الرئيسية | دراسات أُسس | قواعد الإدارة والسياسة وإشكالية التوازن المؤسسي

قواعد الإدارة والسياسة وإشكالية التوازن المؤسسي

(الحالة اليمنية أنموذجًا)

1 أغسطس 2026
د. نبيل أحمد الدرويش

الملخص

يتناول هذا البحث العلاقة بين الإدارة والسياسة في الدولة الحديثة من خلال مفهوم التوازن المؤسسي بين القيادة السياسية والجهاز الإداري، متخذًا اليمن نموذجًا للدراسة. وينطلق من فرضية أن اختلال هذا التوازن يُعد سببًا رئيسيًا لضعف الأداء الحكومي وعدم فاعلية تنفيذ السياسات العامة، لا سيما في الدول ذات المؤسسات الهشة.

اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي مدعومًا بالمنهج المقارن، واستعرضت في إطارها النظري تطور الفكر الإداري في تفسير العلاقة بين الإدارة والسياسة، بما يشمل الاتجاهات التقليدية والحديثة والواقعية، إضافة إلى القيم الإدارية في المنهج القرآني.كما حللت الدراسة العلاقة بين السياسة والإدارة في اليمن منذ تحقيق الوحدة عام 1990م، مع إبراز مظاهر تسييس الإدارة العامة وآثارها في كفاءة المؤسسات وجودة الخدمات العامة. واستعرضت كذلك تجارب كل من ماليزيا وفرنسا وكوريا الجنوبية ورواندا لاستخلاص الممارسات الناجحة في بناء إدارة عامة مهنية وفعالة.

خلص البحث إلى أن تحقيق التوازن المؤسسي بين القيادة السياسية والإدارة المهنية يُعد شرطًا أساسيًا لبناء دولة قادرة على تحقيق التنمية والاستقرار.

الكلمات المفتاحية: الإدارة العامة، السياسة العامة، التوازن المؤسسي، الإصلاح الإداري، اليمن.

Abstract

This research examines the relationship between administration and politics in the modern state through the concept of institutional balance between political leadership and the administrative apparatus, using Yemen as a case study. It argues that imbalance in this relationship is a key cause of weak government performance and ineffective public policy implementation, particularly in fragile institutional contexts. The study adopts a descriptive-analytical and comparative approach. Its theoretical framework reviews the evolution of administrative thought, including traditional, modern, and realistic perspectives, as well as the administrative values reflected in the Qur’anic approach.

It further analyzes the relationship between politics and administration in Yemen since unification in 1990, highlighting the politicization of public administration and its impact on institutional performance and public service quality. The study also examines the experiences of Malaysia, France, South Korea, and Rwanda to identify successful practices in building professional and effective public administration. The research concludes that institutional balance between political leadership and professional administration is essential for building a state capable of achieving development and stability.

Keywords: Public administration, public policy, institutional balance, administrative reform, Yemen.

1. الإطار العام للبحث

1-1. المقدمة

شهدت العلاقة بين الإدارة والسياسة تطورًا فكريًا ومؤسسيًا ملحوظًا عن طريق مسار تشكّل الدولة الحديثة؛ إذ لم يعد يُنظَر إلى الإدارة العامة بوصفها جهازًا تنفيذيًا محايدًا، يعمل بمعزل عن الاعتبارات السياسية، كما لم تعد السياسة مجالًا منفصلًا عن آليات التنظيم المؤسسي وصنع القرار العام، بل أصبح التفاعل بين المجالين أحد المحددات الأساسية لفاعلية الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية والاستقرار المؤسسي، وقد أظهرت الأدبيات المعاصرة أن اختلال هذا التوازن - سواء بهيمنة القرار السياسي على المهنية الإدارية أم بجمود البيروقراطية وانفصالها عن التوجهات الاستراتيجية للدولة - يؤدي في الغالب إلى ضعف الأداء الحكومي وتعثر تنفيذ السياسات العامة (Waldo, 1948).

وفي هذا السياق، شهدت نظم الإدارة العامة منذ أواخر القرن العشرين تحولات فكرية ومؤسسية مهمة، تمثلت في بروز نماذج جديدة للحكم الرشيد وإدارة السياسات العامة، تقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين القيادة السياسية والجهـاز الإداري بمـا يحقق قدرًا مـن التوازن بين التوجيـه السياسي والكفاءة المهنية (جبلير وأوسبورني، 2012)، وقد أسهمت هذه التحولات في تجاوز التصورات التقليدية التي سادت في بدايات الفكر الإداري، التي دعت إلى الفصل الجامد بين السياسة والإدارة، نحو مقاربات أكثر واقعية ترى في الإدارة العامة فاعلًا مؤسسيًا، يسهـم فـي مراحل متعددة مـن صياغة السياسات العامـة وتنفيذهـا وتقييمهـا (Stivers & DeHart-Davis, 2022).

ومن ثم، لم تعد دراسة العلاقة بين السياسة والإدارة مجرد نقاش نظري داخل حقل الإدارة العامة، بل أصبحت قضية مركزية في تحليل كفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية، لا سيما في الدول التي تمر بتحولات سياسية وإدارية عميقة؛ فنجاح الدولة الحديثة في أداء وظائفها الأساسية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على تنظيم هذه العلاقة ضمن إطار مؤسسي واضح يوازن بين متطلبات القيادة السياسية وضوابط المهنية الإدارية.

2-1. مشكلة البحث وتساؤلاته

تواجه الأجهزة الإدارية في كثير من الدول - ولاسيما في الدول النامية - تحديات متزايدة تتعلق بتصاعد ظاهرة تسييس الإدارة العامة إلى حد قد يؤدي إلى تقويض معايير المهنية والكفاءة داخل الجهاز الحكومي؛ الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات العامة وقدرة الدولة على تنفيذ سياساتها التنموية بكفاءة وفاعلية (Dasandi & Esteve, n.d., 2017, p.231). ويظهر هذا التحدي بوضوح في عدد من السياقات العربية؛ إذ تعاني المؤسسات العامة من تداخلات سياسية وإدارية أضعفت من استقلالية القرار الإداري ومن فاعلية العمل المؤسسي (عبد المنعم وروزنبلوم، 2022، 31-45).

وفي هذا الإطار، تشير عدد من الدراسات المقارنة إلى أن تزايد تأثير الاعتبارات السياسية في تعيين القيادات الإدارية وصنع القرار التنفيذي في الدول ذات المؤسسات الضعيفة يؤدي - غالبًا - إلى إضعاف مبدأ الجدارة المهنية، ويحد من قدرة الإدارة العامة على أداء دورها بوصفها جهازًا مهنيًا مسؤولًا عن تنفيذ السياسات العامة بكفاءة وحياد نسبي (González & Sanabria-Pulido, 2025). وفي المقابل، تُظهر التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تحقيق توازن مؤسسي بين القيادة السياسية والكفاءة الإدارية استطاعت تعزيز قدراتها التنموية وتحسين مستوى الخدمات العامة، بما يعكس أهمية تنظيم العلاقة بين المجالين ضمن قواعد مؤسسية واضحة (Kamrava, 2018, 1-39).

وفي ضوء هذه الاعتبارات، يدرس هذا البحث العلاقة بين الإدارة والسياسة من منظور علمي تحليلي يجمع بين التأصيل النظري والتحليل الواقعي المقارن، مع التركيز على الحالة اليمنية بوصفها نموذجًا تطبيقيًا يعكس إشكالات التوازن المؤسسي في الدول التي تمر بتحولات سياسية وإدارية معقدة، كما يهدف البحث إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إعادة تنظيم العلاقة بين المجالين على أسس قانونية ومهنية، بما يسهم في بلورة مقاربات إصلاحية يمكن الإفادة منها في تطوير منظومة الإدارة العامة في اليمن.

وانطلاقًا مما سبق، يمكننا اختزال مشكلة البحث في التساؤل الرئيس الآتي:

كيف يمكن تحقيق التوازن بين قواعد الإدارة ومتطلبات السياسة بما يضمن بناء دولة فاعلة تحكمها القواعد المؤسسية لا الاعتبارات السياسية الضيقة؟

وتنبثق من هذا التساؤل الرئيس عدد من التساؤلات الفرعية، أبرزها ما يلي:

  • ما الأسس النظرية التي تضبط العلاقة بين الإدارة والسياسة في الفكر الإداري المعاصر؟
  • ما مظاهر تسييس الإدارة العامة في الدول النامية عمومًا وفي اليمن خصوصًا؟
  • ما الآثار المؤسسية والتنموية لاختلال العلاقة بين المجالين؟
  • كيف يمكن الاستفادة من التجارب الدولية في إعادة بناء العلاقة بين القرار السياسي والإدارة العامة في اليمن؟

3-1. أهمية البحث

تتجلى أهمية هذا البحث في عدة مستويات؛ فعلى المستوى العلمي يسهم في سد فجوة معرفية تتعلق بدراسة العلاقة بين الإدارة والسياسة في السياقات العربية من منظور مقارن يجمع بين النظرية والتطبيق، وعلى المستوى العملي يقدم إطارًا تحليليًا يمكن أن يساعد صناع القرار في فهم أسباب ضعف الأداء المؤسسي وسبل إصلاحه.

كما تبرز أهمية البحث في ضوء التحديات التي تواجهها الدول النامية في بناء مؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة واستقلالية؛ إذ تؤكد الدراسات الحديثة على أن استقلالية الإدارة العامة ضمن إطـار المساءلـة السياسية تمثل عاملًا حاسمًا فـي تعزيز الحكـم الرشيـد وتحقيق التنمية المستدامة (Aristovnik et al., 2022,26).

4-1. أهداف البحث

يسعى البحث إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والتطبيقية، أبرزها:

  • تأصيل المفاهيم النظرية المرتبطة بالعلاقة بين الإدارة والسياسة، وتحليل تطورها في الفكر الإداري المعاصر.
  • دراسة واقع العلاقة بين المجالين في اليمن، وتحليل مظاهر التداخل بين القرار السياسي والعمل الإداري.
  • استعراض نماذج دولية ناجحة في تنظيم العلاقة بين القيادة السياسية والإدارة العامة.
  • صياغة قواعد إصلاحية عملية تسهم في تعزيز المهنية المؤسسية وتحسين أداء الإدارة العامة في اليمن.

5-1. منهج البحث

يعتمد البحث على مزيج من المناهج العلمية المتكاملة لتحقيق أهدافه، وذلك على النحو الآتي:

1-5-1. المنهج الوصفي التحليلي: لتحليل المفاهيم النظرية المرتبطة بالعلاقة بين الإدارة والسياسة، واستعراض تطورها في الأدبيات المعاصرة.

2-5-1. المنهج المقارن: لدراسة التجارب الدولية المختلفة، واستخلاص القواسم المشتركة بينها بما يفيد الحالة اليمنية.

3-5-1. المنهج الاستقرائي: لاستخلاص القواعد العامة عن طريق تحليل الواقع الإداري والسياسي والنتائج المترتبة على أنماط العلاقة بين المجالين.

هذه المناهج تتوافق مع الأدبيات الحديثة في تحليل السياسات العامة والإدارة المقارنة التي تؤكد أهمية الدمج بين التحليل النظري والدراسة التطبيقية؛ للوصول إلـى نتائج علمية قابلة للاستخدام العمـلي (BIISS, 2001)، كما تسمح بدراسة التفاعل بين العوامل السياسية والمؤسسية في البيئات الإدارية المختلفة (فريد والهلالي، 2012، 144-167).

6-1. حدود البحث

1-6-1. الحدود الموضوعية: ينحصر هذا البحث في دراسة طبيعة العلاقة بين الإدارة العامة والسياسة، من حيث الأطر النظرية المنظمة لها، ومظاهر التداخل أو الاختلال بين المجالين، وانعكاس ذلك على كفاءة الأداء الحكومي وجودة السياسات العامة.

2-6-1. الحدود الجغرافية: يركز البحث على الجمهورية اليمنية بوصفها حالة دراسية رئيسة، مع الاستعانة بعدد من التجارب الدولية المقارنة (مثل ماليزيا، فرنسا، كوريا الجنوبية، ورواندا)؛ بهدف التحليل والمقارنة واستخلاص الدروس، دون السعي إلى دراسة هذه الحالات بصورة شاملة.

