيس الآتي: ما انعكاسات الثقافة الاستهلاكية السائدة على التنمية في اليمن؟ وتنبثق عن هذا التساؤل الرئيس مجموعة من التساؤلات الفرعية، هي:
يكتسب هذا البحث أهميتها من التداخل العميق بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للثقافة الاستهلاكية في المجتمع اليمني؛ إذ لم يعد من الممكن النظر إلى أنماط الاستهلاك بمعزل عن مسارات التنمية الشاملة، لا سيما في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع في السنوات الأخيرة، وقد أسهمت هذه التحولات في بروز أنماط استهلاكية متعددة انعكست آثارها على بنية المجتمع ومستويات المعيشة، وأدت إلى اتساع فجوات التفاوت الاجتماعي واختلال أنماط توزيـع الاستهلاك بين مختلف الفئات الاجتماعية؛ الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الأداء الاقتصادي والقدرة التنموية للاقتصاد اليمني.
وتبرز أهمية البحث - كذلك - في سعيه إلى تحليل وفهم تأثير الثقافة الاستهلاكية السائدة على مسارات التنمية في المجتمع اليمني، عن طريق تشخيص الأنماط الاستهلاكية المنتشرة وتفسير أبعادها الاقتصادية والاجتماعية، وما يترتب عليها من آثار تتعلق بإهدار الموارد وتراجع القدرة الادخارية والاستثمارية للأفراد والأسر، كما تكمن أهمية البحث في محاولته تقديم رؤية تحليلية يمكن أن تسهم في فهم هذه الظاهرة بصورة أعمق، واقتراح معالجات وسياسات تسهم في الحد من أنماط الاستهلاك غير الرشيد، وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول بما يتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة ويخدم أهدافها الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع اليمني.
يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:
نظرًا لطبيعة موضوع البحث واقتصاره على الجانب النظري ولتحقيق أهداف البحث والإجابة عن تساؤلاته، جرى الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، الذي يقوم على رصد ووصف ظاهرة الثقافة الاستهلاكية السائدة في المجتمع اليمني، وتحليل انعكاساتها المختلفة على مسارات التنمية، وصولًا إلى استخلاص النتائج التي تُسهم في تقديم رؤية للتحول نحو الاستدامة، كما جرى الاستعانة بالأسلوب الإحصائي لتحليل البيانات الواردة في التقارير الرسمية وربطها بأنماط الاستهلاك في المجتمع اليمني.
الثقافة الاستهلاكية: بداية يعرف السلوك الاستهلاكي أنه: إنفاق المستهلكين دخلهم من أجل الحصول على الإشباع المستمد من استخدام أو استعمال السلع والخدمات التي يقومون بشرائها من أسواق السلع والخدمات، (صدام، 2015، 3).
كما يُعرف السلوك الاستهلاكي أنه: عملية القيام باقتناء المنتج، ثم استخدامه، ثم التخلص من الفائض، فهو عبارة عن استهلاك الإنتاج استهلاكًا نهائيًا بما ينطوي عليه من استخدام المنتجات، من سلع وخدمات أو التمتع بها لإشباع أغراض الاستهلاك بحيث لا تختلف عن هذا الاستهلاك سلعه أخرى تصلح لإشباع حاجة ما، (طالة، 2023، 10).
ويعرف أيضًا أنه: مجموعة الأنشطة والمهارات التي يقدم عليها المستهلكون أثناء بحثهم عن السلع والخدمات التي يحتاجون إليها؛ بهدف إشباع حاجتهم لها ورغباتهم فيها، وأثناء تقييمهم لها والحصول عليها واستعمالها والتخلص منها، وما يصاحب ذلك من عمليات واتخاذ القرارات، وهو السلوك الذي يقوم به المستهلك عندما يبحث ويشتري ويستعمل ويقيم السلع والخدمات بعد استخدامها التي يكون متوقعًا منها أن تُشبع، (عقوب، 2021، 421).
أما الثقافة الاستهلاكية فتعرف أنها: الجوانب الثقافية المصاحبة للعملية الاستهلاكية، وتمثل مجموعة المعاني والرموز التي تصاحب العملية الاستهلاكية التي تضفي على هذه العملية معناها، وتحقق دلالاتها اليومية، (مزراق، 2019، 129).
وهناك من يرى أن الثقافة الاستهلاكية: تشير إلى تلك الجوانب الثقافية المصاحبة لعملية الاستهلاك بوصفها مجمل المعاني والصور والرموز التي تصاحب عملية الاستهلاك، فالأفراد يستهلكون - بجانب استهلاكهم للسلع المادية - الصور والمعاني والرموز المرتبطة بها، كما أنهم يتخذونها رموزًا يتخاطبون بها خطابًا صامتًا في الحياة اليومية، (بايود، 2020، 674).
وتعرف الثقافة الاستهلاكية أيضًا أنها: الطريقة التي يتحدد بواسطتها قضاء الناس حاجاتهم، كالمأكل والملبس والمشرب أو رمزية، وإشباع رغباتهم سواء كانت هذه الحاجات مادية، كسماع الموسيقى والأغاني والقراءة والمشاهدة أم كانت هذه الحاجات حقيقية أم زائفة، وتشمل كذلك القيم والاتجاهات التي تدفع الإنسان وتوجهه لانتقاء أساليب استهلاكية معينة أو المصاحبة للعملية الاستهلاكية أو اللاحقة لعملية الاستهلاك، (لعبيدي ومسعودان، 2024، 85).
ويمكن تعريف الثقافة الاستهلاكية إجرائيًا أنها: مجموعة من التصورات تكوِّن ميول الفرد فتنشأ لديه رغبة نفسية واجتماعية في امتلاك أغراض معينة؛ فتُكون دافعًا قويًا نحو الاستهلاك الفعلي لما يريده.
التنمية: تعرف التنمية وفقًا لتعريف هيئة الأمم المتحدة لعام 1956م أنها: العمليات التي يمكن بها توحيد جهود المواطنين والحكومة؛ لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية، ولمساعدتها على الاندماج في حياة الأمة والإسهام في تقديمها بأقصى قدر مستطاع، (عزالدين وآخرون، 2016، 200).
وتعرف التنمية أنها: عملية معقدة شاملة تضم جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإيديولوجية.
كما تعرف أنها: الشكل المعقد من الإجراءات أو العمليات المتتالية والمستمرة التي يقوم بها الإنسان للتحكم بقدر ما في مضمون واتجاه وسرعة التغير الثقافي والحضاري في مجتمع من المجتمعات؛ بهدف إشباع حاجاته.
وتعرف أنها: ظاهرة اجتماعية نشأت مع نشأة البشر المستقر؛ فزاد الإنتاج، وتطورت التجارة، وظهرت الحضارات المختلفة على أرض المعمورة، (متوكل وبنطالب، 2024، 459).
لقد عرف عدد من العلماء والباحثين الثقافة الاستهلاكية، ومن هذه التعاريف ما سبق عرضها في هذه الدراسة؛ إذ كان يميل بعضهم إلى ربط مصطلح الثقافة الاستهلاكية بمفاهيم أخرى مشابهة تعطي نفس المعنى أو تشير إلى ذات المفهوم، من هذه المفاهيم ما يأتي:
النزعة الاستهلاكية: النزعة بداية تعبر عن «الميل، أو وجهة تطور الظاهرة أو الفكرة، أو أنها استعداد لدى المرء، ثابتًا نسبيًا، يدفعه للقيام بنشاط معين». إذن النزعة والنزوع الاستهلاكي هو ميل تارة واختيار تارة أخرى، والميل مدفوع بعدد من العوامل، وهي تطور لظاهرة الاستهلاك وسيرورتها؛ إذ هي تتشكل ضمن مراحل وتدرج، كما أنها استعداد لدى المستهلك مدفوع بأسباب.
إذن النزعة الاستهلاكية هي حركية مركبة تعبر عن نشاط المستهلك، ولكن الملاحظ أنها انتقلت من الاستهلاك الضروري إلى الرفاهي أو الترفي أو التفاخري، الذي تجاوز المقتنيات الأساسية إلى الكمالية، أي: الاستهلاك المفرط أو سيولة الاستهلاك بنوع من الوعي الجديد يقابل الكوجيتو الديكارتي: «أنا أستهلك يعنى أنا موجود».
