الرئيسية | دراسات أُسس | عهد الإمام علي لمالك الأشتر

عهد الإمام علي لمالك الأشتر

1 أغسطس 2026
ق.د. يحيى أحمد الخزان

الملخص

يهدف البحث إلى تحليل المحاور الرئيسة في العهد، التي تشمل: الحكم والإدارة، والعدالة والقضاء، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق والحريات، كما يهدف إلى إجراء مقارنة تحليلية بين المبادئ التي أرساها العهد والنظام اليمني المعاصر في هذه المحاور، وذلك لتحديد نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما، إضافة إلى ذلك يهدف البحث إلى مقارنة المبادئ المستخلصة من العهد بالتجارب الدولية ومبادئ الحكم الرشيد وحقوق الإنسان التي تتبناها المنظمات الدولية.

وقد اعتمد البحث على المنهج التحليلي المقارن؛ إذ جرى تحليل النصوص والمفاهيم الواردة في العهد، ثم مقارنتها بالواقع في النظام اليمني المعاصر وبالأطر النظرية والتجارب الدولية في مجالات محاور البحث.

وخلص البحث إلى عدد من النتائج، أهمها: أن عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر يمثل وثيقة متكاملة للحكم الرشيد، ويعد وثيقة دستورية مبكرة ذات طابع تنظيمي شامل، كما أن مبادئ العهد تتوافق نظريًا مع النظام اليمني المعاصر، إلا أن هذا النظام يواجه تحديات في التطبيق نتيجة عوامل داخلية وخارجية، إضافة إلى تأثير الحروب والحصار.

الكلمات المفتاحية: العهد، الحكم والإدارة، القضاء، العدالة الاقتصادية والاجتماعية، الحقوق والحريات.

Abstract

This research aims to analyze the main themes of the covenant, which include governance and administration, justice and the judiciary, economic and social justice, and rights and freedoms. It also aims to conduct an analytical comparison between the principles established by the covenant and the contemporary Yemeni system in these areas, in order to identify points of convergence and divergence. Furthermore, the research aims to compare the principles derived from the covenant with international experiences and the principles of good governance and human rights adopted by international organizations.

The research adopted a comparative analytical approach, whereby the texts and concepts contained in the covenant were analyzed and then compared with the reality of the contemporary Yemeni system, and with international theoretical frameworks and experiences in the areas of the research themes.

The research concluded with a number of findings, most notably: that Imam Ali’s covenant to Malik al-Ashtar represents a comprehensive document for good governance and is considered an early constitutional document with a comprehensive regulatory character. Moreover, the principles of the covenant are theoretically compatible with the contemporary Yemeni system; however, this system faces challenges in its implementation due to internal and external factors, in addition to the impact of wars and blockades.

Keywords: Covenant, Governance and Administration, Judiciary, Economic and Social Justice, Rights and Freedoms.

1. الإطار العام للبحث

1-1. المقدمة

يُعد عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك بن الحارث الأشتر رؤية متقدمة لطبيعة الحكم في الإسلام، تقوم على جعل العدالة أساسًا لاستقرار الدولة وشرعية السلطة، وعلى اعتماد الكفاءة والنزاهة معيارًا في اختيار المسؤولين وتولي المناصب العامة، كما أنه يمثل نموذجًا لإقامة قضاء عادل مستقل يضمن المساواة بين الناس، ويصون حقوقهم، إضافة إلى التأكيد على مسؤولية الحاكم في رعاية مصالح المجتمع بمختلف فئاته، ومراعاة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية في إدارة المال العام وتوزيع الموارد، كما يتضمن العهد جملة من المبادئ التي تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المجتمع ومتطلباته؛ إذ تناول تنظيم العلاقة بين الحاكم والولاة والعمال، وبـين أسس التعامل مع الجيش والقضاء والكتاب، كما أشار إلى أهمية العناية بالتجار والصناع والمزارعين، والاهتمام بالفقراء والمحتاجين، بما يحقق التوازن الاجتماعي، ويعزز الاستقرار داخل الدولة، ويكشف عن رؤية شمولية لإدارة المجتمع تقوم على تحقيق الصالح العام وضمان كرامة الإنسان.

ومن هذا المنطلق، يمثل عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر نموذجًا فكريًا مهمًا في تاريخ الفكر السياسي والإداري الإسلامي؛ لما يتضمنه من مبادئ إنسانية وقيم أخلاقية سامية تتصل بإدارة السلطة وتحقيق العدل بين الناس، كما أن دراسة هذا النص وتحليل مضامينه تسهم في إبراز ما يحتويه التراث الإسلامي من رؤى تنظيمية وفكرية تعكس عمق التجربة الحضارية الإسلامية في مجال الحكم وإدارة شؤون المجتمع.