3-6-1. الحدود البشرية: يقتصر البحث على القيادات الإدارية العليا والوسطى في الجهاز الحكومي، وصنّاع القرار السياسي المرتبطين برسم السياسات العامة، بوصفهم الفاعلين الرئيسين في تشكيل العلاقة بين الإدارة والسياسة.

4-6-1. الحدود الزمانية: يغطي البحث المدة الممتدة من عام 1990م (تاريخ قيام الوحدة اليمنية) حتى الوقت الراهن، مع الإشارة إلى بعض الامتدادات التاريخية السابقة عند الضرورة التحليلية، وذلك بهدف تتبع تطور العلاقة بين الإدارة والسياسة في سياق الدولة اليمنية المعاصرة.

7-1. مفاهيم ومصطلحات البحث ومصطلحاته

1-7-1. مفهوم الإدارة

تُعرّف الإدارة بوصفها عملية تنظيم وتوجيه الموارد البشرية والمادية لتحقيق أهداف محددة بكفاءة وفاعلية ضمن إطار مؤسسي منظم، وقد تطور مفهوم الإدارة من كونه مجرد وظائف تنظيمية وتقنية إلى منظومة متكاملة تشمل التخطيط الاستراتيجي وصنع القرار وإدارة الأداء المؤسسي (العريقي، 2011). ويشير الفكر الإداري المعاصر إلى أن الإدارة لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع السياق السياسي والاجتماعي؛ الأمر الذي يجعلها جزءًا من منظومة الحكم العام، وليس مجرد أداة تنفيذية محايدة (Waldo, 1948).

ومن الناحية الإجرائية، يعرف هذا البحث الإدارة أنها: مجموعة العمليات التنظيمية التي تُمارس داخل المؤسسة بهدف تحقيق الأهداف المحددة بكفاءة وفاعلية، ويُقاس ذلك بمؤشرات: وضوح التخطيط، وكفاءة تخصيص الموارد، وفاعلية اتخاذ القرار، ومستوى تحقيق الأهداف مقارنة بالموارد المتاحة.

2-7-1. مفهوم السياسة

تُفهم السياسة في إطار حقل الإدارة العامة وفي سياق الدولة الحديثة، بوصفها عملية تحديد الأولويات العامة وصياغة الخيارات الاستراتيجية التي تعكس مصالح المجتمع وتوجهاته، وتشمل السياسة عمليات التفاوض وصنع القرار العام وتوزيع الموارد، وهي بذلك تمثل الإطار الذي تتشكل داخله السياسات العامة وبرامج العمل الحكومي (جمعة وهلال، 2004). ومع ذلك، فإن تداخل السياسة مع الإدارة دون ضوابط مؤسسية قد يؤدي إلى تسييس الأجهزة التنفيذية وإضعاف المهنية الإدارية (González & Sanabria-Pulido, 2025).

فيما يمكن تعريف السياسة إجرائيًا أنها: عملية تحديد الأولويات العامة وصياغة الخيارات الاستراتيجية التي توجه عمل الدولة، ويُقاس ذلك بمؤشرات: طبيعة القرارات العامة المتخذة، وآليات توزيع الموارد، ومستوى تأثير الفاعلين السياسيين في توجيه السياسات، ودرجة اتساق القرارات مع المصالح العامة المعلنة.

3-7-1. مفهوم الإدارة العامة

تُعرف الإدارة العامة في أدبيات «ماكس فيبر» أنها الجهاز الذي يجسد «السلطة القانونية العقلانية»؛ فهي ليست مجرد مكاتب وبـيـروقراطية، بل إنها تمثل «عقل الدولة» الذي يتميز بالاستمرارية حتى حينما تنهار الحكومات السياسية، كما ينظر فيبر إلى البيروقراطية بوصفها التنظيم الأكثر كفاءة في منظومة الإدارة العامة؛ لأنها تعتمد على «التخصص» و«التسلسل الهرمي» و«القواعد المكتوبة»، وهي عناصر صُممت أساسًا لتحييد العواطف والنزعات السياسية الشخصية (فيبر، 2011، 190-205).

والإدارة العامة هي الجهاز التنفيذي للدولة المسؤولة عن تطبيق السياسات العامة وتنفيذ القوانين وتقديم الخدمات للمواطنين، وقد شهد مفهوم الإدارة العامة تحولات عميقة منذ نموذج البيروقراطية الكلاسيكية، وصولًا إلى نماذج الحوكمة التشاركية والإدارة الشبكية التي تعزز دور الفاعلين غير الحكوميين (فيرلي وآخرون، 2022). وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن استقلالية الإدارة العامة ضمن إطار المساءلة السياسية تمثل شرطًا أساسيًا لبناء مؤسسات فعالة وقادرة على تحقيق التنمية (Kettl, 2022, 111-120).

أما إجرائيًا، فنقصد بالإدارة العامة أنها: الجهاز التنفيذي المسؤول عن تنفيذ السياسات العامة وتقديم الخدمات، ضمن إطار من القواعد الرسمية، ويُقاس ذلك بمؤشرات: مستوى كفاءة الأداء المؤسسي، ودرجة الالتزام بالقوانين والإجراءات، ومستوى الاستقلالية المهنية عن التأثيرات السياسية، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

4-7-1. مفهوم السياسات العامة

السياسة هي الحقل الذي يعنى بـ «تخصيص القيم» في المجتمع، وبحسب «ديفيد إيستون»، فإن السياسة هي التي تحدد الأولويات الكبرى، بينما الإدارة هي التي تضع هذه الأولويات في قوالب قابلة للقياس والتنفيذ، ويكمن جوهر النزاع في أن السياسة تتسم بالتقلب والارتباط بالانتخابات والولاءات، بينما تتطلب الإدارة الاستقرار والتخطيط طويل الأمد (وودروف، 2018، 55).

بذلك، تشير السياسات العامـة إلى البرامج والقرارات التي تتخذهـا الحكومـات لمعالجة المشكلات العامـة وتحقيق أهداف التنمية والاستقرار، وهي عملية ديناميكية تبدأ بتحديد المشكلة وصياغة البدائل واتخاذ القرار ثم التنفيذ والتقييم، وتؤكد الدراسات الحديثة أن نجاح السياسات العامة يعتمد على التوازن بين القيادة السياسية والخبرة الإدارية في مراحل التحليل والتنفيذ (دسوقي وإسماعيل، 2008).

وإجرائيًا، نعرف السياسات العامة بـ: مجموعة البرامج والقرارات الحكومية الموجهة لمعالجة المشكلات العامة، ويُقاس ذلك بمؤشرات: وضوح تعريف المشكلة، وجودة صياغة البدائل، فاعلية التنفيذ، مستوى تحقيق النتائج المستهدفة، إضافة إلى كفاءة آليات التقييم والمتابعة.

5-7-1. مفهوم القواعد المؤسسية

تبرز القواعد المؤسسية «مصدات» تمنع التغول السياسي على المهنية الإدارية (Aristovnik et al., 2022, 26)، وتتمثل هذه القواعد مجموعة المبادئ والقوانين والإجراءات التي تنظم عمل المؤسسات العامة، وتحدد حدود العلاقة بين السلطة السياسية والجهاز الإداري، وتُعد هذه القواعد الضامن الأساسي لاستمرارية العمل المؤسسي ومنع تغوّل المصالح السياسية على المعايير المهنية، كما تشكل الأساس القانوني للمساءلة والشفافية داخل أجهزة الدولة (وودروف، 2018).

ونقصد بالقواعد المؤسسية من الناحية الإجرائية أنها: مجموعة القوانين والإجراءات المنظمة لعمل المؤسسات العامة التي تضبط العلاقة بين الفاعلين السياسيين والإداريــين، ويُقاس ذلك بمؤشرات: درجة الالتزام بالقواعد الرسمية، ومستوى وضوح الاختصاصات، وفاعلية آليات المساءلة، وحدود التدخل السياسي في العمل الإداري.

6-7-1. مفهوم الحوكمة

تشير الحوكمة إلى منظومـة إدارة الشأن العـام بواسطة شبكة مـن الفاعلين، تشمـل الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، ضمن إطار من الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية، وقد تطور مفهوم الحوكمة ليعكس انتقال الدولة من نموذج السيطرة المركزية إلى نموذج الإدارة التشاركية التي تعتمد على التنسيق بين مستويات الحكم المختلفة (Aristovnik et al., 2022). والحوكمة ليست مجرد إجـراءات، بل هي فلسفة لتقاسم القـوة؛ تضمـن عن طريق الشفافية والمساءلـة أن القـرار السياسي لا ينحرف عن المصلحة العامة، وأن الجهاز الإداري لا يتحول إلى «دولة عميقة» تعيق إرادة الشعب.

وفي الجانب الإجرائي، يُقصد بالحوكمة هنا، نمط إدارة الشأن العام القائم على التفاعل بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، في إطار من الشفافية والمساءلة، ويُقاس ذلك بمؤشرات: مستوى الشفافية في اتخاذ القرار، ودرجة المشاركة المجتمعية، وفاعلية آليات المساءلة، وكفاءة التنسيق بين الفاعلين المختلفين.

2. الإطار النظري للبحث

1-2. الإدارة ونزعات السياسة

يتناول هذا المحور طبيعة العلاقة بين الإدارة العامة والسياسة من الناحية النظرية، عن طريق استعراض أبرز الاتجاهات الفكرية التي فسّرت هذه العلاقة وحدودها، وتحليل تطورها من نموذج الفصل الصارم إلى منطق التكامل الوظيفي، وصولًا إلى المقاربات الواقعية التي تعكس تعقيدات الممارسة الفعلية في السياقات المختلفة، كما يقف المحور عند التحولات التي شهدها الفكر الإداري المعاصر في تفسير أدوار كل من الفاعلين السياسيين والإداريين، ومدى تأثير ذلك في كفاءة الدولة وقدرتها على تنفيذ السياسات العامة.

ويستعرض المحور - كذلك - الأسس القيمية المستمدة من المنهج القرآني بوصفها إطارًا معياريًا ضابطًا لممارسة السلطة، بما يربط بين البعد المؤسسي والبعد الأخلاقي في إدارة الشأن العام، قبل الانتقال إلى تحديد ملامح العلاقة المثالية بين المجالين في الدولة الحديثة، استنادًا إلى مبادئ التوازن المؤسسي والتكامل الوظيفي، ويهدف ذلك إلى بناء قاعدة تحليلية متماسكة تُسهم في فهـم إشكالية التوازن بين السياسة والإدارة، وتمهّد لتفسير اختلالاتها في السياقات التطبيقية، ولا سيما في الحالة اليمنية.

1-1-2. المدارس الفكرية في تفسير العلاقة بين الإدارة والسياسة

1-1-1-2. المدرسة التقليدية (الفصل التام بين الإدارة والسياسة)

ظهرت المدرسة التقليدية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في سياق البحث عن تأسيس علم مستقل للإدارة العامة، منفصل عن التجاذبات السياسية، وقادر على بناء جهاز حكومي مهني ومحايد، في هذا السياق، نشر وودرو ويلسون عام 1887م، مقاله الشهير «دراسة الإدارة»، مؤكدًا عن طريقه أن الإدارة تقع خارج نطاق السياسة (Svara, 1998, 52). وقد سعى هذا الاتجاه إلى التمييز بين مرحلة صنع القرار السياسي ومرحلة تنفيذه الإداري، بحيث يقتصر دور السياسيين على تحديد السياسات العامة، بينما يتولى الإداريون تنفيذها وفق قواعد موضوعية مجردة.

وقد عُدَّ هذا النموذج خطوة تاريخية نحو عقلنة الدولة الحديثة؛ إذ سعى إلى استبدال الحكم الشخصي أو الزبائني بإدارة قانونية قائمة على القواعد. كما تعزز هذا الاتجاه بالنموذج البيروقراطي العقلاني الذي بلوره ماكس فيبر، الذي قام على أسس قانونية رسمية، وتدرج هرمي واضح، وتحديد دقيق للاختصاصات، والالتزام بالحياد والموضوعية في أداء الوظيفة العامة (فيبر، 2011).

غير أن هذا التصور - على رغم أهميته في تأسيس مهنية الإدارة العامة - انطوى على افتراض معياري مفاده إمكانية عزل الإدارة عن التأثيرات السياسية بشكل كامل، ومع تطور الدراسات السلوكية والمؤسسية، تبيّن أن عملية تنفيذ السياسات ليست عملية ميكانيكية، بل تنطوي على تقدير إداري واختيار بين بدائل متعددة؛ الأمر الذي يمنح الإدارة دورًا ضمنيًا في إعادة تشكيل السياسة ذاتها (Svara, 1998).