وقد أفسحت النزعة الاستهلاكية المجال لمفهوم آخر، وهو المجتمع الاستهلاكي، هذا الأخير «مصطلح يطلق في بعض الأحيان على المجتمعات الغربية الحديثة، ويشير إلى أنها تتجه نحو مزيد من التنظيم المرتكز على الاستهلاك، استهلاك السلع والمتع) بدلًا من إنتاج الخامات، وتشير القائمة العادية لتصورات علماء الاجتماع في أواخر القرن العشرين إلى ربط التطور في هذا الاتجاه بالظواهر الآتية: تزيد الوفرة اكتساب أفراد من الطبقة العاملة بعض سمات البرجوازية، ظهور الثقافة الجماهيرية نمو الخصخصة، زوال الطبقة الاجتماعية، ظهور القطاعات الاستهلاكية وتشعبها، نمو مذهب الفردية ... وغيرها»، ومن هنا تكريس الفردانية في ظل الوفرة والعروض المتدفقة، ومن ثم يصنع مجتمعًا ينزع أفراده إلى الاستهلاك المفرط، (العابد، 2022، 72).
الاستهلاك المظهري: يقصد به المبالغة في تأكيد الجوانب الجمالية والذوقية للسلع والمواد التجارية التي تقتنى من قبل الناس؛ لغرض الظفر بإعجاب الآخرين، ولدعم المكانة الاجتماعية، والحصول على المزيد من الشهرة، كما يعرف أنه «تبذير النقود في شراء حاجات غالية ونادرة لا يستعملها الإنسان في حياته اليومية، إلا أن لهذه الحاجات قيمة جوهرية تساعد صاحبها على الظهور والتفاخر، وتعطيه مركزًا اجتماعيًا مرموقًا».
يتمثل الاستهلاك المظهري في ذلك السلوك الذي يدل على التفاخر والتباهي وحب الظهور، واقتناء كل ما هو ذو قيمة وشهرة من الملابس أو الحاجات المادية أو الأثاث بصرف النظر عن أهميته ومدى الحاجة إليه، وقد جرى عرضه على مواقع التواصل الاجتماعي عن طريق الصور أو جرى ترويجه بمحتوى فيديو، وذلك للحصول على مكانة اجتماعية أو زيادة ثقة في النفس لدى عينة البحث، (رفيدة، 2025، 280).
تظهر لثقافة الاستهلاك عدد من الخصائص والمميزات التي تبين الفرق بينها وبين غيرها من مظاهر الاستهلاك، ويمكن الإشارة هنا إلى بعض هذه الخصائص، وذلك على النحو الآتي:
ويمكن توضيح هذه الخصائص في الشكل الآتي (تمرسيت، 2024، 37):
يواجه العالم العربي، واليمن بشكل خاص، أزمات اقتصادية خانقة نتيجة الحروب والصراعات السياسية المستمرة، مما أدى أثر في المقومات الاقتصادية للدولة وضعف الإيرادات العامة اللازمة للإنفاق على القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والأمن، وعلى الرغم من الحياة الصعبة، فقد برزت عادات وقيم اجتماعية دخيلة، تعزز غريزة الترفية مدفوعة بالإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما سهل الانفتاح على العالم ومحاكاة المجتمعات الأخرى، وشيوع الاستهلاك المفرط؛ فتحول الاستهلاك إلى حاجة مستمرة ونزوع متجدد لا ينتهي، حتى صار عنصرًا رئيسًا في منظومة الحياة اليومية.
وقد أثرت هذه الثقافة بشكل مباشر في بنية المجتمع اليمني من عدة جوانب، أهمها الجانب الاقتصادي؛ فنتيجةً لوقوع الفرد تحت طائلة الأعباء المالية المستمرة تراكمت عليه الكثير من الديون، وانخفاض معدلات الادخار، مما قلص دور الأفراد في المشاريع التنموية، ومن ثم ركود في التجارة، وذلك ناتج عن نقص السيولة النقدية لدى الأفراد، فأدى ذلك إلى عجز الكثير من الأسر عن توفير الالتزامات المعيشية الضرورية، وتعميق الخلافات الأسرية الناتجة عن الضغوط المالية إلى جانب بروز ظواهر سلبية، كانتشار الجرائم نتيجة الضغوط الاقتصادية والضغوط النفسية والاجتماعية؛ الناجمة عن تداعيات الثقافة الاستهلاكية السائدة في المجتمع اليمني.
لقد تحول الاستهلاك من وسيلة لسد الاحتياجات إلى غاية في حد ذاته؛ فأحدث ذلك فجوة بين الدخل ونمط حياة الفرد، وهو ما يهدد استقرار الأفراد اجتماعيًا ونفسيًا واقتصاديًا، لا سيما في ظل الأزمة الراهنة.
تشير الأنماط الاستهلاكية في اليمن إلى وجود ثلاثة أنماط رئيسة تؤثر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، النمط الأول: الاستهلاك التفاخرِي، الذي يرتبط بالإسراف المالي ويؤدي إلى تراجع مؤشرات التنمية في مجالات التعليم والصحة، أما النمط الثاني: فيتمثل بالاستهلاك الاستنزافي اليومي لبعض المواد، مثل: القات، الذي يؤدي إلى استنزاف مالي وبيئي، ويهدد الأمن المائي، ويؤثر سلبًا في قدرة المجتمع على التنمية المستدامة، والنمط الثالث: الاستهلاك الذي يعتمد على الاستيراد، الذي يؤدي إلى ضعف الإنتاجية، ويعمق التبعية الاقتصادية والغذائية للدول الخارجية، مما يعيق مسيرة التنمية، ويمكن الحديث عن هذه الأنماط الثلاثة، وذلك على النحو الآتي:
لم يعد الاستهلاك في الوقت الحالي مجرد نشاط اقتصادي يهدف إلى إشباع الحاجات الضرورية من مأكل ومسكن وملبس، بل تحول إلى عنصر ثقافي مؤثر في سلوك الفرد، حتى أصبح الاستهلاك هدفًا في ذاته، وقد أسهم التقدم التكنولوجي في خلق طموحات استهلاكية متجددة، واضعًا الفرد أمام خيارات لا حصر لها من السلع والخدمات، ومن أبرز الإفرازات السلوكية لهذا التحول ما يُعرف بـ «الاستهلاك التفاخري»، ويقصد به عملية شراء واستهلاك السلع والخدمات الباهظة لا لغرض الانتفاع المادي منها، وإنما لغرض إظهار الثراء، واكتساب المكانة، والتميز الاجتماعي عن الآخرين، (القرشي وآخرون، 2012، 10).
ويرجع هذا المفهوم إلى عالم الاجتماع والاقتصادي الأمريكي ثورسين فيبلين في كتابه الشهير «نظرية الطبقة المترفة»؛ إذ استخدم مصطلح «الاستهلاك المظهري» للإشارة إلى إنفاق الأثرياء وأموالهم على السلع والخدمات؛ لإظهار وضعهم الطبقي؛ بهدف اكتساب الهيبة الاجتماعية، ويرى فيبلين أن هذا النمط الاستهلاكي لا يعكس القيمة الاستعمالية للسلعة بقدر ما يمثل علامة على المكانة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن الاستهلاك يتحول من تلبية حاجة إلى «تقليد» للطبقات الأعلى؛ إذ تسعى الفئات الأدنى إلى محاكاة نمط استهلاك الفئات الأعلى؛ لتعزيز مكانتها، وهو ما يندرج ضمن الاستهلاك الهدري الذي لا يخدم حياة الفرد، ولا يحسن نوعيتها بقدر ما يستنزف موارده، (بلعمر، د. ت، 4).