كما أظهرت التجارب العملية أن كبار الموظفين العموميين يمارسون أدوارًا استشارية مؤثرة في توجيه القرار السياسي، مما يجعل الفصل الصارم بين المجالين أقرب إلى نموذج نظري منه إلى واقع مؤسسي.

مما سبق، يتبين أن المدرسة التقليدية أسست لحياد الإدارة مبدأ معياريًا، لكنها لم تنجح في تفسير التداخل البنيوي بين السياسة والإدارة داخل الدولة الحديثة.

2-1-1-2. المدرسة الحديثة (التكامل الوظيفي بين الإدارة والسياسة)

ظهرت المدرسة الحديثة بوصفها مراجعة نقدية للطرح التقليدي الذي افترض فصلًا صارمًا وجامدًا بين السياسة والإدارة، فقد اعتبر دوايت والدو - أحد أبرز منظّري هذا الاتجاه - أن الإدارة ليست مجرد أداة تنفيذ محايدة، بل تنطوي في جوهرها على مضمون سياسي، حتى إنه وصفها بأنها «نظرية سياسية» قائمة بذاتها، ومن هذا المنطلق، رأى أن الموظف العام عندما يتخذ قرارًا بشأن توزيع الموارد أو تحديد أولويات الإنفاق بين قطاعات الدولة، فإنه يمارس فعلًا سياسيًا يعبر عن اختيارات قيمية تؤثر في المجتمع بأسره (Waldo, 1948).

كما تؤكد هذه المدرسة أن الإدارة تسهم في مراحل متعددة من دورة السياسة العامة: بدءًا من تشخيص المشكلة، مرورًا بتحليل البدائل، وصولًا إلى التنفيذ والتقييم. بذلك تتحول الإدارة من مجرد منفذ سلبي إلى فاعل مهني مشارك في صياغة السياسات ضمن حدود الاختصاص الفني (BIISS, 2001). ويعني ذلك أن الاحتراف الإداري لا يتعارض مع الطابع السياسي للدولة، بل يشكّل شرطًا لضمان قرارات رشيدة مبنية على المعرفة.

وقد تعزز هذا الاتجاه مع صعود مفاهيم الإدارة العامة الحديثة مثل «الحوكمة، التشاركية»؛ إذ توسعت دائرة الفاعلين في عملية صنع السياسات، وأصبحت الإدارة جزءًا من شبكة تفاعلية تضم السياسيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص، وفـي هذا السياق، لم يعد الحياد يعني الانعزال عن السياســة، بل الالتزام بالمعايير المهنية في إطار من التعاون المؤسسي المنظم (جبلير وأوسبورني، 2012).

وعليه، تؤكد المدرسة الحديثة على أن العلاقة بين الإدارة والسياسة هي علاقة تكامل وظيفي يقوم على توزيع متوازن للأدوار، فصنع السياسات لا يتم في فراغ سياسي أو إداري، بل عن طريق تفاعل مستمر بين القيادة السياسية التي تحدد الاتجاهات العامة، والجهاز الإداري الذي يزودها بالمعلومات والتحليل والخبرة الفنية.

وعلى رغم أهمية ما تطرحه المدرسة الحديثة في التوفيق بين الواقعية السياسية ومتطلبات المهنية الإدارية، وما توليه من أهمية لـ«التكنوقراط»، وهم الخبراء الذين يديرون المفاصل الحساسة للدولة بناءً على العلم لا الولاء الحزبي، إلا أن ذلك يفترض وجود مؤسسات مستقرة وقواعد واضحة تنظّم العلاقة بين الطرفين، وهو افتراض قد لا يتحقق في الدول ذات البنية المؤسسية الهشة.

3-1-1-2. المدرسة الواقعية (التحكم السياسي في الإدارة)

تتبنى المدرسة الواقعية منظورًا أكثر اقترابًا من السياقات السياسية الفعلية، لا سيما في الدول النامية أو تلك التي تعاني من ضعف العمل المؤسسي؛ فهي ترى أن العلاقة بين السياسة والإدارة غالبًا ما تتسم بعدم التوازن؛ إذ تميل القيادة السياسية إلى بسط نفوذها المباشر على الجهاز الإداري عن طريق التعيينات الحزبية أو التدخل في القرارات التنفيذية.

ترى القوى السياسية في الجهاز الإداري «كتلة انتخابية» و«أداة للتمويل» و«وسيلة للسيطرة». هنا، لا يتم اختيار الموظف لمهارته، بل لمدى قدرته على حماية مصالح الجهة التي عينته، هذا النموذج يؤدي إلى ما يسمـى بـ «ترهـل البيروقراطيـة المسيسـة»؛ إذ يفقد الجهـاز الإداري فاعليتـه ويصبح عبئاً علـى الدولة (González & Sanabria-Pulido, 2025, 12).

تشير الدراسات المقارنة إلى أن التسييس المفرط للإدارة يؤدي إلى تقويض مبدأ الجدارة المهنية، ويضعف استقلالية الجهاز التنفيذي، ويحول الوظيفة العامة إلى أداة لإدارة التحالفات السياسية بدلًا من كونها أداة لخدمة الصالح العام (Dasandi & Esteve, n.d, 2017, 235). الأمر الذي يجعل الإدارة امتدادًا للصراع السياسي، لا وسيطًا مهنيًا لتنفيذ السياسات.

ومع ذلك، لا تكتفي المدرسة الواقعية بوصف الخلل، بل تدعو إلى الاعتراف بأن التفاعل السياسي داخل الإدارة أمر لا يمكن إلغاؤه بالكامل؛ فحتى في أكثر الأنظمة استقرارًا، تمارس القيادة السياسية تأثيرًا في أولويات العمل الإداري. الفرق يكمن في وجود ضوابط مؤسسية تحد مـن تحول هذا التأثير إلـى هيمنة مطلقة (Stivers & DeHart-Davis, 2022).

ومن ثم، تقدم المدرسة الواقعية إطارًا تفسيريًا مهمًا لفهم حالات اختلال التوازن بين السياسة والإدارة، لكنها لا تنفي إمكانية بناء علاقة أكثر اتزانًا إذا توافرت شروط الإصلاح المؤسسي.

مما سبق، تكشف المدارس الثلاث أن جوهر الخلاف لا يتعلق بوجود التفاعل بين السياسة والإدارة، بل بكيفية تنظيمه، فالنموذج التقليدي سعى إلى الفصل المعياري، أما الحديث فتبنّى التكامل المنضبط، بينما أبرزت المدرسة الواقعية خطر الهيمنة السياسية في البيئات المؤسسية الهشة، وعليه، سنلاحظ لاحقًا أن تحليل الحالة اليمنية يقتضي الاستفادة من الطرح الواقعي لفهم الاختلال القائم، مع اعتماد منطق التكامل المؤسسي أفقًا إصلاحيًا ممكنًا.

2-1-2. مقاصد الإدارة في المنهج القرآني

يقدّم المنهج القرآني والفكر الإسلامي المستقى منه إطارًا قيميًا معياريًا، يمكن الاستناد إليه في تقويم العلاقة بين الإدارة والسياسة، ليس بوصفه بديلًا عن النظم المؤسسية الحديثة، بل بوصفه منظومة ضابطة للسلوك العام وموجهة لروح التشريع والإدارة، فالخطاب القرآني في قضايا الحكم والإدارة لا يقتصر على تنظيم السلطة، بل يؤسس لمنظومة قيم أخلاقية ومهنية تحكم ممارسة هذه السلطة، والآيات القرآنية الكريمة التي وردت في هذا السياق متعددة، منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، وقوله عز وجل على لسان ابنه نبي الله شعيب عليه السلام: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وقوله عز من قائل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُوْرَىٰ بَينَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، ومن هذه الآيات تبرز مجموعة القيم التي تحكم السياسة والإدارة في الدولة، وفي مقدمتها القيم الأساسية الآتية:

1-2-1-2. العدالة

في المنظور القرآني، تُشكل العدالة الغاية الأولى للحكم والإدارة، والقيمة المركزية في البناء السياسي والإداري للدولة، فالعدالة إذًا هي معيار شرعية القرار العام وأساس المساواة أمام القانون، ولا تعني العدالة - فقط - الفصل المنصف في النزاعات، بل تشمل عدالة توزيع الموارد، وعدالة الفرص الوظيفية، وعدالة تطبيق القواعد على الجميع دون استثناء، وعند إسقاط هذا المبدأ على الإدارة العامة، يصبح تحييد الاعتبارات الحزبية أو الشخصية شرطًا لتحقيق حكم رشيد قائم على المصلحة العامة.

وتتحقق العدالة الإدارية عن طريق تطبيق القواعد نفسها على جميع المواطنين دون تمييز، وتكافؤ الفرص في الوصول إلى المناصب والخدمات العامة.

2-2-1-2. الأمانة

تُعدّ الأمانة - وفقًا للمنهج القرآني - قيمة محورية في بناء الحكم والإدارة الرشيدة، وهي الإطار الأخلاقي الذي يضبط ممارسة السلطـة وتسيير الشـأن العــام، وتنطلـق هـذه القيمـة مـن مبدأ أن المنصب العــام ليس تشريفًا، بل تكليفًا يحمّل صاحبـه مسؤولية مضاعفة أمام الله وأمام المجتمع وأمام القواعد الشرعية والقانونية.

وترتبط الأمانة بعدد من المفاهيم الجوهرية، في مقدمتها المسؤولية عن القرارات والنتائج، والنزاهة الأخلاقية والوظيفية في أداء المهام، والالتزام بإتقان العمل وفق أعلى معايير الكفاءة.

وقد أكدت السنة النبوية الشريفة هذا المعنى في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (الموصلي، 1984، 246)، وقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته…» (البخاري، 1422هـ، 62)، فالمسؤولية هنا شاملة للحاكم والموظف على السواء، ما يرسخ مبدأ عدم الإفلات من المحاسبة.

وعلى المستوى المؤسسي، تؤسس الأمانة جملة من المرتكزات التنظيمية، يمكن ترتيبها وفق أولويتها العملية على النحو الآتي:

  • اعتبار المنصب والوظيفة تكليفًا لا امتيازًا، بما يحول دون تحويل السلطة إلى أداة نفوذ شخصي.
  • خضوع كل من يتولى وظيفة عامة للمساءلة المنتظمة، بوصفها ترجمة عملية لمبدأ المسؤولية.
  • صون المال العام والمصلحة العامة بوصفهما وديعة يجب حفظها، وهو ما يشكل قاعدة أساسية لمكافحة الفساد السياسي والإداري والحد من النزعات الزبائنية.
  • ممارسة السلطة بوصفها خدمة عامة لا وسيلة للتسلط أو تحقيق مكاسب غير مشروعة.
  • التقيد بالقواعد الشرعية والقانونية في استخدام الصلاحيات، بما يضمن عدم تجاوز حدود الاختصاص.

بهذا المعنى، لا تقتصر الأمانة على بعدها الأخلاقي الفردي، بل تتحول إلى قاعدة تنظيمية تحكم العلاقة بين السلطتين السياسة والإدارية السلطة، وتُعد شرطًا لازمًا لبناء إدارة تتمتع بالثقة والشرعية والاستقرار المؤسسي.

3-2-1-2. الكفاءة والخبرة

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، هذه الآية تؤكد مفردة «القوى» على مفهوم «القدرة،» - من الناحية الجسدية، ومفهوم «الخبرة» من الناحية الذهنية، أما مفردة «الأمين» فتشير إلى قيم «الأمانة، والنزاهة، والخلق الحسن» المشار إليها أعلاه. هو النموذج المثالي الذي تسعى إليه الحوكمة المعاصرة، وغياب أحدهما يؤدي إما إلى «فساد مقتدر» (قوي غير أمين) وإما إلى «عجز طاهر» (أمين غير قوي).

يؤكد المنهج القرآني على إسناد المسؤوليات إلى أهل القدرة والعلم، وهو ما ينسجم مع مبدأ الجدارة في الإدارة الحديثة؛ فاختيار القادة والموظفين بناءً على الخبرة والتأهيل يمثل ضمانة لاستقلال القرار الإداري عن الاعتبارات السياسية الضيقة، ويعزز فاعلية تنفيذ السياسات العامة.

ويحث الإسلام على إسناد المهام إلى أهل الاختصاص، ويحذر من تولية غير الأكفاء، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (البخاري، 1422هـ، 136). ينسجم هذا الحديث في دلالته مع فكرة إسناد المسؤوليات على أساس الكفاءة والأمانة، وهي فكرة مركزية في دراسات الإدارة العامة والحكم الرشيد؛ لذلك يُستشهد به كثيرًا في الأدبيات التي تناقش العلاقة بين الكفاءة الإدارية والشرعية السياسية.

كما تستند قاعدة الجدارة في الإدارة الإسلامية إلى اعتبار الخبرة والقدرة معيارين أساسيين للاختيار والتعيين، وهو ما يتوافق مع متطلبات الإدارة الحديثة المعاصرة.

4-2-1-2. الشورى

تشكل الشـورى مبدأً إجرائيًا يعـزز المشاركـة والتداول فـي اتخاذ القـرار، وهـي لا تعني إلغاء القيادة، بل ترشيدها عن طريق الاستماع للرأي الآخر، وتوسيع قاعدة المعلومات وضمان تمثيل مختلف الآراء قبل اتخاذ القرار، وليست الشورى مجرد استشارة شكلية، بل هي نظام «توزيع المعرفة والقرار»، كما تمنع الشورى انفراد القمة السياسية بالقرارات الفنية، وتجبر صانع القرار على الاستماع لأهل الاختصاص، مما يقلل من نسبة الخطأ في السياسات العامة (النعيمات والدروع، 2013، 305). وفي السياق المؤسسي المعاصر، يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى آليات تشاور مؤسسية، ومجالس استشارية، ونظم حوكمة تشاركية تعزز الشفافية.

مما سبق، يتبين أن هذه القيم الأساسية الأربع المشار إليها، تتكامل في بناء منظومة أخلاقية مؤسسية تحد من هيمنة السياسة على الإدارة؛ إذ تجعل ممارسة السلطة خاضعة لمعيار أخلاقي وقانوني في آنٍ واحد، بما يعزز النزاهة والشفافية، ويضبط استخدام الصلاحيات العامة.

3-1-2. العلاقة المثالية بين السياسة والإدارة في الدولة الحديثة

تقوم العلاقة المثالية بين السياسة والإدارة في الدولة الحديثة على مبدأ التكامل الوظيفي ضمن إطار من التوازن المؤسسي، بحيث تتحدد أدوار كل من القيادة السياسية والجهاز الإداري بوضوح، دون أن ينزلق أحدهما إلى الهيمنة أو العزلة.

فالقيادة السياسية تستمد شرعيتها من التفويض الشعبي والرضا المجتمعي، ومن ثم تتولى تحديد الرؤية الاستراتيجية والأولويات الوطنية وصياغة التوجهات العامة للدولة، في حين يستند الجهاز الإداري إلى شرعية الخبرة والتخصص، ويتكفل بترجمة تلك التوجهات إلى سياسات تنفيذية وبرامج عملية وفق معايير الكفاءة والفاعلية والاستمرارية.

غير أن هذا التوازن لا يعني الفصل الصارم أو القطيعة المؤسسية بين المجالين، وإنما فصل وظيفي لا عضوي، فالسياسي يمتلك شرعية «التمثيل» والإداري يمتلك شرعية «الخبرة» (Dasandi & Esteve, n.d., 230). كما أن أي تمايز في الأدوار يقابله تعاون عملي وتفاعل مستمر؛ فالوزير يحدد الاتجاهات والسياسات العامة، لكنه لا يتدخل في التفاصيل الإجرائية الفنية، كما أن الإداري يملك هامشًا مهنيًا لاتخاذ القرارات التقنية، دون أن يتجاوز الإطار الاستراتيجي الذي أقرته السلطة السياسية، وبهذا المعنى، لا تُعد الإدارة سلطة موازية للسياسة، ولا مجرد أداة تنفيذ صامتة، بل شريكًا مهنيًا يعمل ضمن حدود قانونية واضحة، ويتأسس هذا النموذج على المرتكزات البنيوية الآتية (عبد المنعم وروزنبلوم، 2022، 56-58):

1-3-1-2. الاستقلالية المهنية للإدارة: بما يضمن تحصين الوظائف الفنية من التسييس، بواسطة نظام خدمة مدنية مستقر يمنع تغيير الكوادر المتخصصة بتغير الحكومات، حفاظًا على استمرارية الدولة.

2-3-1-2. الشفافية في صنع القرار: بحيث يمكن تتبع المسؤوليات وتحديد نطاق اختصاص كل طرف.

3-3-1-2. المساءلة المزدوجة والمتبادلة: إذ يخضع السياسيون للمساءلة أمام البرلمان والرأي العام، بينما يخضع الإداريون للمساءلة أمام رؤسائهم والجهات القضائية والرقابية، مع احتفاظ كل طرف بدور رقابي على الآخر؛ فالإدارة تراقب قانونية القرار السياسي من حيث مطابقة الإجراءات للقانون، والسياسة تراقب كفاءة الأداء الإداري ومدى تحقيقه للأهداف العامة.

وفي هذا السياق، تشير الدراسات المقارنة إلى أن نجاح هذا التوازن يرتبط ببناء قواعد مؤسسية صلبة للتعيين والترقية، قائمة على الجدارة، وإنشاء نظم تقييم أداء شفافة، وتطوير القدرات القيادية داخل الجهاز الإداري بصورة مستمـرة (Waldo, 1948). وقـد برزت نمـاذج حوكمـة هجينـة تجمـع بين المهنية البيروقراطية القائمة على القواعد والانضباط، والقيادة السياسية القادرة على توجيه الدولة استراتيجيًا ضمن رؤية تنموية متكاملة.

وعليه، فإن العلاقة المثالية بين السياسة والإدارة ليست صيغة جامدة، بل معادلة ديناميكية قوامها: شرعية تمثيلية تقود، وخبرة مهنية تنفذ، ومؤسسات رقابية توازن بين الطرفين، فإذا اختل أحد هذه الأركان انحرفت العلاقة إما نحو بيروقراطية معزولة عن الإرادة الشعبية، وإما نحو تسييس مفرط يُفرغ الإدارة من مضمونها المهني، وفي كلتا الحالتين تتراجع كفاءة الدولة وتتآكل شرعيتها المؤسسية.

2-2. الإدارة والسياسة في اليمن

تُعدّ الحالة اليمنية نموذجًا واضحًا لتداخل الأبعاد السياسية بالبنية الإدارية للدولة؛ فقد شهدت هذه العلاقة - منذ قيام النظام الجمهوري وبدرجة أشد بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م - تحدّي دمج نظامين سياسيين وإداريين مختلفين ضمن هيكل مؤسسي موحد، غير أنّ عملية الدمج لم تُدر على أسس علمية وموضوعية، بل خضعت بدرجة كبيرة لاعتبارات التقاسم والمحاصصة في توزيع المناصب السياسية والإدارية؛ الأمر الذي حال دون تحقيق اندماج مؤسسي حقيقي أو نشوء ثقافة سياسية وإدارية موحدة ومتوازنة، ونتيجة لذلك، خضع الجهاز الإداري لدولة الوحدة لعمليات «هيكلة سياسية» غيّبت معايير الكفاءة والجدارة المهنية لصالح ولاءات ضيقة ذات طابع حزبي وقبلي ومناطقي.

1-2-2. تطور العلاقة بين الإدارة والسياسة منذ قيام الوحدة

شهدت العلاقة بين الإدارة والسياسة في الجمهورية اليمنية منذ إعلان الوحدة عام 1990م مسارًا متقلبًا ارتبط بطبيعة التحولات السياسية وبنية النظام الحاكم أكثر مما ارتبط بتطور مؤسسي تدريجي؛ فقد ورثت الدولة الموحدة نمطين إداريـين مختلفين من حيث الفلسفة والتنظيم والمرجعية القانونية: نمطًا بيروقراطيًا ذا طابع مركزي تقليدي في الشمال، ونمطًا إداريًا مؤدلجًا في الجنوب، كان متأثرًا بالبنية الحزبية والتنظيمية للدولة السابقـة، مما أوجـد ازدواجية مؤسسية انعكست لاحقًا علـى طبيعة العلاقـة بين الإدارة والسياسـة (الدرويش، 2025، 55-56، 61). ولم تُستكمل عملية الدمج المؤسسي بصورة متدرجة، بل تمت في سياق سياسي متسارع، ما جعل الإدارة ساحةً لتوازنات القوى السياسية التي تشاركت الحكم بعد إعادة الوحدة أكثر من كونها جهازًا مهنيًا معاد الهيكلة.

  • فـي المرحلة الأولى (1990-1994م): برزت محاولة تأسيس إدارة عامـة ذات طابع توافقي في ظل التعددية السياسية الناشئة، غير أن هشاشة التجربة الديمقراطية وضعف البناء الحزبي جعلا الجهاز الإداري مجالًا لإعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية بدلًا من أن يكون جهازًا محايدًا يخضع لقواعد الخدمة المدنية (Burrowes, 2010). ومع حرب 1994م تعزز الاتجاه نحو مركزية القرار السياسي، وأُعيد تشكيل الإدارة العامة وفق منطق الولاء وإعادة الاصطفاف؛ الأمر الذي أسهم في تكريس الطابع الشخصي للسلطة داخل الجهاز الإداري، وتراجع المعايير المؤسسية في التعيين والترقية (Carapico, 1998).
  • خلال المدة (1995-2010م): اتسعت ظاهرة تسييس الإدارة؛ نتيجة توسع شبكات النفوذ داخل الدولة؛ إذ أصبحت الوظائف العليا والمتوسطة أداة لإدارة التحالفات السياسية والقبلية والاجتماعية، لا سيما في ظل غياب نظم رقابة فعالة، وأدى ذلك إلى تآكل مبدأ الحياد الإداري، وظهور طبقة من القيادات المرتبطة بمراكز القوة السياسية أكثر من ارتباطها بالمسار المهني الوظيفي (Day, 2012).
  • ما بعد أزمة 2011م: دخلت العلاقة بين السياسة والإدارة في هذه المرحلة سيولة مؤسسية حادة؛ إذ تراجعت قدرة الدولة على فرض معايير موحدة للإدارة، وتزايدت أنماط التعيين غير المؤسسي بفعل الانقسام السياسي والعسكري؛ مـا أدى إلـى تفكك جزئي فـي البنية الإدارية وتعدد مـراكز القرار داخل الدولة (International Crisis Group, 2013).

تظهر المسارات أن تطور العلاقة بين الإدارة والسياسة في اليمن لم يكن نتاج إصلاح تدريجي أو تحول مؤسسي مخطط، بل مسارًا تفاعليًا تحكمه التحولات السياسية والأزمات البنيوية؛ الأمر الذي جعل الإدارة انعكاسًا لموازين القوى أكثر من كونها إطارًا مؤسسيًا ضابطًا لها.

2-2-2. مظاهر تغلغل السياسة في مفاصل الإدارة العامة

1-2-2-2. التعيينات الحزبية (المحاصصة)

تُعد المحاصصة السياسية أحد أبرز مظاهر تسييس الإدارة العامة في اليمن، لا سيما بعد أحداث العام 2011م؛ إذ أصبحت التعيينات الإدارية العليا مرتبطة بالانتماءات الحزبية أو التوازنات السياسية، خصوصًا في المدد التي اتسمت بحكومات ائتلافية أو انتقالية (Dresch, 2000).

وقد أدى ذلك إلى تحويل الوظيفة العامة من أداة لتحقيق المصلحة العامة إلى وسيلة لإدارة الترضيات السياسية، مما أضعف مبدأ الحياد الإداري، وأفقد المناصب القيادية استقرارها المهني.

كما انعكست هذه الظاهرة في التدوير المستمر للقيادات الإدارية مع كل تغيـير سياسي؛ الأمر الذي أعاق تراكم الخبرة المؤسسية، وأدى إلى انقطاع الاستمرارية في تنفيذ السياسات العامة؛ إذ تتغير الأولويات بتغير القيادات دون تقييم موضوعي للبرامج القائمة.

وفضلًا عما ذُكر، فإن هذا النمط من التعيين أدى إلى تفتيت الولاء الإداري؛ إذ أصبح ولاء الموظف للحزب الذي رشحه للمنصب بدلًا من ولائه للدولة وقوانينها (النعيمات والدروع، 2013، 315).