وتظهر هنا عدد من العوامل التي تجعل الأفراد يميلون إلى ممارسة هذا النوع من الاستهلاك، منها:
وإسقاطًا على الواقع اليمني، نجد أن الاستهلاك التفاخري متعمق في البنية الاجتماعية، ويتأثر بشكل كبير بالإرث الثقافي؛ إذ تؤدي العادات والتقاليد دورًا محوريًا في توجيه السلوك الاستهلاكي نحو التباهي، لا سيما في المناسبات الاجتماعية كالأعراس ومجالس العزاء، والأعياد، ويمارس المجتمع ضغطًا غير مباشر يدفع الأفراد إلى الإسراف، معتقدين أن هذه السلوكيات تعزز مكانتهم بصرف النظر عن تداعيات ذلك على استقرارهم المادي.
وفي ظل انهيار المؤسسات وضعف الأجور، أصبحت «المحاكاة الاستهلاكية» في اليمن أداة للتعويض النفسي؛ إذ ينفق الأفراد على مظاهر الانتماء لطبقات معينة؛ لتجنب الإقصاء والتهميش الاجتماعي، وتتجلى خطورة هذه الثقافة عن طريق سعي الفرد واجتهاده إلى تبني أنماط تحاكي الطبقات الأكثر ثراء؛ نوعًا من الوجاهة الاجتماعية، وفي هذا السياق يؤكد رازك (Razac,2021,145) أن هذه المحاكاة تخلق نوعًا من الاستهلاك القهري الذي يستنزف الموارد المحدودة للأسر، فالاستهلاك التفاخري في اليمن سواء عن طريق جلسات القات أم الإنفاق المبالغ فيه على المناسبات، يمثل الأداة التي يُعرف بها الفرد هويته داخل النسيج المجتمعي، وهو فعل تقف خلفه دوافع قوية لتجنب التهميش الاجتماعي، (العلي، 2019)، وتدعم دراسة الباحث عبد الرزاق هذا الطرح؛ إذ يشير في دراسته حول أنماط الاستهلاك إلى أن الإنفاق الاستهلاكي للأسرة اليمنية يتضاعف بشكل ملحوظ خلال المناسبات الاجتماعية؛ فقد أظهرت نتائج دراسته أن (75%) من المبحوثين يستهلكون المواد الغذائية في شهر رمضان والأعياد بمعدلات تفوق بكثير الأيام العادية، كما أكد أن (83%) من عينة الدراسة يزيد استهلاكهم بشكل كبير في مناسبات الزواج والوفاة، (عبدالرزاق، 2019، 177).
أن اتباع الأفراد في المجتمع اليمني هذه الثقافة يشكل عبئًا اقتصاديًا فادحًا، لا سيما في ظل تدهور المستوى المعيشي وارتفاع معدلات البطالة ومحدودية الوارد، فمثل هذا النمط يؤدي إلى تبديد الموارد المالية، ويعيق قدرة الأسرة على الادخار أو الاستثمار في مجالات تنموية حيوية، كالتعليم والصحة، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد، ويعيق مسارات التنمية في اليمن.
جدول (1)
نمط الاستهلاك بين الاحتياجات الأساسية والسلع
التفاخري
|
البيان |
النسبة |
توصيف النمط الاستهلاكي |
|
(غذاء وسكن) |
%50 - %60 |
استهلاك ضروري |
|
القات |
%20 - %35 |
استهلاك تعودي اجتماعي |
|
مناسبات اجتماعية |
%10 - %15 |
استهلاك تفاخري |
|
التعليم |
%3 |
استهلاك تنموي (مهمش) |
|
الادخار |
شبة معدوم |
انعدام الأمان المالي |
يتضح من الجدول (1) الخلل في ميزانية الأسرة؛ إذ ينفق على الغذاء والقات معظم الدخل، ويمثل الإنفاق على القات الذي يحتل المرتبة الثالثة استنزافًا مباشرًا لدخل الأسرة؛ فيؤثر ذلك في بنود التنمية البشرية الأساسية مثل: الصحة والتعليم التي تحظى بنسبة متدنية جدًا (أقل من 5%)، هذا يعني أن الأسرة عند مواجهة الأزمات المالية والمعيشية تضحي بتعليم وصحة أبنائها لصالح توفير الغذاء أو الحفاظ على عادة استهلاك القات، إلا أنه يعد مؤشرًا سلبيًا للتنمية البشرية؛ إذ يجري التضحية بالتعليم والصحة مقابل توفير الغذاء أو الحصول على القات عند حدوث الأزمات المالية للأسرة.
ويمكن القول: إن الثقافة الاستهلاكية التفاخرية في المجتمع اليمني تمثل أحد العوامل المعيقة لتراكم رأس المال وتوجيهه نحو الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية؛ إذ تؤدي إلى استنزاف جزء كبير من موارد الأفراد والأسر في أنماط إنفاق غير منتجة، ترتبط بإبراز المكانة الاجتماعية والتفاخر في المناسبات والفعاليات الاجتماعية، ويترتب على ذلك إضعاف القدرة الادخارية للأسر، وتراجع فرص توظيف الموارد المالية في مجالات الاستثمار والتنمية الاقتصادية، كما أن استمرار هذا النمط الاستهلاكي يسهم في تكريس ثقافة اقتصادية قائمة على الاستهلاك المظهري بدلًا من الإنتاج والعمل؛ الأمر الذي يحول المجتمع تدريجيًا من فاعل وشريك في عملية التنمية إلى مجتمع استهلاكي يبدد موارده المحدودة، ومن ثم فإن استمرار هذه الثقافة لا يقتصر تأثيره في إهدار الموارد في الحاضر فحسب، بل يمتد ليشكل تحديًا حقيقيًا أمام تحقيق تنمية مستدامة؛ لما ينطوي عليه من تهديد لمستقبل الأجيال القادمة وقدرتها على الاستفادة من الموارد الاقتصادية المتاحة.
تعد ظاهرة مضغ القات في اليمن ظاهرة تتجاوز أنها مجرد عادة اجتماعية؛ لتصبح نمط حياة يومي تمارسه شريحة واسعة من أفراد المجتمع بمختلف مستوياتهم؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن ثلاثة أرباع الرجال وثلث النساء، أي: بنسبة (72% و33%) يمضغون القات بانتظام، ويندرج هذا السلوك ضمن «الاستهلاك الهدري» الذي يضع اليمن أمام تحديات خطيرة تستنزف الموارد المالية والصحية والبيئية على المستويات كافة.
فعلى مستوى الأسرة يفرض استهلاك القات ضغوطًا كبيرة على ميزانية الأسرة المعيشية؛ إذ يحول الموارد الضرورية إلى استخدامات غير مفيدة، ويقتطع جزءًا كبيرًا من الدخل لتأمين شرائه، غالبًا على حساب السلع والخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والغذاء.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في مسح ميزانية الأسرة إلى أن الإنفاق على القات والتبغ يحتل المرتبة الثانية بعد الإنفاق على الغذاء، بنسبة تتراوح بين (10% إلى 12%) من إجمالي إنفاق الأسرة في المتوسط، وترتفع هذه النسبة لتتجاوز (25%) في بعض الأسر ذات الدخل المحدود.
هذا الخلل يعمق من ظاهرة الفقر وسوء الوضع المعيشي، وهو ما يؤكده الباحث الحبيشي، في دراسته «الآثار الاقتصادية للقات» معتبرًا أن الإنفاق على هذه الشجرة يمثل نزيفًا مستمرًا للسيولة النقدية التي كان يمكن توجيهها نحو الادخار والإنتاج؛ مما يعيق التنمية في اليمن، (الحبيشي، 2012، 91).
أما على مستوى الاقتصاد الكلي فلا يقتصر الأثر الاستنزافي للقات على دخل الإفراد فحسب، بل يمتد فيتسبب في إعاقة مسارات التنمية بأبعادها المختلفة، فعلى الرغم من أن 14% من السكان يعتمدون عليه كمصدر رئيس للدخل، ويمثل ثلث الناتج المحلي الزراعي، إلا أن زراعته استحوذت على مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة على حساب المحاصيل النقدية والغذائية الاستراتيجية (كالبن والقمح)، ففي المدة ما بين عامي 1970م و2025م تضاعفت مساحة الأراضي المستخدمة لزراعته بمقدار 11 مرة؛ مما ضاعف فجوة الأمن الغذائي، وزاد من أعباء الاستيراد بالعملة الأجنبية.