في هذا السياق، تشير إحدى الدراسات إلى أن «المحاصصة الفئوية» في التعيينات العامة تقوض أسس الدولة الحديثة، وتحول الإدارة إلى غنيمة سياسية يتقاسمها المنتصرون (Kamrava, 2018). كما أدت المحاصصة إلى تضخم الجهاز الإداري بموظفين غير أكفاء، وأفقدت الإدارة قدرتها على جذب الكفاءات والخبرات اللازمة للنهوض بمهامه.

2-2-2-2. غياب معايير الكفاءة

ترافق التسييس مع تراجع واضح في تطبيق معايير الجدارة المهنية في التوظيف والترقية؛ إذ تقدمت الاعتبارات السياسية والاجتماعية على المؤهلات العلمية والخبرة العملية؛ إذ أدت المحاصصة إلى تضخم الجهاز الإداري بموظفين غير أكفاء، وأفقدت الإدارة قدرتها على جذب الكفاءات والخبرات اللازمة للنهوض بمهامه (النعيمات والدروع، 2013، 245-247). ونتج عن ذلك وجود هرم إداري غير متوازن، تتصدره أحيانًا قيادات تفتقر إلى الخبرة الفنية الكافية، مما يؤثر سلبًا في جودة القرار الإداري وقدرته على الاستجابة للتحديات المعقدة (World Bank, 2005).

وقد أدى إضعاف معايــير الاختيار الموضوعي والتقييم الدوري للأداء إلى إرباك منظومة الحوافز داخل الجهاز الحكومي؛ إذ لم يعد التفوق المهني أو الإنجاز معيارًا حاسمًا للترقي، مما قلل من الدافعية الفردية وأضعف ثقافة الأداء المؤسسي، وأدى ذلك إلى بروز ظاهرة ازدواجية السلطة داخل بعض المؤسسات؛ إذ تتقاطع الصلاحيات الرسمية مع نفوذ سياسي غير معلن، فتختلط خطوط المسؤولية وتغيب المرجعية الإدارية الواضحة، وفي ظل هذا الوضع، يصبح القرار الإداري عرضة للتأثيرات الخارجية، وتتراجع إمكانية تحديد المسؤولية بدقة، وهو ما يقوض أحد أهم أسس الإدارة الحديثة، وهو مبدأ المساءلة الواضحة المرتبطة بالاختصاص المحدد.

3-2-2-2. ضعف نظم المساءلة

ارتبط تسييس الإدارة - كذلك - بتراجع فاعلية أجهزة الرقابة والمساءلة، سواء بسبب تدخلات سياسية مباشرة في عملها، أم نتيجة ضعف استقلاليتها الهيكلية والمالية؛ ففي بعض السياقات تحولت آليات الرقابة إلى أدوات ضمن التنافس السياسي، تُفعَّل أو تُجمَّد وفقًا لموازين القوى؛ الأمر الذي أفقدها طابعها المهني وحيادها المؤسسي (UNDP, 2014). ومع غياب الحماية القانونية الكافية للعاملين في الأجهزة الرقابية، تضاءلت قدرتهم على ممارسة دورهم بكفاءة واستقلال.

وقد انعكس هذا الوضع على ضعف تطبيق القوانين الإدارية، وانتقائية تنفيذ اللوائح، وتراجع الالتزام بمعايير الشفافية في إدارة الموارد العامة، كما أدى إلى تضاؤل فاعلية نظم المتابعة والتقييم، بحيث غابت المؤشرات الدقيقة لقياس الأداء، وأصبح اكتشاف مواطن الخلل أو معالجتها يتم بصورة متأخرة أو شكلية، ونتيجة لذلك، تراجعت ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية؛ إذ باتت الرقابة في نظرهم غير قادرة على حماية المال العام أو ضمان العدالة الإدارية.

بذلك، تنشأ حلقة مفرغة ذات أثر تراكمي، فالتسييس يضعف استقلال أجهزة الرقابة، وضعف الرقابة يتيح مزيدًا من التدخل السياسي في القرار الإداري؛ الأمر الذي يؤدي تدريجيًا إلى تآكل القواعد الناظمة للعمل المؤسسي، ويحول الإدارة من جهاز تحكمه المعايير إلى فضاء تحكمه التوازنات والاعتبارات الظرفية.

3-2-2. آثار تسييس الإدارة على أداء مؤسسات الدولة

أدى تسييس الإدارة في اليمن إلى آثار بنيوية عميقة انعكست مباشرة على كفاءة مؤسسات الدولة وفاعليتها، ومن أبرز هذه الآثار انخفاض الكفاءة المؤسسية نتيجة تراجع المهنية الإدارية؛ إذ أصبحت معايير الولاء والانتماء تتقدم في بعض الأحيان على معايير التخصص والخبرة، كما تراجعت جودة الخدمات العامة بسبب تغليب الاعتبارات السياسية على المعايير الفنية في اتخاذ القرار (Rosenbloom et al., 2015). فالقرارات التي تُصاغ لإرضاء تحالف سياسي أو تحقيق مكسبًا ظرفيًا غالبًا ما تفتقر إلى الدراسة الموضوعية، وتغيب عنها حسابات الجدوى الاقتصادية والاستدامة طويلة المدى، مما يضاعف كلفة التصحيح لاحقًا.

كذلك أضعف التسييس قـدرة الدولة علـى تبني تخطيـط استراتيجي مستقـر؛ إذ أصبحت البرامج الحكومية رهينة لدورات الصراع السياسي أو التغيير القيادي، بدل أن تُبنى على رؤية تنموية متكاملة ذات أولويات واضحة ومؤشرات قياس محددة، ونتيجة لذلك، تعثرت استمرارية السياسات العامة، وتكررت المبادرات تحت مسميات مختلفة دون تراكم حقيقي في النتائج، كما برز تداخل في الاختصاصات وضعف في التنسيق بين الوزارات والمؤسسات؛ الأمر الذي أدى إلى هدر الموارد وتراجع كفاءة الإنفاق العام.

ومن ناحية أخرى، أسهم التسييس في تكوين بيئة مؤسسية مواتية لانتشار الفساد الإداري؛ إذ تُستخدم بعض المناصب لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، أو لإعادة إنتاج شبكات النفوذ داخل الجهاز الحكومي، ومع غياب معايير واضحة للمساءلة وتضاؤل الشفافية، تتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة تدريجيًا، ويتراجع شعورهم بعدالة توزيع الخدمات والفرص، ويزداد هذا الأثر خطورة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة؛ إذ تتحول الإدارة من أداة لمعالجة الاختلالات إلى جزء من بنيتها، مما ينعكس سلبًا على شرعية الدولة واستقرارها المؤسسي على المدى البعيد.

4-2-2. محاولات الإصلاح الإداري والسياسي السابقة وأسباب تعثرها

شهدت اليمن منذ منتصف التسعينيات سلسلة من البرامج الإصلاحية، لا سيما في إطار التعاون مع المؤسسات الدولية؛ إذ طُرحت مشاريــع لتحديث نظام الخدمة المدنية، وضبط كشوفات المرتبات، وبناء قواعد بيانات للوظيفة العامة، وإعادة هيكلة بعض الوزارات، فضلًا عن إدخال مفاهيم الإدارة الحديثة، كالتخطيط الاستراتيجي وإدارة الجودة (Government of Yemen & UNDP, 2024). كما اتجهت الدولة نحو تبني خيار اللامركزية عن طريق قانون السلطة المحلية، في محاولة لنقل بعض الصلاحيات إلى المحافظات، وتعزيز المشاركة المحلية في إدارة الموارد.

غير أن هذه المبادرات ظلت في معظمها إصلاحات «تقنية» داخل بنية سياسية غير مستقرة، وهنا تكمن الإشكالية البنيوية: الإصلاح الإداري كان يتحرك في فضاء سياسي لم يُحسم فيه سؤال توزيع السلطة، ولا طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، ولا حدود النفوذ غير الرسمي داخل الدولة؛ فالإدارة بطبيعتها تحتاج إلى قواعد مستقرة، بينما البيئة السياسية كانت خاضعة لمنطق التوازنات والتحالفات المتغيرة.

وإضافة إلى ذلك، اصطدمت كثير من البرامج الإصلاحية بإرث المركزية المفرطة وغياب الإرادة السياسية الحقيقية؛ لإحداث تغيير جذري في بنية الإدارة العامة، فضلًا عن تأثر الإدارة سلبًا بتنامي ظاهرة الفساد المالي والإداري، وضعف آليات المساءلة والمحاسبة.

ومن جانب آخر، ووجهت برامج الإصلاح بمقاومة ضمنية من داخل الجهاز الإداري ذاته؛ إذ رأت بعض مراكز النفوذ أن الإصلاح يهدد شبكات الامتياز القائمة، سواء في التعيينات أم في التحكم بالموارد، وهكذا تحولت بعض مشاريع التحديث إلى إجراءات شكلية تُستكمل على الورق دون أن تُترجم إلى تغيير فعلي في السلوك المؤسسي.

كما برزت فجوة واضحة بين الإصلاح القانوني والتطبيق العملي؛ فقد صدرت تشريعات ولوائح تنظيمية متقدمة نسبيًا، لكن ضعف آليات المتابعة والتقييم، وغياب نظم معلومات دقيقة، حال دون قياس الأداء أو محاسبة المقصرين، ومع تكرار الأزمات السياسية والأمنية، فقدت الإصلاحات عنصر الاستمرارية، وهو العنصر الحاسم في أي تحول مؤسسي طويل المدى.

كذلك، ارتبطت عدد من برامج الإصلاح بشروط المانحين الدوليين، مما جعلها تفتقر إلى التملك المحلي الحقيقي، وعندما توقفت المساعدات أو تغيرت أولويات المانحين، توقفت هذه البرامج أو تعثرت.

والأهم من كل ما ذكر، أن الإصلاح الإداري لم يُدمج ضمن رؤية شاملة لإصلاح الدولة بشكل كامل، فالإدارة لا تعمل في فراغ؛ فهي انعكاس لطبيعة النظام السياسي، وإذا لم يُعد تعريف العلاقة بين السياسة والإدارة على أساس مهني واضح، فإن أي إصلاح إداري يظل هشًا وقابلًا للارتداد عند أول تغير في موازين القوى.

بهذا المعنى، يمكن القول: إن تعثر الإصلاح في اليمن لم يكن نتيجة غياب الأفكار أو البرامج، بل نتيجة اختلال البيئة الحاضنة لها. الإصلاح كان موجودًا نصًا تنظيميًا، لكنه لم يتحول إلى ثقافة مؤسسية راسخة، وهذه ملاحظـة تحليليـة مهمـة؛ لأنهـا تنقل النقاش مـن مستوى «لماذا لم نُصلح؟» إلى مستوى أعمق: «كيف نُهيّئ الشروط السياسية والمؤسسية التي تجعل الإصلاح ممكنًا ومستدامًا»؟

وهنا يبرز سؤال الدولة المؤسسية ذاته: هل تُبنى الإدارة أولًا فتقود السياسة إلى الانضباط، أم تُصلح السياسة أولًا فتمنح الإدارة مجالًا للنمو؟ التجارب المقارنة تشير إلى أن المسارين متداخلان، لكن غياب أحدهما يجعل الآخر هشًا بطبيعته.

3-2. التجارب الدولية

تعكس التجارب الدولية تنوع المقاربات المؤسسية في تنظيم العلاقة بين الإدارة والسياسة؛ إذ تختلف النماذج باختلاف السياقات التاريخية والسياسية، غير أنها تتقاطع في السعي إلى تحقيق التوازن بين الكفاءة الإدارية والتوجيه السياسي، وتبرز أهمية هذه التجارب في استخلاص دروس تطبيقية تُفيد في بناء نماذج إصلاحية ملائمة للسياقات الوطنية، مع إدراك أن نجاح أي تجربة يظل رهينًا بقدرتها على معالجة تحدياتها الداخلية بقدر ما يستند إلى ما تحققه من مزايا مؤسسية.

1-3-2. التجربة الماليزية

تمثل التجربة الماليزية نموذجًا بارزًا في توظيف العلاقة المتوازنة بين القيادة السياسية والجهاز الإداري لخدمة مشروع تنموي طويل المدى؛ فمنذ سبعينيات القرن العشرين، ولا سيما خلال مرحلة التحول الاقتصادي في عهد مهاتير محمد، لم تُعامل الإدارة العامة بوصفها جهازًا تنفيذيًا تقليديًا، بل أداة استراتيجية لتحقيق رؤية وطنية شاملة، تجسدت لاحقًا في مبادرة “رؤية ماليزيا 2020”، وقد قامت هذه الرؤية على تكامل واضح بين الإرادة السياسية التي تحدد الأهداف الكبرى وتوافر الغطاء الاستراتيجي، وبين جهاز إداري مهني يمتلك القدرة الفنية والمؤسسية على التنفيذ (Saravanamuttu, 2010).

اتسم هذا النموذج بعدد من السمات المؤسسية، من أبرزها: تطوير نظام خدمة مدنية قائم على الجدارة، وتعزيز استقرار القيادات الإدارية، وإنشاء وحدات تخطيط استراتيجي تربط التوجهات السياسية بالبرامج التنفيذيـة، فضـلًا عـن اعتمـاد نظـم تقييـم أداء قائمـة علـى مؤشـرات كميـة واضحـة وقابلـة للقياس (جبلير وأوسبورني، 2012، 145-147)، ( Government of Yemen & UNDP, 2024). وقد أسهمت هذه العناصر في ترسيخ مفهوم “الإدارة الموجهة بالنتائج”، وتعزيز المساءلة المؤسسية، وتقليص أثر الاعتبارات الشخصية أو الحزبية في العمل الإداري.

مميزات التجربة الماليزية: تتمثل في قدرتها على تحقيق تكامل فعّال بين القيادة السياسية والجهاز الإداري ضمن رؤية تنموية طويلة المدى؛ إذ أسهم وضوح التوجهات الاستراتيجية في توجيه العمل الإداري نحو أهداف قابلة للقياس، كما عزز اعتماد الإدارة الموجهة بالنتائج من كفاءة الأداء الحكومي، عن طريق ربط الحوافز والترقيات بمؤشرات أداء واضحة، ويُضاف إلى ذلك استقرار القيادات الإدارية، وتطوير منظومة تدريب مؤسسي أسهمت في بناء نخبة بيروقراطية محترفة قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة واستمرارية.

تحديات التجربة الماليزية: هي تحديات تتعلق بإمكانية تغلغل الاعتبارات السياسية في بعض مراحل صنع القرار- لا سيما في ظل هيمنة الحزب الحاكم لفترات طويلة - بما قد يؤثر في استقلالية الجهاز الإداري، كما أن الاعتماد الكبير على التخطيط المركزي قد يحد أحيانًا من مرونة الاستجابة للمتغيرات المحلية، إضافة إلى استمرار بعض الفجوات الاجتماعية والاقتصادية التي تطرح تساؤلات حول عدالة توزيع ثمار التنمية.

2-3-2. التجربة الفرنسية

تمثل فرنسا نموذجًا كلاسيكيًا للدولة البيروقراطية المهنية ذات الجذور التاريخية العميقة؛ إذ نجحت في بناء جهاز إداري محترف يتمتع بدرجة معتبرة من الاستقلالية عن التقلبات السياسية، دون أن ينفصل عن الإطار الديمقراطي، وقد ارتكز هذا النموذج على بنية مؤسسية متكاملة، أسهمت في تكريس ثقافة إدارية قائمة على الكفاءة والحياد والانضباط القانوني.

في مقدمة هذه الركائز برزت المدرسة الوطنية للإدارة (ENA)، التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لتخريــج نخبة من كبار الموظفين العموميين، يتلقون تكوينًا عالي المستوى يجمع بين القانون والإدارة والاقتصاد والسياسات العامة (فيرلي وآخرون، 2022، 412-415).

وقد أسهمت هذه المؤسسة في تكوين ثقافة إدارية موحدة، تقوم على الجدارة المهنية والانتماء المؤسسي للدولة قبل أي اعتبار سياسي. وإلى جانب ذلك، يؤدي مجلس الدولة دورًا محوريًا في ضبط العلاقة بين الإدارة والمواطنين، عن طريق الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية، والفصل في المنازعات، بما يعزز خضوع الإدارة الصارم للقانون، ويحمي حقوق الموظفين والمتعاملين مع المرفق العام (عواضة، 2018، 78-80).

وتتكامل هذه المنظومة مع نظام وظيفي مستقر يوفر ضمانات قوية ضد الفصل التعسفي، ويحمي الموظفين من الضغوط السياسية، مع الحفاظ على مبدأ التدرج الوظيفي القائم على الأقدمية والكفاءة، كما عززت سياسة اللامركزية الإدارية نقل بعض الصلاحيات إلى السلطات المحلية، مع الإبقاء على معايير وطنية موحدة لضمان جودة الخدمات العامة وتماسك الدولة.

وتكمن خصوصية النموذج الفرنسي في الجمع بين قوة الجهاز الإداري وخضوعه الصارم للقانون (Rosanvallon, 2007). فالإدارة ليست خصمًا للسياسة، لكنها ليست أداة بيدها أيضًا؛ إذ يوجد توزيع واضح للأدوار: الوزير يحدد التوجه السياسي، ويعبر عن الاختيار الديمقراطي، بينما يضمن الموظف العام تنفيذ السياسات ضمن قواعد مهنية مستقرة، وقد أثبت هذا النموذج قدرته على تحقيق استقرار مؤسسي واستمرارية في تقديم الخدمات العامة، على رغم تغير الحكومات وتبدل التوجهات السياسية.

مميزات التجربة الفرنسية: تتسم التجربة الفرنسية بوجود جهاز إداري مهني راسخ يقوم على الجدارة والتكوين الأكاديمي العالي؛ ما أسهم في تحقيق استقرار مؤسسي واستمرارية في تنفيذ السياسات العامة، كما يوفر النظام الوظيفي ضمانات قوية لاستقلالية الموظف العام، ويعزز مجلس الدولة الرقابة القانونية على الإدارة، بما يضمن خضوعها الصارم للقانون، ويُعد وضوح الفصل الوظيفي بين السياسي والإداري من أبرز عناصر قوة هذا النموذج.

تحديات التجربة الفرنسية: في المقابل، يُنتقد النموذج الفرنسي أحيانًا بسبب ميله إلى المركزية الشديدة، مما قد يحد من فاعلية اللامركزية ويبطئ عملية اتخاذ القرار، كما أن النخبوية المرتبطة بمؤسسات إعداد القيادات قد تخلق فجوة بين الإدارة والمجتمع، وتحد من تجديد الدماء داخل الجهاز الإداري، كذلك، قد يؤدي التمسك بالإجراءات الشكلية إلى نوع من الجمود البيروقراطي الذي يؤثر في الابتكار الإداري.

3-3-2. التجربة الكورية الجنوبية

تمثل كوريا الجنوبية نموذجًا لافتًا لتحول دولة خرجت مدمرة من الحرب الكورية إلى واحدة من أكثر الاقتصادات تقدمًا عالميًا، وهو تحول لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل إداريًا بالدرجة الأولى، فقد بُني جهاز إداري قائم على الجدارة الصارمة والاختبارات التنافسية الدقيقة، وأُدمج ضمن مشروع وطني شامل للتصنيع السريــع والتنمية الموجهة (Vogel, 1991).

ارتكز هذا النموذج على الأسس الآتية:

  • نظام اختيار يعتمد المنافسة والاختبارات الموضوعية لضمان تعيين الأكفأ، مع توفير برامج تدريب مستمرة لصقل المهارات القيادية والإدارية (Kettl, 2022).
  • إسهام الاستثمار المكثف في التعليم الإداري والتقني في إيجاد طبقة بيروقراطية عالية الكفاءة، قادرة على تصميم وتنفيذ سياسات صناعية معقدة، ضمن إطار منضبط ومترابط مؤسسيًا.
  • تبنت الدولة تخطيطًا استراتيجيًا طويل المدى عن طريق خطط تنموية خمسية متعاقبة، ربطت بين الرؤية السياسية والأهداف القابلة للقياس، مع متابعة دقيقة للتنفيذ عن طريق وحدات متخصصة في رئاسة الوزراء، بما عزز من فاعلية التنسيق بين الوزارات والهيئات، وسادت داخل الجهاز الإداري ثقافة قائمة على الانضباط والعمل الجاد، مقرونة بنظام صارم للمساءلة والمحاسبة.
  • فلم يكن الاستقرار الوظيفي مطلقًا، بل ارتبط بالأداء والنتائج؛ إذ خضع الموظفون لنظام تقييم موضوعي يربط الحوافز والترقيات بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، وقد أتاح هذا الدمج بين الجدارة والتخطيـط والانضبـاط تحقيق معدلات نمـو استثنائية، والتحـول مـن اقتصاد منخفض الدخل إلـى عضو فاعل في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

مميزات التجربة الكورية الجنوبية: تتمثل في قدرة الدولة على بناء جهاز إداري عالي الكفاءة، قائم على الجدارة الصارمة والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وقد أسهم التكامل بين السياسات الصناعية والجهاز الإداري في تحقيق نمو اقتصادي متسارع؛ إذ عملت البيروقراطية أداة استراتيجية لتنفيذ مشروع وطني شامل، كما عزز نظام التقييم المرتبط بالأداء ثقافة الانضباط والمساءلة داخل المؤسسات الحكومية.

تحديات التجربة الكورية الجونبية: أبرزها المخاطر المرتبطة بتركيز السلطة في المراحل الأولى من التنمية، وما قد يرافق ذلك من ضعف في المساءلة الديمقراطية، كما أن الضغوط العالية على الأداء قد تؤدي إلى إرهاق إداري وتقليل المرونة المؤسسية، إضافة إلى ذلك، فإن نقل هذا النموذج إلى بيئات أخرى قد يواجه صعوبات بسبب اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية.

4-3-2. التجربة الرواندية

تمثل رواندا نموذجًا فريدًا لدولة خرجت من صدمة الإبادة الجماعية عام 1994م لتشرع في إعادة بناء مؤسساتها من شبه العدم، التحدي لم يكن إداريًا فقط، بل وجوديًا: كيف تُعاد صياغة دولة انهارت ثقة مواطنيها فيها؟ الإجابة جاءت عن طريق مشروع إصلاحي مركزه بناء مؤسسات حديثة تقوم على الكفاءة والمساءلة بدل الانقسام العرقي (Booth & Golooba-Mutebi, 2012, 379-403).

أحد أبرز أدوات هذا التحول كان اعتماد نظام «عقود الأداء» ( Republic of Rwanda, 2013)؛ إذ يلتزم المسؤولون بتعهدات تنموية سنوية تُحدد بأهداف قابلة للقياس، وتُعلن نتائجها على نحو شفاف، لم يعد المنصب الإداري موقعًا رمزيًا، بل تعاقدًا أخلاقيًا وعمليًا مع المجتمع، كما جرى تطوير نظام تقييم أداء قائم على النتائج، ترتبط به الحوافز والترقيات بتحقيق مؤشرات واضحة.

في موازاة ذلك، انتهجت الدولة سياسة صارمة في مكافحة الفساد، عن طريق إنشاء أجهزة رقابية بصلاحيات واسعة وتطبيق القانون دون استثناء، ما أسهم في ترسيخ ثقافة جديدة للنزاهة داخل الإدارة العامة، كما رُبط جزء من الدعم الدولي بإصلاحات مؤسسية ملموسة؛ الأمر الذي عزز الجدية في التنفيذ وأعاد بناء الثقة تدريجيًا بين الدولة والمجتمع.

وعلى المستوى الإجرائي، ركزت رواندا على تبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، مما جعلها من أكثر الدول الإفريقية جذبًا للاستثمار وسهولة في ممارسة الأعمال وفق تقارير البنك الدولي (World Bank, 2018). كما أطلقت مبادرات لتعزيز الشفافية والمشاركة، مثل “أيام الخدمات العامة” التي يقدم فيها المسؤولون تقارير مباشرة للمواطنين، ويستمعون إلى ملاحظاتهم (Rwanda Governance Board, 2018).

وقد مكنت هذه السياسات رواندا من تحسين مؤشرات الحوكمـة وتحقيق معدلات نمـو ملحوظة؛ لتصبح مثالًا على أن إعادة بناء الإدارة ممكنة حتى في سياقات ما بعد الصراع العنيف.