والجدير بالذكر أن القات يستهلك حوالي (30% إلى 40%) من الموارد المائية الجوفية المستنزفة أساسًا، مما يمثل تهديدًا مباشرًا للتنمية البيئية (وزارة التخطيط والتعاون الدولي، 2015، 10)، كما أن الاستهلاك الملح دفع المزارعين إلى الاستخدام المفرط للمبيدات الكيميائية والسموم لتسريــع الإنتاج، فأدى ذلك إلى تلوث التربة وفقدان التنوع الحيوي، (الحبيشي، 2012، 92).
وعند الحديث عن الاستهلاك الاستنزافي للقات على مستوى التنمية البشرية فإننا سنجد أن القات هدر أهم مدخلات الإنتاج، وهو هدر الوقت؛ إذ تضيع ساعات طويلة يوميًا في مجالس القات، مما يؤدي إلى تدني إنتاجية الفرد وضعف الأداء في مؤسسات القطاع العام والخاص، ومن ثَمَّ فهو نمط استهلاكي لا يضيف قيمة تنموية لإجمالي الناتج المحلي.
حظيت ظاهرة استهلاك القات في اليمن باهتمام عدة دراسات تنموية واقتصادية أجنبية، التي أجمعت على أنه نمط استهلاكي يعيق التنمية، ومن أبرز هذه الدراسات دراسة الباحث «برانكو ميلانوفيتش»، أشار فيها إلى أن الأسرة التي تستهلك القات تضطر إلى تقليص إنفاقها الأساسي على الغذاء والتعليم والصحة؛ مما يؤدي إلى تدهور في المستوى التعليمي وزيادة معدلات سوء التغذية، لا سيما بين الأطفال في الأسر محدودة الدخل، (661 .2008.Milanovic,B)، كذلك يرى الباحث «بيير جاتر» في كتابة المرجعي حول اقتصاديات وسياسات القات، أن القات يؤدي دورًا سلبيًا مزدوجًا، فمن ناحية يعمل على إعادة توزيع الدخل لصالح مجموعة محدودة من تجار ومزارعي القات، وبالطبع على حساب السواد الأعظم من المستهلكين، ومن ناحية أخرى يعيق إنتاجية مختلف القطاعات؛ نتيجة هدر ساعات العمل، فضلًا عن استنزافه للموارد المالية للمستهلكين، (Gatter, 2012 ,150)، ويؤكد البنك الدولي في تحليلاته للسلوك الاستهلاكي في اليمن أن تناول القات يوميًا يؤدي إلى فقدان ملايين من ساعات العمل، مما يقلل الإنتاجية بشكل حاد، ويجعل من هذه العادة عائقًا ثقافيًا وسلوكيًا يحول دون تحول المجتمع إلى مجتمع ذي إنتاجية عالية، (Word bank,2016,40).
نستنتج مما سبق أن الضغوط الاجتماعية في المجتمع اليمني تؤدي دورًا مهمًا في بلورة الثقافة الاستهلاكية؛ إذ يتحول استهلاك القات والمبالغة فيه من سلوك اختياري إلى سلوك مفروض اجتماعيًا، وهذه الضغوط تفسر استمرار أنماط الإنفاق المرتفع على رغم ضعف الأجور وانهيار المؤسسات؛ إذ يضطر الفرد التضحية باحتياجاته الأساسية إلى الحفاظ على صورته ومكانته الاجتماعية لتجنب التهميش، وهو ما يمثل تعطيلًا عميقًا لمسار التنمية في اليمن.
تعتمد اليمن على السوق العالمية في توفير جميع المواد الغذائية الأساسية تقريبًا، فعلى سبيل المثال: جرى استيراد 926,400 طن من القمح الذي شكل 86% من إجمالي القمح المتاح باليمن في العام 2006م، ويفسر الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية العالمية جزئيًا التضخم الهائل الذي شهده اليمن على مدار المدة من 1997م حتى 2007م، وفي الوقت الذي توفر فيه «رؤية 2025م» والخطط ذات الصلة مرجعًا لأولويات التنمية بوجه عام، فإنها لا تزال عرضة للصدمات الخارجية، (تقرير حول وضع التعليم، 2010، 34).
كما أن مسار الحوالات الخارجية بدلًا من أن يجري توجيهها نحو الاستثمار، جرى توجيهها نحو تمويل الأنشطة الاستهلاكية؛ أدى ذلك إلى توسع غير مفيد في الأنشطة الخدمية، كالاستيراد والتجارة مقابل الإنتاجية كالزراعة والصناعة، ومن ثَمَّ فإن هذا النمو يعكس ضعف البنية الاقتصادية، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة التكاليف المعيشية، (بلفقية، 1999، 113).
وتظهر الفجوة بين مستوى دخل الأفراد وحجم إنفاقهم الاستهلاكي؛ مما سبب عجزًا مزمنًا في الموارد، ومع التدهور في قيمة الريال وضعف الأجور، يضطر عدد من أصحاب الكفاءات إلى ترك العمل الحكومي والبحث عن أعمال بديلة، مما يفرز ظهور الفساد الإداري بدافع الحاجة، كما أدى نقص فرص العمل إلى لجوء عدد من اليمنيين للهجرة، فنحو مليون يمني يعملون بالخارج في قطاع العمل بالأجر، مقارنة بعدد 4,5 ملايين يمني يعملون محليًا، يتقاضى نصفهم أجورًا خارج نطاق القطاع العام، يضاف إلى ذلك أن سياسات التسعير الحكومية أسهمت في هذا الخلل، فالتسعير الجبري لبعض السلع كالقمح بأقل من السعر العالمي أدى إلى الإسراف في الاستهلاك من جهة، وأضر بالمزارع اليمني الذي عجز عن منافسة القمح المستورد من جهة أخرى، فنتج عن ذلك الاستخدام غير الاقتصادي للموارد وتراجع الإنتاج المحلي، (البيضاوي، 2020).
اتسمت الجهود في اليمن نحو تحقيق التنمية بأبعادها المختلفة (الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية) بتفاوت حاد في مستويات التقدم، ففي حين سُجلت بعض التحسينات البسيطة على المستوى الاجتماعي كالتعليم والصحة، ظل البعدان الاقتصادي والبيئي يشهدان تراجعًا ملحوظًا، ولا يزال اليمن يواجه تحديات بنيوية كبيرة، لا سيما في القضاء على الفقر وخلق فرص العمل؛ إذ يُصنف بأنه أحد أفقر بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومع بلوغ عدد السكان حوالي 30,8 مليون نسمة (62% منهم يسكنون الريف) يعيش أكثر من 38% تحت وطأة الفقر؛ فأدى ذلك إلى تراجع مؤشر التنمية لليمن إلى مستويات متدنية بلغت 0,470 في عام 2019م، (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، 2025، 4).
وتتفاقم هذه الاختلالات نتيجة ضعف الأداء الاقتصادي العام، الذي أفضى إلى تزايد معدلات البطالة، وانخفاض الإنتاج، وتفاقم عجز ميزان المدفوعات ومشكلة المديونية الخارجية، ويترافق ذلك مع موجات تضخمية كبيرة، وخلل مستمر بين مستويات الأسعار وسعر الصرف، وهي مجتمعة تشكل بيئة تعيق النمو والتطور الاقتصادي، (الكمراني، 2006، 188).
تاريخيًا اعتمد اقتصاد اليمن - بصورة كبيرة - على عائدات النفط والغاز والإنتاج المحلي المحدود، والاعتماد أكثر على الواردات، وهذه العناصر تجعل اليمن سريـع التأثر بصدمات الأسعار الخارجية. حتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي كان الاقتصاد في اليمن مدعومًا بفضل الحوالات المالية من المغتربين، ولكن بعد حرب الخليج عاد قرابة 2 مليوني مغترب يمني كان أغلبهم في السعودية والكويت، وقد غيرت عودتهم هذه من شكل العائدات.