مميزات التجربة الرواندية: تُعد رواندا نموذجًا متميزًا في إعادة بناء الدولة بعد الصراع؛ إذ نجحت في ترسيخ إدارة عامة قائمة على المساءلة والنتائج بواسطة أدوات مبتكرة مثل «عقود الأداء»، كما أسهمت السياسات الصارمة لمكافحة الفساد في تعزيز النزاهة المؤسسية، وأدى التركيز على التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات إلى تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمار، ويُحسب للتجربة أيضًا قدرتها على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

تحديات التجربة الرواندية: تحديات تتعلق بمدى استدامة هذا النموذج في ظل مركزية القرار السياسي؛ إذ قد يؤثر ذلك في التعددية والمساءلة السياسية على المدى الطويل، كما أن الاعتماد النسبي على الدعم الدولي يطرح تساؤلات حول استدامة بعض الإصلاحات، إضافة إلى ذلك، فإن خصوصية السياق ما بعد الصراع تجعل من الصعب تعميم التجربة دون مراعاة الفروق البنيوية بين الدول.

4-2. برنامج مقترح للحد من تبعية الإدارة للسياسة في اليمن

تكشف المقارنة بين التجارب الدولية - إلى جانب التحليل النظري والواقعي للحالة اليمنية - أن اختلال العلاقة بين السياسة والإدارة لا يُعد مجرد خلل تقني في الأداء الحكومي، بل هو نتيجة تفاعل بنيوي بين طبيعة النظام السياسي وضعف البناء المؤسسي للجهاز الإداري. فقد أظهرت تلك التجارب أن نجاح الإصلاح الإداري يرتبط بتوافر رؤية سياسية واضحة تدعم بناء جهاز إداري مهني، واعتماد نظم اختيار وترقية قائمة على الجدارة، والاستثمار في التدريب القيادي، وتعزيز المساءلة بمؤشرات أداء قابلة للقياس (Osborne & Gaebler, 1992). كما تؤكد هذه الخبرات أن الإصلاح لا يتحقق عن طريق الفصل التام بين السياسة والإدارة، بل عن طريق تنظيم العلاقة بينهما ضمن إطار قانوني ومؤسسي يوازن بين التوجيه السياسي والكفاءة الإدارية.

وعند تفكيك هذه التجارب، تبرز دروس نوعية ذات دلالة تطبيقية؛ إذ تؤكد التجربة الماليزية أهمية الإدارة الموجهة بالنتائج، الخاضعة للقياس والمساءلة، بما يحد من تأثير الضغوط السياسية، وتبرز التجربة الفرنسية أهمية بناء مسار مهني مؤسسي للإدارة العليا قائم على التأهيل والتدرج الوظيفي، بما يضمن استقرار النخبة الإدارية واستمرارية الدولة، أما التجربة الكورية الجنوبية فتؤكد مركزية التخطيط التنموي المندمج الذي يربط الأداء الإداري بأهداف اقتصادية واجتماعية واضحة، في حين تقدم التجربة الرواندية نموذجًا دالًا على دور الإرادة السياسية المقترنة بمساءلة فعالة في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي ضوء هذه المعطيات، وبالاستناد إلى تحليل الحالة اليمنية التي تعاني من تسييس مفرط في التعيينات والقرارات الإدارية، يتضح أن إعادة بناء العلاقة بين السياسة والإدارة تتطلب تبني نموذج “التكامل المنضبط”، الذي يجمع بين القيادة السياسية الاستراتيجية والمهنية الإدارية المستقلة. وعليه، يقترح هذا المحور برنامجًا إصلاحيًا متدرجًا يستند إلى مرتكزين متكاملين، الأول: مؤسسي وقانوني مستمد من مبادئ الحوكمة الرشيدة، والثاني: قيمي يستلهم المنهج القرآني القائم على العدالة والأمانة والكفاءة والشورى.

1-4-2. إعادة تنظيم العلاقة المؤسسية بين القيادة السياسية والجهاز الإداري

يمثل غياب الحدود الواضحة بين المجالين السياسي والإداري، أحد أبرز أسباب اختلال الأداء المؤسسي في اليمن؛ الأمر الذي يستدعي وضع إطار قانوني وتنظيمي يحدد بدقة أدوار كل طرف ومسؤولياته، وفي هذا السياق، ينبغي ترسيخ مبدأ الفصل الوظيفي لا العضوي، بحيث تتولى القيادة السياسية تحديد التوجهات الاستراتيجية وصياغة السياسات العامة، بينما يتولى الجهاز الإداري تنفيذ تلك السياسات وفق معايير مهنية مستقرة.

وتؤكد التجارب الدولية - لاسيما التجربة الرواندية - أن وضوح العلاقة المؤسسية يمكن تعزيزه عن طريق اعتماد أدوات مثل “عقود الأداء”، التي تربط بقاء القيادات الإدارية بمستوى تحقيق الأهداف المحددة، بما يعزز المساءلة، ويحد من التعيينات القائمة علـى الولاء السياسي، كما أن النمـوذج الفرنسي يبرز أهمية وجـود قواعـد قانونية صارمـة، تحـدد نطـاق تدخـل الوزير، بحيث يقتصر دوره على التوجيه العام دون الانخراط في التفاصيل التنفيذية.

ويتسق هذا التوجه مع المبدأ القرآني القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، بما يؤكد أن توزيع الصلاحيات يجب أن يقوم على معايير موضوعية تضمن الكفاءة والنزاهة، وتمنع تداخل الأدوار الذي يؤدي إلى إضعاف الأداء المؤسسي.

2-4-2. إعادة بناء نظام الخدمة المدنية على أساس الجدارة

تُعد المحاصصة السياسية في التعيينات أحد أبرز مظاهر تسييس الإدارة العامة في اليمن، ما يجعل إصلاح نظام الخدمة المدنية مدخلًا محوريًا لأي برنامج إصلاحي، ويقتضي ذلك إنشاء نظام وطني موحد للتوظيف والترقية، قائم على معايير الجدارة المهنية والاختبارات الموضوعية، بما يضمن اختيار الأكفأ بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو الاجتماعية.

وتشير التجارب المقارنة - خصوصًا في كوريا الجنوبية وماليزيا - إلى أن بناء جهاز إداري كفء، يبدأ من نظام اختيار صارم يعتمد المنافسة والشفافية، ويرتبط بمسارات وظيفية واضحة تتيح الترقي على أساس الأداء، كما أن اعتماد نظم تقييم قائمة على مؤشرات قابلة للقياس يسهم في تعزيز الانضباط المؤسسي وتقليل التدخلات السياسية.

وفـي السياق اليمني، يتطلب ذلك تبني مجموعـة مـن الإجراءات، منهـا: تنظيم مسابقات وظيفيـة شفافة، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات، وإلغاء التعيينات الاستثنائية خارج إطار الخدمة المدنية، إلى جانب إعادة هيكلة الجهاز الإداري للحد من التضخم الوظيفي.

ويستند هذا التوجه إلى القاعدة القرآنية: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، التي تجمع بين الكفاءة المهنية والنزاهة الأخلاقية بوصفهما معيارين متكاملين لاختيار شاغلي الوظائف العامة.

3-4-2. بناء قيادات إدارية احترافية

تُظهر التجارب الدولية أن استقرار الدولة الحديثة يرتبط بوجود نخبة إدارية محترفة، تتمتع بالتأهيل العلمي والخبرة العملية، وهو ما يستدعي تطوير منظومة وطنية لإعداد القيادات الإدارية، وفي هذا الإطار يمكن إنشاء معهد وطني للإدارة العامة يتولى إعداد القيادات الحكومية وتأهيلها في مجالات الإدارة الاستراتيجية وصنع السياسات العامة.

وتبرز التجربة الفرنسية - عن طريق المدرسة الوطنية للإدارة - أهمية المؤسسات التعليمية المتخصصة في تكوين نخبة إدارية موحدة الثقافة المهنية، بما يعزز الاستقرار المؤسسي، كما تؤكد التجربتان الماليزية والكورية أهمية التدريب المستمر وربطه بالمسار الوظيفي، بحيث يصبح تطوير القدرات شرطًا للتقدم الإداري.

وينبغي أن يقوم هذا المسار على نظام قبول تنافسي، يضمن اختيار العناصر الأكثر كفاءة، مع ربط برامج التدريب بقيم الخدمة العامة والمسؤولية المجتمعية، بما يعزز إدراك الموظف العام لدوره بوصفه حاملًا لأمانة عامة لا صاحب امتياز.

4-4-2. تطوير منظومات المساءلة والشفافية

لا يمكن لأي إصلاح إداري أن ينجح دون وجود نظام فعال للمساءلة، يضمن الالتزام بالقواعد والمعايير المهنية، وتؤكد التجارب الدولية - خصوصًا في ماليزيا ورواندا - أن ربط الأداء بالمؤشرات الكمية، وربط الموارد بنتائج الإنجاز يمثلان أدوات حاسمة في تعزيز الكفاءة والحد من الفساد.

وفي السياق اليمني، يتطلب ذلك تعزيز استقلال الأجهزة الرقابية، وتطوير نظم تقييم الأداء الحكومي، وربط الموازنات العامة بمستوى تحقيق الأهداف التنموية، إلى جانب تعزيز الشفافية عن طريق نشر البيانات وإتاحة المعلومات للمواطنين.

كما يسهم إشراك المجتمع في الرقابة - عن طريق الإعلام ومنظمات المجتمع المدني - في تعزيز المساءلة المجتمعية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وهو ما يشكل أحد مرتكزات الحكم الرشيد.

ويستند هذا التوجه إلى مبدأ قرآني أساسي هو مبدأ العدل؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، فالعدالة هنا لا تعني فقط الفصل في النزاعات، بل تشمل أيضًا عدالة الإدارة وشفافية توزيع الموارد العامة.

5-4-2. ترسيخ ثقافة الشورى والحكم التشاركي

تشير الأدبيات الحديثة في الحوكمة إلى أهمية إشراك الفاعلين المجتمعيين في صنع السياسات العامة، وهو ما يتقاطع مع المبدأ القرآني للشورى الذي يؤكد أن اتخاذ القرار ينبغي أن يقوم على التشاور وتبادل الرأي.

وتؤكد التجارب الدولية أن توسيع قاعدة المشاركة يسهم في تحسين جودة القرارات العامة، عن طريق تنويع مصادر المعرفة وتقليل احتمالات الانفراد السياسي بالقرار، كما يعزز ذلك من شرعية السياسات العامة، ويزيد من فرص نجاحها على المستوى التطبيقي.

وفي السياق اليمني يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى آليات مؤسسية، مثل: إنشاء مجالس استشارية متخصصة داخل الوزارات تضم خبراء وأكاديميين، توسيـع دور السلطات المحليـة فـي إدارة الخدمـات العـامـة، إشـراك منظمات المجتمـع المدني في متابعة تنفيذ السياسات الحكومية.

ومـن شأن هـذه الآليات أن تسهـم فـي تحسين جودة القرارات العامـة عن طريق توسيع قاعدة المعلومات وتعدد مصادر المعرفة، كما تساعد في تقليل احتمالات الانفراد السياسي بالقرار الإداري.

نخلص هنا إلى أن الحد من تبعية الإدارة للسياسة في اليمن لا يمكن أن يتحقق بإصلاحات جزئية أو إجراءات تقنية معزولة، بل يتطلب مشروعًا مؤسسيًا متكاملًا يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها، ويقوم هذا المشروع على بناء إدارة عامة مهنية تستند إلى الجدارة والكفاءة، وتعمل ضمن إطار من المساءلة والشفافية، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للقيادة السياسية في توجيه السياسات العامة.

كما أن نجاح هذا البرنامج الإصلاحي يعتمد بدرجة كبيرة على وجود إرادة سياسية حقيقية، تدرك أن الإدارة ليست مجرد أداة لتوزيع المناصب أو إدارة التحالفات، بل هي الركيزة الأساسية لبناء الدولة وتحقيق التنمية.

وفي هذا السياق، يمكن القول: إن المنهج القرآني يقدم بعدًا قيميًا مهمًا يدعم هذا التوجه الإصلاحي؛ إذ يجعل العدالة والأمانة والكفاءة والشورى مبادئ ضابطة لممارسة السلطة العامة، وعندما تتكامل هذه القيم مع القواعد المؤسسية الحديثة للإدارة العامة، ويصبح من الممكن بناء نموذج إداري يحقق التوازن بين القيادة السياسية والمهنية الإدارية، ويضع الدولة على مسار الاستقرار والتنمية المستدامة.