ومع توالي الأزمات الاقتصادية والسياسية على المجتمع اليمني شهد مستوى دخل الفرد في اليمن تراجعًا حادًا؛ الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على نصيب الفرد من الناتج القومي، وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية انخفض من 1,247 دولارًا في عام 2014م إلى 485 دولارًا في عام 2017م، ليصل إلى 290 دولارًا فقط في عام 2018م، مع التحفظ على الرقم الأخير؛ نظرًا لوجود نسبة كبيرة من موظفي الدولة كانوا لا يستلمون مرتباتهم، وكذا احتساب سعر الصرف عند 250 ريالًا للدولار في حين فاق سعر الصرف 600 ريال للدولار في المحافظات الشمالية؛ مما يعني انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بحوالي 76,7%، من ثَمَّ انخفاض مستوى المعيشة إلى أدنى حد، حتى أصبحت اليمن تقع في مصاف الدول الأشد فقرًا في العالم، (العبسي، 2025، 63).
وبطبيعة الحال انعكس ذلك بشكل مباشر على زيادة نسبة الفقر في المجتمع اليمني؛ إذ أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فبراير عام 2024م تقريرًا بعنوان “قياس الفقر متعدد الأبعاد في اليمن”، تناول فيه نتائج مسح شامل لمؤشرات الفقر في البلاد، وأظهرت نتائج التقرير أن نسبة الأفراد الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في اليمن بلغت نحو 82.7%، أي: أن أكثر من ثمانية من كل عشرة أشخاص يعيشون تحت وطأة هذا النوع من الفقر، كما بلغت نسبة الحالات التي تعاني من أشكال مختلفة من الحرمان حوالي 46.7%، وأشار التقرير إلى أن الفقر يميل إلى الارتفاع في المناطق الريفية مقارنة بالمناطق الحضرية؛ إذ وصلت نسبته في الريف إلى 89.4% مقابل 68.9% في المدن، كذلك أوضح التقرير أن سبل كسب العيش قد تدهورت لدى أكثر من 54% من السكان، في حين يواجه الفقراء متعددو الأبعاد نحو 38.6% من مجمل أشكال الحرمان المحتملة في اليمن، وهو ما يعكس عمق التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع اليمني، (تقرير قياس الفقر متعدد الابعاد في اليمن، 2024).
ولا شك أن هذه العوامل مجتمعة تنعكس بصورة واضحة على الجوانب الاقتصادية، لا سيما في ظل إقبال الأفراد على أنماط استهلاكية لا تتوافق مع متطلبات التنمية في المجتمع اليمني، فبدلًا من توجيه الموارد نحو مجالات إنتاجية تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة، تتجه نسبة كبيرة من الإنفاق نحو استهلاك سلع وخدمات لا تضيف قيمة إنتاجية حقيقية، ويؤدي ذلك إلى استنزاف الموارد المالية للأفراد والأسر، كما يسهم في إضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد المحلي، وتعميق الاعتماد على السلع المستوردة؛ الأمر الذي يفضي في نهاية المطاف إلى تسرب جزء كبير من الدخل الوطني إلى الخارج، ومن ثم، فإن استمرار هذه الأنماط الاستهلاكية يشكل أحد العوامل التي تعيق جهود التنمية الاقتصادية في اليمن؛ لما تسببه من ضغط على الموارد المحدودة وإضعاف لفرص توجيهها نحو الاستثمار والإنتاج.
لم تنحصر هذه الانعكاسات الاقتصادية على هذه الانعكاسات فقط، بل إنها أثرت أيضًا في الأمن الغذائي؛ ففي تقرير الرصد المشترك 2026م الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة صُنف اليمن في المرتبة الرابعة عالميًا ضمن قائمة الدول الأكثر انعدامًا للأمن الغذائي؛ إذ من المتوقع أن يواجه 18,3 مليون نسمة أزمة غذائية، وكشف التقرير أن 61% من الأسر تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية، ولم تنجح الجهود الرامية إلى تحسين الوضع الاقتصادي في حل مشكلة الأمن الغذائي، (شرف الدين، 1990، 254).
والسبب في انعدام الأمن الغذائي ليس ندرة السلع فحسب، بل ضعف القدرة الشرائية الناتجة عن انخفاض الدخل، وتؤكد دراسة باعمر أن اليمن يقع في دائرة التبعية الغذائية شبه الكاملة للخارج، وتكمن خطورة ذلك في أن استيراد الغذاء يفوق محصلة الصادرات، بل مؤشر التبعية أكثر من 30% خلال المدة 2012-2017م مع زيادة في الفجوة الغذائية وعجز القطاع الزراعي عن تلبية الطلب الاستهلاكي لأفراد المجتمع (باعمر، 2020، 225)، ومما زاد الأمر سوءًا أن القطاع الزراعي تراجع في إنتاج الحبوب بمتوسط بلغ 3,5%، بينما زاد إنتاج المحاصيل النقدية مثل القات بمتوسط 5%، وهذا يعكس توجيه الموارد نحو الاستهلاك الهدري بدلًا من تحقيق الأمن الغذائي، (منظمة العمل الدولية، 2015، 41 – 45).
كما انخفض إنتاج الحبوب بشكل ملحوظ، ومن ثم انهيار في إنتاج المحاصيل التي تدر الأموال، في حين ازدهرت زراعة القات على حساب المحاصيل الزراعية الأخرى، وشغلت ما يقارب من 11% من إجمالي الأراضي الزراعية في العام 2005م مقارنة بنسبة 9,1% عام 2000م، وهي زيادة كبيرة تصل إلى 15% (اللجنة الوطنية للمرأة، 2020- 2024، 138)، ولتوضيح حجم الخلل الاستهلاكي وتوجيه الموارد يمكن الاستعانة ببيانات الإنفاق للأسرة اليمنية من الجدول الآتي:
|
البيان |
نسبة الإنفاق |
التقديرات |
|
الغذاء |
%44.8 |
مرتفع |
|
القات |
%11.6 |
مرتفع |
|
المسكن |
%22.8 |
متذبذب |
|
التعليم والصحة |
أقل من 5% |
منخفض جدًا |
يتضح من الجدول (2) حجم الخلل في ميزانية الأسرة؛ إذ يُنفق معظم الدخل على الغذاء والقات، ويمثل الإنفاق على القات استنزافًا كبيرًا لدخل الأسرة، مما يؤثر بشدة في مسار التنمية مثل: الصحة والتعليم التي تحظى بنسبة متدنية أقل من 5%، وهذا يعني أن الأسرة عند مواجهتها للأزمات المالية والمعيشية تضحي بتعليم وصحة أبنائها؛ من أجل توفير الغذاء واستهلاك القات، وهو مؤشر سلبي يعيق تحقيق التنمية.
وبما أن اليمن يستورد حوالي 90% من احتياجاته الاستهلاكية فإن أسعار صرف العملات الأجنبية تعد المحدد الرئيس لمعدلات التضخم وتكلفة المعيشة، وقد شهد الريال اليمني انهيارًا قياسيًا، فَقَدَ نحو 70% من قيمته في العام 2021م متأثرًا باستمرار الصراع والمضاربة في سوق الصرافة وضعف التدفقات النقدية، هذا التدهور أدى إلى تضاعف الأسعار المحلية وتقلص المدخرات، فزادت معدلات الفقر وتعمَّقت معاناة الأفراد في سعيهم لتلبية احتياجاتهم، ولا بد من التركيز في حجم الخلل الناتج عن هيمنة الثقافة الاستهلاكية، فالاعتماد الكلي على تلبية الاحتياجات عن طريق الاستيراد أدى إلى استمرار استنزاف للاحتياطي النقدي لليمن، (مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي،2022، 22).
|
البيان |
النسبة |
|
السلع الاستهلاكية الواردة |
%70 |
|
الصادر المحلي |
أقل من 15% |
|
الفجوة الغذائية |
%90 - %95 |
يظهر الجدول (3) حجم الخطر المترتب على سيادة الثقافة الاستهلاكية غير المنتجة في اليمن، فالفجوة الهائلة بين السلع الاستهلاكية الواردة 70% وحجم الصادرات المحلية المتدني (أقل من 15%)، وهذا يعكس التدني الإنتاجي وزيادة التبعية الاقتصادية للخارج، والأخطر من ذلك بلوغ الفجوة الغذائية مستويات حرجة تتراوح بين (90% - 95%)، (شرف الدين، 1990، 263)، مما يعني أن الأمن الغذائي للمجتمع اليمني بات مرهونًا بتقلبات السوق العالمي والقدرة على الاستيراد، وهو إشارة مباشرة إلى الثقافة الاستهلاكية وما أدت إليه من استنزاف لموارد الدولة ومدخرات الأفراد على حد سواء، وتحويل الاقتصاد في اليمن من اقتصاد يمتلك مقومات إنتاجية وزراعية جيدة ومثمرة، إلى اقتصاد استهلاكي يعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع، ومن ثَمَّ فإن الثقافة الاستهلاكية في اليمن لم تعد مجرد ممارسة اجتماعية، بل عائقًا اجتماعيًا واقتصاديًا أمام أية جهود مبذولة لتحقيق التنمية.