3. النتائج والتوصيات

1-3. النتائج

يُظهر البحث جملة من النتائج المهمة، أبرزها ما يلي:

  • أن العلاقة بين الإدارة والسياسة في الفكر الإداري المعاصر لا تقوم على الفصل التام، بل على التكامل الوظيفي المنظم؛ إذ تتداخل الأدوار ضمن إطار مؤسسي يحدد الاختصاصات ويمنع التضارب.
  • بيّن التحليل النظري أن المدرسة التقليدية أسست لمبدأ حياد الإدارة، في حين أبرزت المدرسة الحديثة دورها التشاركي في صنع السياسات، بينما كشفت المدرسة الواقعية عن مخاطر الهيمنة السياسية في البيئات المؤسسية الهشة، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من اختلال هذه العلاقة في الدول النامية.
  • أظهر البحث أن تسييس الإدارة العامة يمثل السمة الأبرز في عدد من الدول النامية، وأن هذا التسييس يتجلى عن طريق التعيينات غير القائمة على الكفاءة، والتدخل في القرارات التنفيذية، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الأداء المؤسسي وتراجع جودة الخدمات العامة.
  • تكشف دراسة الحالة اليمنية أن اختلال العلاقة بين السياسة والإدارة يرتبط بعوامل بنيوية، في مقدمتها المحاصصة السياسية، وضعف نظم الخدمة المدنية، وغياب معايير الجدارة؛ الأمر الذي أفضى إلى تآكل الاستقلالية المهنية للجهاز الإداري.
  • توصل البحث إلى أن الآثار المؤسسية لاختلال هذه العلاقة تتمثل في انخفاض كفاءة تنفيذ السياسات العامة، وتفشي الفساد الإداري، وضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، فضلًا عن تعطّل مسارات التنمية.
  • بين البحث أن التجارب الدولية الناجحة (ماليزيا، فرنسا، كوريا الجنوبية، رواندا) تشترك في اعتمادها على نظم جدارة، وتخطيط استراتيجي، وآليات مساءلة فعالة، مع وجود إرادة سياسية داعمة للإصلاح، وهو ما مكّنها من تحقيق توازن نسبي بين السياسة والإدارة.
  • أكدت المقارنة الدولية أن نجاح الإصلاح الإداري لا يتحقق بعزل الإدارة عن السياسة، بل بتنظيم العلاقة بينهما ضمن قواعد قانونية ومؤسسية واضحة تضمن التكامل بينهما.
  • خلص البحث إلى أن النموذج الأنسب للحالة اليمنية يتمثل في تبني نموذج “التكامل المنضبط”، الذي يوازن بين دور القيادة السياسية في رسم السياسات، ودور الإدارة في التنفيذ المهني المستقل.
  • بيّن التحليل القيمي المستند إلى المنهج القرآني أن مبادئ العدالة، والأمانة، والكفاءة، والشورى تشكل إطارًا معياريًا داعمًا لبناء علاقة متوازنة بين السياسة والإدارة، وتعزز من نزاهة الأداء المؤسسي.
  • أكد البحث على أن الإرادة السياسية تمثل العامل الحاسم في نجاح أي برنامج إصلاحي؛ إذ لا يمكن تحقيق إصلاح إداري فعّال في ظل استمرار توظيف الإدارة لأغراض سياسية أو فئوية.

2-3. التوصيات

في ضوء النتائج المشار إليها، يوصي البحث بالآتي:

  • إعادة تنظيم العلاقة بين السياسة والإدارة عن طريق تشريعات واضحة؛ تُرسّخ الفصل الوظيفي وتحد من التدخلات السياسية في العمل الإداري.
  • إصلاح نظام الخدمة المدنية عن طريق اعتماد معايير الجدارة والكفاءة، وإلغاء التعيينات القائمة على المحاصصة أو الولاء.
  • إنشاء نظام وطني موحد للتوظيف والترقية قائم على الاختبارات الموضوعية ومؤشرات الأداء القابلة للقياس.
  • تأسيس معهد وطني للإدارة العامة لإعداد القيادات الإدارية، وتأهيلها وفق معايير علمية ومهنية حديثة.
  • تعزيز منظومات المساءلة والشفافية عن طريق دعم استقلال الأجهزة الرقابية وربط الأداء بالموازنات والنتائج.
  • اعتماد نظم تقييم أداء حديثة قائمة على مؤشرات كمية واضحة، وربط الحوافز والترقيات بمستوى الإنجاز.
  • توسيع آليات المشاركة والشورى عن طريق إشراك الخبراء والمجتمع المدني في صنع السياسات العامة.
  • تبني إصلاح تدريجي واقعي يراعي الخصوصية اليمنية، مع الاستفادة الانتقائية من التجارب الدولية دون استنساخها.
  • تعزيز البعد القيمي في الإدارة العامة بترسيخ مبادئ العدالة والأمانة والكفاءة في الممارسة المؤسسية.

4. الخاتمة

تمثل العلاقة بين الإدارة والسياسة أحد المفاصل الحاسمة في بناء الدولة الحديثة، ومن ثَمَّ فإن اختلالها ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة الأداء الحكومي وشرعية المؤسسات العامة، وقد بيّن التحليل النظري والتطبيقي أن التحدي لا يكمن في الفصل بين المجالين، بل في بناء توازن مؤسسي يضمن تكامل الأدوار دون تغوّل أحدهما على الآخر.

وفي السياق اليمني، يتضح أن معالجة هذا الاختلال تتطلب مشروعًا إصلاحيًا يتجاوز الحلول الإجرائية الضيقة، نحو إعادة بناء قواعد العمل المؤسسي على أساس الجدارة والكفاءة والمساءلة، كما أن الاستفادة من التجارب الدولية تظل مشروطة بقدرة النظام السياسي على تبني الإصلاح خيارًا استراتيجيًا، لا استجابة ظرفية.

وعليه، فإن تحقيق إدارة عامة فعالة في اليمن يظل رهينًا بإرادة سياسية واعية، تدرك أن الإدارة ليست مجرد أداة لتنفيذ السياسات أو إدارة التوازنات، بل هي الركيزة الأساسية لبناء الدولة وتعزيز التنمية والاستقرار بشكل مستدام.

وفي هذا الإطار، يشكّل التكامل بين القواعد المؤسسية الحديثة والقيم الحاكمة أساسًا ممكنًا لإعادة صياغة العلاقة بين السياسة والإدارة بما يخدم المصلحة العامة ويؤسس لدولة قادرة ومستقرة.

وأخيرًا، فإن الدولة الحديثة لا تُبنى بالسياسة وحدها ولا بالإدارة وحدها، بل بالتفاعل المنظم بينهما؛ فحين تُدار السياسة بالعقل المؤسسي، وتعمل الإدارة بروح المسؤولية العامة، وتتشكل قاعدة صلبة لحكم رشيد قادر على تحقيق التنمية والاستقرار. أما حين تختل هذه المعادلة، فإن الدولة تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، وتتحول مؤسساتها إلى ساحات للصراع بدلًا من أن تكون أدوات لخدمة المجتمع.

إخفاء المراجع

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • الموصلي، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى. (1984). مسند أبي يعلى (ج 8)، تحقيق: حسين سليم أسد. دار المأمون للتراث.
  • البخاري، محمد بن إسماعيل. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري). (تحقيق: محمد زهير الناصر). دار طوق النجاة.
  • جبلير، تيد، وأوسبورني، ديفيد. (2012). إعادة اختراع الحكومة: كيف تحول روح المغامرة القطاع العام. (ترجمة: محمد توفيق البيجرمي). مكتبة العبيكان.
  • جمعة، سلوى شعراوي، وهلال، علي الدين. (2004). تحليل السياسات العامة في الوطن العربي. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
  • الدرويش، نبيل أحمد. (2025). السلطات المركزية وتأثيرها في إصلاح إدارة الحكم في الجمهورية اليمنية. المجلة العلمية، الأكاديمية اليمنية للدراسات العليا، (5).
  • دسوقي، أحمد، وإسماعيل، محمد. (2008). أصول تحليل السياسات العامة. مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة.
  • العجاتي، محمد، وآخرون. (2020). السياسات العامة: صنع السياسات العامة وتحليلها والتأثير فيها. منتدى البدائل العربي للدراسات.
  • العريقي، منصور محمد. (2011). الإدارة الاستراتيجية. جامعة العلوم والتكنولوجيا.
  • عواضة، نبيل حسين. (2018). العلاقة التشاركية بين الإدارة والسياسة (وزارة العدل أنموذجًا). (رسالة ماجستير). الجامعة اللبنانية.
  • فريد، خالد، والهلالي، عبد الفتاح. (2012). القرار العام بين الإدارة والسياسة: أي دور للتكنوقراط في عقلنة السياسات العامة. مجلة دفاتر السياسة والقانون، (6).
  • فيبر، ماكس. (2011). الاقتصاد والمجتمع. (ترجمة: محمد التركي). المنظمة العربية للترجمة.
  • فيرلي، إيوان، وآخرون. (2022). دليل أوكسفورد للإدارة العامة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  • النعيمات، أسامة، والدروع، خالد. (2013). أثر النظام الحزبي في الرقابة الإدارية. مجلة دراسات العلوم الإدارية، (13).
  • عبد المنعم، محمد علاء، وروزنبلوم، ديفيد. (2022). لا تنسوا القانون والسياسة: كيف يستفيد الباحثون العرب من الخبرة الأميركية في الإدارة العامة. مجلة سياسات عربية، 8 (42).
  • وودروف، جيمس. (2018). السياسة والإدارة في الدولة الحديثة: دراسة في فلسفة التنظيم والقرار العام. (ترجمة: عبد التواب يوسف، ط2). دار النهضة العربية.
  • Aristovnik, A., Murko, E., & Ravšelj, D. (2022). From Neo-Weberian to hybrid governance models in public administration. Administrative Sciences, 12(1).
  • Bangladesh Institute of International and Strategic Studies (BIISS). (2001). Interfacing politics and administration in contemporary democracies. BIISS Journal, 22(2).
  • Booth, D., & Golooba-Mutebi, F. (2012). Developmental patrimonialism: The case of Rwanda. African Affairs, 111(444).
  • Burrowes, R. D. (2010). Historical dictionary of Yemen. Scarecrow Press.
  • Carapico, S. (1998). Civil society in Yemen. Cambridge University Press.
  • Dasandi, N., & Esteve, M. (2017). The politics-bureaucracy interface in developing countries. Public Administration and Development, 37(4).
  • Day, S. W. (2012). Regionalism and rebellion in Yemen. Cambridge University Press.
  • Dresch, P. (2000). A history of modern Yemen. Cambridge University Press.
  • González, C. I., & Sanabria-Pulido, P. (2025). When politics shapes administration. Public Administration and Development.
  • Government of Rwanda. (2018). Rwanda governance scorecard report. Rwanda Governance Board.
  • Government of Yemen, & UNDP. (2024). Administrative reform strategy reports.
  • International Crisis Group. (2013). Yemen’s political transition.
  • Kamrava, M. (2018). Inside the Arab state. Hurst & Company.
  • Kettl, D. F. (2022). Weberian bureaucracy and contemporary governance. Public Management and Governance, 5(2).
  • Osborne, D., & Gaebler, T. (1992). Reinventing government: How the entrepreneurial spirit is transforming the public sector. Addison-Wesley.
  • Republic of Rwanda – Ministry of Local Government. (2013). Imihigo: Performance contracts in Rwanda. Government of Rwanda.
  • Rosenbloom, D., et al. (2015). Public administration: Understanding management, politics, and law. McGraw-Hill.
  • Rosanvallon, P. (2007). The demands of liberty: Civil society in France since the revolution. Harvard University Press.
  • Saravanamuttu, J. (Ed.). (2010). Malaysia’s new economic policy and beyond. NUS Press.
  • Svara, J. H. (1998). The politics-administration dichotomy model as aberration. Public Administration Review, 58(1).
  • Stivers, C., & DeHart-Davis, L. (2022). Introduction to the symposium issue on reappraising bureaucracy. Perspectives on Public Management and Governance, 5(2).
  • UNDP. (2014). Yemen public administration reform assessment. United Nations Development Programme.
  • Vogel, E. F. (1991). The four little dragons: The spread of industrialization in East Asia. Harvard University Press.
  • World Bank. (2005). Republic of Yemen: Civil service modernization project report. World Bank.
  • World Bank. (2018). Rwanda governance reform and public sector capacity building program. World Bank.
  • Waldo, D. (1948). The administrative state: A study of the political theory of American public administration. The Ronald Press Company.

إخفاء المراجع

المراجع