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع اليمني، لم يعد الاستهلاك يقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية للأفراد، بل تحول إلى نمط ثقافي واجتماعي يؤثر في السلوك الاقتصادي وأنماط الحياة، وقد أسهم انتشار الثقافة الاستهلاكية في بروز أنماط إنفاق تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الدخل الحقيقي للأفراد؛ الأمر الذي انعكس سلبًا على مسار التنمية الاقتصادية؛ إذ يؤدي الاستهلاك غير الرشيد إلى تراجع معدلات الادخار والاستثمار، ويحد من قدرة الاقتصاد على توجيه موارده نحو الأنشطة الإنتاجية، ومن ثم فإن إعادة توجيه الثقافة الاستهلاكية وتقويمها يعد مدخلًا مهمًا لدعم جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليمن.
ويمكن فهم هذه الإشكالية بصورة أوضح عن طريق تتبع مسار السياسات الاقتصادية التي تبنتها الدولة لمعالجة الاختلالات التنموية؛ فقد بادرت الحكومة اليمنية منذ منتصف التسعينيات إلى تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية؛ إذ اعتمدت في عام 1995م برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري؛ بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي، إلى جانب تنفيذ الخطة الخمسية الأولى في المدة (1996م-2000م) التي استهدفت تصحيح الاختلالات الهيكلية وتعزيز معدلات النمو الاقتصادي، (التقرير الوطني للجمهورية اليمنية حول التنمية المستدامة، 71،2012). غير أن النتائج المتوقعة لهذه السياسات لم تتحقق بالشكل المأمول؛ نتيجة ضعف بيئة الاستثمار وعدم قدرتها على جذب التمويل المحلي والأجنبي؛ إذ لم يسهم التمويل الخارجي إلا بنسبة 36% من إجمالي الاستثمارات؛ الأمر الذي أدى إلى بقاء متوسط معدل نمو الناتج المحلي عند حدود 5.5%.
وقد تكرر هذا الإخفاق في تحقيق النمو الاقتصادي مع تنفيذ استراتيجية التخفيف من الفقر خلال المدة (2003م-2005م) والخطة الخمسية الثانية؛ إذ تراجع معدل نمو الناتج المحلي إلى نحو 4.1%، في حين لم يتجاوز نصيب الفرد من هذا النمو 1.1% مقارنة بالمعدل المستهدف البالغ 2.3%، وأسهم هذا التباطؤ في النمو في الحد من قدرة الدولة على معالجة مشكلتي الفقر والبطالة. كما لم تحقق الخطة الخمسية الثالثة (2006م - 2010م) النتائج المرجوة؛ إذ لم يتجاوز معدل النمو الاقتصادي 4.3%، بالتزامن مع تراجع الإنتاج النفطي وتفاقم العجز المالي وانخفاض المدخرات، وهو ما أدى إلى تدهور الأداء الاقتصادي العام، وتراجع مستويات الدخل والمعيشة للأفراد، (التقرير الوطني للجمهورية اليمنية حول التنمية المستدامة، 2012، 73).
وقد انعكست هذه الاختلالات الاقتصادية على بنية سوق العمل ومستوى الأجور؛ إذ لا تزال فرص العمل في القطاع الرسمي محدودة؛ إذ لا يتجاوز عدد الوظائف المتاحة سنويًا نحو 25 ألف وظيفة في أفضل الأحوال، منها نحو 10 آلاف وظيفة في القطاع العام و15 ألفًا في القطاع الخاص، وفي المقابل يدخل سوق العمل سنويًا أعدادًا كبيرة من الباحثين عن العمل؛ الأمر الذي يدفع نسبة كبيرة منهم إلى العمل في القطاع غير الرسمي، وتشير التقديرات إلى أن نحو 200 ألف عامل جديد ينضمون سنويًا إلى هذا القطاع، وهو ما يعكس محدودية قدرة الاقتصاد على استيعاب القوى العاملة المتزايدة، (وزارة التخطيط والتعاون الدولي، 2015، 137).
وقد ترتب على هذه الأوضاع الاقتصادية تفاقم مشكلة انخفاض الأجور واتساع فجوة الدخل بين العاملين؛ فقد أظهرت دراسة لمنظمة العمل الدولية حول سوق العمل في اليمن للمدة (2013-2014م) أن نحو 23.8% من العاملين يحصلون على دخل يقل عن ثلثي الحد الأدنى للأجر الشهري، الذي كان يقدر بنحو 35 ألف ريال آنذاك، كما بلغ متوسط الدخل الشهري للعاملين في القطاع الرسمي نحو 46,100 ريال، بينما ينخفض هذا المتوسط في القطاع غير الرسمي؛ الأمر الذي يعكس ضعف القدرة الشرائية للأفراد، وتراجع مستوى المعيشة، (منظمة العمل الدولية، 2015، 41-45).
في هذا السياق يبرز الاستهلاك بوصفه أحد المتغيرات المؤثرة في المسار التنموي؛ إذ تشير النظريات الاقتصادية إلى وجود علاقة طردية بين الدخل والاستهلاك؛ إذ يزداد الاستهلاك بزيادة مستويات الدخل، وفي المجتمعات المتقدمة يُعد اتساع المجتمع الاستهلاكي نتيجة طبيعية لارتفاع الدخول وتحسن مستويات المعيشة، حتى وإن ارتبط ذلك أحيانًا ببعض المظاهر السلبية مثل الإسراف.
غير أن هذه العلاقة في الحالة اليمنية تأخذ مسارًا مختلفًا؛ إذ يتجاوز الاستهلاك في كثير من الأحيان مستوى الدخل الحقيقي للأفراد؛ الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الادخار وتراجع فرص الاستثمار، وهما عنصران أساسيان لدعم النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية، كما أن هيمنة الثقافة الاستهلاكية تؤدي إلى توجيه الطلب نحو السلع المستوردة والكمالية، وهو ما يسهم في خدمة اقتصادات الدول المنتجة والمصدرة، في مقابل استنزاف موارد الاقتصاد المحلي وتعميق تبعيته للخارج، ونتيجة لذلك تتزايد الضغوط الاقتصادية على الأفراد؛ إذ تدفعهم هذه الثقافة إلى السعي المستمر لاقتناء السلع والمنتجات بوصفها وسيلة لتحقيق المكانة الاجتماعية أو الشعور بالرفاه، على رغم محدودية الدخل؛ الأمر الذي يفضي إلى استنزاف الموارد الاقتصادية للأسر، ويحد من فرص تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع اليمني.
للاستفادة من الخبرات الدولية في تحويل المسار الاستهلاكي إلى مسار تنموي، تستعرض الدراسة تجربتين رائدتين (مصر وماليزيا) وإسقاطهما على الواقع اليمني:
عملت مصر على تعزيز الاستهلاك المستدام عن طريق تبنّي مجموعة من السياسات والبرامج التي تهدف إلى تحقيق التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتقليل الآثار البيئية والاقتصادية للأنماط الاستهلاكية غير الرشيدة، وقد توزعت هذه الجهود على عدد من القطاعات الحيوية، بما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق تنمية مستدامة تقوم على الاستخدام الكفء للموارد الطبيعية وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على البيئة.
ففي قطاع الطاقة والغاز اتخذت مصر إجراءات عملية لترشيد استهلاك الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري؛ إذ طبّقت خطة تهدف إلى خفض استخدام الغاز الطبيعي في محطات توليد الكهرباء بنسبة مستهدفة تصل إلى 15%، كما رافقت هذه الخطة مجموعة من الإجراءات التنظيمية والتوعوية، مثل التوسع في استخدام مصابيح (LED) الموفرة للطاقة في المؤسسات والمنازل، وإطفاء الإنارة غير الضرورية في المنشآت الحكومية والشوارع خلال مدد محددة، إضافة إلى تنفيذ حملات إعلامية وتوعوية لحث المواطنين على تبني سلوكيات استهلاكية أكثر كفاءة في استخدام الطاقة.
وفي قطاع الموارد المائية والزراعة ركزت السياسات الحكومية على ترشيد استخدام المياه وتعزيز كفاءة استغلالها؛ نظرًا لأن المياه من الموارد المحدودة في مصر، وفي هذا السياق أطلقت الدولة حملات توعوية ومبادرات عملية، من أبرزها حملة «على القد» التي استهدفت رفع وعي المواطنين تجاه أهمية ترشيد استهلاك المياه في الاستخدامات المنزلية والزراعية، كما شملت الإجراءات تركيب صنابير وأدوات موفرة للمياه في المساجد والمباني العامة، وتشجيع إعادة تدوير المخلفات واستخدامها بطرق صديقة للبيئة، إلى جانب تطوير وتحديث نظم الري في القطاع الزراعي، لا سيما أن هذا القطاع يستهلك نحو 70% من إجمالي المياه العذبة؛ الأمر الذي يجعل تحسين كفاءة الري عاملًا أساسيًا في الحفاظ على الموارد المائية.
أما في قطاع الطاقة المتجددة فقد اتجهت مصر إلى الاستثمار بشكل واسع في مشروعات الطاقة النظيفة؛ بهدف تنويع مصادر الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية، ومن أبرز هذه المشروعات إنشاء «مجمع بنبان للطاقة الشمسية» في محافظة أسوان، الذي يُعد أحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم، إضافة إلى إنشاء عدد من محطات توليد طاقة الرياح في منطقة البحر الأحمر وخليج السويس؛ الأمر الذي يعزز من قدرة الدولة على إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة وصديقة للبيئة.
كما شملت هذه الجهود السياسات البيئية والمناخية التي تسعى إلى دمج مبادئ الاستدامة في خطط التنمية الوطنية؛ إذ جرى تضمين أهداف الاستدامة ضمن «رؤية مصر 2030م»، بما يعكس التزام الدولة بتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة تراعي الأبعاد البيئية، وإلى جانب ذلك التزمت مصر بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بتغير المناخ، وعملت على تطوير سياسات وبرامج تهدف إلى تقليل الانبعاثات الضارة، وتعزيز قدرة المجتمع والاقتصاد على التكيف مع التحديات البيئية والمخاطر الطبيعية، بما يسهم في بناء نظام بيئي أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التغيرات المناخية في المستقبل.
تتسم التجربة المصرية في تعزيز الاستهلاك المستدام والتحول نحو الاقتصاد الأخضر بعدد من السمات والنتائج المهمة التي تعكس تكامل السياسات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ومن أبرز هذه السمات ما يأتي:
تواجه التجربة المصرية في مجال تعزيز الاستهلاك المستدام والتحول نحو الاقتصاد الأخضر عددًا من التحديات، التي تتطلب جهودًا متواصلة وسياسات متكاملة لمعالجتها، ومن أبرز هذه التحديات ما يأتي:
تمثل التجربة الماليزية نموذجًا ناجحًا في مسار التحول الاقتصادي؛ إذ استطاعت الدولة الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على الزراعة والتعدين إلى بناء اقتصاد صناعي متين ومتنوّع، وقد تحقق هذا التحول عن طريق تبني سياسات تنموية مدروسة قامت على مسارين رئيسين أسهما في تعزيز القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني وتحقيق معدلات نمو مرتفعة.
أول هذه المسارات تمثل في التحول الصناعي المتدرج؛ إذ اتبعت ماليزيا سياسة تقوم على بناء القاعدة الصناعية بشكل مرحلي ومنظم، ففي البداية ركزت الدولة على تصنيع المنتجات الاستهلاكية محليًا في إطار سياسة إحلال الواردات، وذلك بهدف تقليل الاعتماد على السلع المستوردة وتكوين نواة صناعية وطنية، ومع تطور القدرات الإنتاجية والخبرات التقنية، انتقلت ماليزيا إلى مرحلة أوسع شملت الصناعات الخفيفة والمتوسطة؛ الأمر الذي ساعد على تنويع الإنتاج الصناعي وتوسيع فرص العمل، ثم تطورت هذه التجربة لاحقًا لتشمل الصناعات الثقيلة؛ إذ أصبحت ماليزيا من الدول الرائدة في تصنيع وتصدير الأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى تطوير القطاع النفطي والصناعات المرتبطة به، وقد جاء هذا التحول في إطار تبني سياسة التصنيع الموجَّه للتصدير، التي هدفت إلى تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الماليزية في الأسواق العالمية.
أما المسار الثاني فتمثل في إدارة الاستثمار بصورة استراتيجية؛ إذ انتهجت الحكومة الماليزية سياسة تنظيمية تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الوطنية، وفي الوقت نفسه جذب الاستثمارات الخارجية؛ فقد عملت الدولة على تحديد بعض القطاعات الصناعية والاقتصادية المهمة، ومنحت المواطنين الماليزيين أولوية الاستثمار فيها، وذلك بتقديم تسهيلات مالية وإعفاءات ضريبية، مع فرض قيود على بيع هذه القطاعات للأجانب؛ بهدف الحفاظ على ملكيتها الوطنية، وفي المقابل، فتحت الحكومة المجال أمام المستثمرين الأجانب لتأسيس مشروعات جديدة في قطاعات أخرى؛ الأمر الذي أسهم في نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية، وتعزيز تنوع الإنتاج الاقتصادي ودعم عملية التنمية الصناعية.
تتميز النهضة الماليزية بعدد من العوامل التي أسهمت في نجاح تجربتها التنموية، وجعلتها نموذجًا يُحتذى به في عدد من الدول الساعية إلى تحقيق التنمية الشاملة، ومن أبرز هذه العوامل ما يأتي:
على رغم النجاح الباهر الذي حققته ماليزيا، واجهت الدولة في بداياتها عدة تحديات معقدة، اضطرّت إلى التعامل معها بحكمة ومرونة؛ لضمان استمرارية التجربة ونجاحها، ومن أبرز هذه التحديات:
تمثل التجربة المصرية نموذجًا عمليًا يمكن الاستفادة منه لتحقيق استهلاك مستدام في اليمن، عن طريق توجيه الجهود نحو القطاعات الحيوية، وتبني سياسات مدروسة ترتكز على ترشيد الموارد واستخدام الطاقة البديلة، ومن أبرز المجالات التي يمكن التركيز عليها في اليمن:
مع ذلك، تواجه اليمن عدة تحديات أساسية أمام تطبيق هذه الاستراتيجيات، أبرزها: شح البيانات والمعلومات الدقيقة، ندرة الكوادر البشرية المؤهلة، ضعف الموارد المالية المخصصة للأنشطة البيئية، غياب الوعي المجتمعي اللازم لإدارة الموارد الطبيعية بشكل فعال، وللتغلب على هذه التحديات يمكن اقتراح حزمة من الإصلاحات والمعالجات الداعمة للتنمية، تشمل التخفيف من الفقر عن طريق توجيه الأفراد لاستهلاك سلع وخدمات أقل استهلاكًا للموارد والطاقة، ودعم الإدارة الرشيدة للمياه وإدارة النفايات، بما يؤدي إلى تحقيق تنمية متكاملة ومستدامة.
أما إسقاط التجربة الماليزية على الواقع اليمني فيُمثل مقاربة طموحة، وعلى رغم الظروف الاستثنائية والنزاعات المستمرة، فإن التجربة الماليزية تقدم نموذجًا مثاليًا لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ويمكن تطبيقها في اليمن عن طريق عدة محاور:
تمتلك اليمن مقومات طبيعية هائلة تجعلها قادرة على تبني اقتصاد طاقي مستدام، كإنشاء مزارع رياح في المخا (بقدرة 50 - 100 ميجاوات) ومبادرات لإنتاج غاز « البيوجاز» من المخلفات العضوية في المحميات الطبيعية والمرافق الزراعية مثل: وحدات البيوجاز في صنعاء والحديدة، وتفعيل هذه المشاريع يُعد مدخلًا حقيقيًا لتقليل معدل استيراد الوقود، وتحويل المجتمع نحو استغلال موارده المحلية بكفاءة بدلًا من الاستهلاك المرتفع للموارد المستوردة، (الصندوق الاجتماعي للتنمية، 2012، 20).
خلاصة تحليل التجارب الدولية واليمن أن التحول من الثقافة الاستهلاكية إلى التنمية المستدامة في اليمن يحتاج إدارة سياسية تتبنى نموذج ماليزيا في التوطين الصناعي، ووعيًا مجتمعيًا مثل تجربة مصر في كفاءة الموارد مع مراعاة مميزات كل مجتمع في كيفية معالجة معيقات التنمية، لا سيما المجتمع اليمني وما يواجهه في معالجة استهلاك القات الذي يمثل الاستهلاك المعيق الأول للتنمية.
يعد الحد من استهلاك القات أمرًا مهمًا للغاية؛ نظرًا للتداعيات التي يسببها على البيئية والموارد المائية (إذ يستنزف زراعة القات النسبة الأكبر من المياه الجوفية)، وهذا يتطلب من الحكومة القيام بإجراءات وتدابير حازمة، مثل فرض ضرائب تصاعدية على المدخلات المستخدمة في إنتاجه، وتطبيق ضرائب على الاستهلاك لرفع سعره التدريجي، (منظمة الصحة العالمية، 2021، 9)، بالتوازي مع تكثيف التوعية بمخاطره الصحية والاجتماعية، وتقديم حوافز للمزارعين للتحول نحو مشاريع زراعية ذات فائدة اقتصادية وغذائية.
تعد النظم الغذائية غير الصحية والمستنزفة في اليمن مصدرًا رئيسًا لتدهور الصحة العامة، وللتخفيف من حدتها لا بد من التحول نحو وفرة الغذاء المستدام مع ضمان سلامته وجودته لكل فئات المجتمع، وبالأخص الفئات الأشد فقرًا والفئات المتأثرة بحالات النزاع والصراعات؛ إذ ترتفع معدلات سوء التغذية بشكل مثير للقلق.
إن تصحيح هذا المسار يحتاج إلى معالجة العوامل المحفزة للاستهلاك الغذائي غير الرشيد، مثل الزيادة السكانية والهجرة الداخلية والاختلالات السعرية للسلع التنموية كالقمح، (شرف الدين، 1990، 254)، وتجدر الإشارة هنا إلى أن ترشيد الاستهلاك الغذائي لا يعني تقليل استهلاك الغذاء للأسر اليمنية أو خفض مستواهم المعيشي، بل يهدف إلى إحداث تحسن كمي ونوعي في العادات الغذائية، وتقليل الهدر الاستهلاكي، وتوجيه الإنفاق نحو سلع لها قيمة غذائية ومفيدة للفرد.
يواجه الأمن المائي في اليمن تحديات تتمثل في الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية، والتغير المناخي والاعتماد على طرق الري التقليدية، ويعد القطاع الزراعي المستهلك الأكبر للمياه، وتقدر بنسبة (91%) من إجمالي الاستخدام في عام 2021م، وضمن هذا القطاع زراعة شجرة القات التي تبلغ مساحتها نسبة (22.3%) من إجمالي المساحة المزروعة، (وزارة التخطيط والتعاون الدولي،2024، 14).
هذا الاستنزاف يستوجب إعادة النظر في إدارة الموارد المالية، وقد أوصى تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة 2022م (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2025، 4)، بضرورة إحلال مياه الصرف الصحي المعالجة محل المياه العذبة في ري بعض المحاصيل، وتوعية المزارعين بالاحتياجات المائية للنباتات للحد من الهدر بالمياه، وهذا يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة لا سيما الغايتين (6.2 و 6.3) اللتان تنصان على تحسين نوعية المياه، والحد من التلوث، وخفض نسبة المياه العادمة غير المعالجة إلى النصف، وتشجيع إعادة التدوير، (وزارة التخطيط والتعاون الدولي، 2024، 12).
أدى التغير في الأنماط الاستهلاكية والنمو السكاني إلى ارتفاع غير مطمئن في معدلات توليد المخلفات (الصلبة، السائلة، الغازية)، وتبلغ نسبة المخلفات الصلبة التي تُجمع لا يتجاوز (50%)، وهذه المؤشرات تنذر بكارثة بيئية، وغالبًا ما يجري التخلص منها بطرق بدائية، كالحرق والطمر المفتوح دون فرز أو تدوير، (التقرير الوطني للجمهورية اليمنية حول التنمية المستدامة، 2012، 12).
إن التحول من الاستهلاك المستنزف نحو التنمية المستدامة في اليمن يمثل خطوة استراتيجية ضرورية؛ لضمان استقرار الموارد وتحقيق رفاهية المجتمع، ويستلزم ذلك استثمار الفرص الطبيعية مثل الطاقة المتجددة، وترشيد استهلاك المياه والزراعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية بكفاءة، وتفعيل أنظمة إدارة المخلفات بطرق مستدامة، كما يتطلب نجاح هذا التحول تكاملًا بين السياسات الحكومية والتوعية المجتمعية، مع مراعاة خصوصية المجتمع اليمني والتحديات المرتبطة بانتشار زراعة القات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.
تناول البحث موضوعًا في غاية الأهمية؛ إذ يوضح أن الاستهلاك في المجتمع اليمني قد تجاوز حدوده الطبيعية المرتبطة بتلبية الحاجات الأساسية؛ ليتحول إلى ثقافة استهلاكية مستنزفة للموارد، وعائقًا أمام تحقيق التنمية في اليمن بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وقد تتبع البحث ظاهرة الثقافة الاستهلاكية عن طريق تحليل الأنماط الاستهلاكية السائدة، مثل الاستهلاك التفاخري واستهلاك القات، وما يترتب عليها من تداعيات تتمثل في استنزاف الموارد وإضعاف القدرات التنموية؛ الأمر الذي أسهم في إعاقة تحقيق أبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
كما يؤكد البحث على أن تحقيق تنمية شاملة ومستدامة في اليمن لا يتطلب فقط إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، بل يستدعي كذلك إحداث تحول ثقافي في أنماط السلوك الاجتماعي والاقتصادي، بما يسهم في ترسيخ قيم الاستهلاك الرشيد، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد، وإن استمرار استنزاف الموارد تحت مسمى العادات والتقاليد سيظل عائقًا أمام أي نهضة تنموية حقيقية؛ الأمر الذي يوجب إعادة صياغة أولويات الفرد والمجتمع على حد سواء.
وقد خلص البحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات التي تؤكد أهمية تبني سياسات واستراتيجيات تسهم في ترسيخ ثقافة الاستهلاك الرشيد لمختلف الموارد، بما يحقق التوازن بين مستوى الدخل والاحتياجات المعيشية، ويساعد على تحسين نوعية الحياة لأفراد المجتمع، كما تؤكد النتائج على ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الأنماط الاستهلاكية غير المنتجة وما يترتب عليها من هدر للموارد وزيادة في الإنفاق، بما يسهم في دعم مسارات التنمية المستدامة في اليمن.