2-1. مشكلة البحث

يُعدُّ عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك بن الحارث الأشتر من أبرز الوثائق السياسية والإدارية في التراث الإسلامي؛ إذ يتضمن منظومة متكاملة من المبادئ التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم، وتحدد أسس إدارة الدولة، وتؤكد قيم العدالة والمساواة وصون الحقوق والحريات، وقد اشتمل هذا العهد على توجيهات دقيقة تتعلق بتنظيم شؤون الحكم والإدارة، وإقامة العدل في القضاء، ورعاية الفئات الاجتماعية المختلفة، وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، بما يجعله نموذجًا متقدمًا في الفكر السياسي والإداري الإسلامي.

وعلى رغم ما يحمله هذا العهد من مضامين عميقة في مجال الحكم الرشيد وإدارة شؤون الدولة، إلا أن الدراسات المعاصرة لم تمنحه القدر الكافي من التحليل المنهجي الذي يكشف أبعاده الفكرية والتنظيمية بصورة شاملة، كما أن الإفادة منه في تحليل النظم السياسية والإدارية المعاصرة ما تزال محدودة، لا سيما في الدراسات التي تسعى إلى الربط بين التراث الإسلامي ومفاهيم الحكم الحديثة، مثل: الشفافية والمساءلة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية.

وفي ظل ما تواجهه المجتمعات المعاصرة من تحديات سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة النصوص الفكرية الأصيلة التي أرست مبادئ الحكم الصالح، ومن بينها عهد الإمام علي لمالك الأشتر؛ بهدف استجلاء القيم والمبادئ التي تضمنها، وتحليلها في ضوء المفاهيم الحديثة للحكم الرشيد والعدالة الشاملة، كما أن دراسة هذا العهد لا تقتصر على كونه وثيقة تاريخية، بل تتجاوز ذلك إلى كونه إطارًا فكريًا يمكن أن يسهم في إغناء النقاش العلمي حول تطوير النظم السياسية والإدارية المعاصرة، وتعزيز قيم العدالة والإنصاف داخل المجتمعات.

ومن هنا تظهر مشكلة البحث من الحاجة إلى دراسة تحليلية معمقة لعهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر؛ للكشف عن المحاور الأساسية التي تضمنها، ولا سيما ما يتعلق بالحكم والإدارة، والعدالة والقضاء، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق والحريات، ومحاولة بيان مدى توافق هذه المبادئ مع مفاهيم الحكم الرشيد المعاصرة، كما يسعى البحث إلى تحليل مدى إمكانية الاستفادة من هذه المبادئ في فهم وتقييم النظم المعاصرة، وبيان نقاط الالتقاء والاختلاف بينها وبـين بعض التجارب الحديثة في مجال إدارة الدولة وتحقيق العدالة.

3-1. أهمية البحث

تظهر أهمية تناول عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك بن الحارث الأشتر من كونه وثيقة تاريخية وفكرية عميقة تقدم نموذجًا متقدمًا للحكم الرشيد والعدالة الشاملة في الإسلام، وتبرز أهميته في أنه لم يقتصر على التوجيهات الأخلاقية العامة، بل تضمن قواعد تنظيمية عملية تمس بنية الدولة ووظائفها الأساسية، مثل: السلطة التنفيذية، والجهاز الإداري، والمؤسسة القضائية، والسياسة المالية، والرعاية الاجتماعية.

ومن ثم فإن دراسة هذا العهد في ضوء مفاهيم الحكم الرشيد المعاصرة تتيح الكشف عن أبعاد نظرية مبكرة في الفكر السياسي الإسلامي، تتقاطع مع عدد من المفاهيم الحديثة، مثل: سيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، وحماية الحقوق، وتحقيق التنمية المستدامة.

كما أن دراسة هذا العهد لا تقتصر على بعده التاريخي فحسب، بل تمتد لتشمل استلهام الدروس والعبر التي يمكن الإفادة منها في تطوير الأنظمة المعاصرة، وإبراز الجوانب الإنسانية التي يقوم عليها الفكر السياسي الإسلامي في إدارة شؤون المجتمع، وتحقيق العدالة بين أفراده.

4-1. أهداف البحث

يهدف البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  • ​تحليل المحاور الرئيسة في العهد، التي تشمل الحكم والإدارة، العدالة والقضاء، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق والحريات.
  • ​إجراء مقارنة تحليلية بين المبادئ التي أرساها العهد والنظام اليمني المعاصر في ذات المحاور لتحديد نقاط الالتقاء والاختلاف.
  • ​مقارنة المبادئ المستخلصة من العهد مع التجارب الدولية ومبادئ الحكم الرشيد وحقوق الإنسان التي تتبناها المنظمات العالمية.

5-1. تساؤلات البحث

يتمثل التساؤل الرئيس للبحث في: إلى أي مدى يمثل عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك بن الحارث الأشتر نموذجًا نظريًا متكاملًا للحكم الرشيد؟ وهل يمكن اعتباره إطارًا قابلًا للاستفادة منه وتطبيق مبادئه في الدولة الحديثة، لا سيما في مجالات الحكم والإدارة، والقضاء، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وحماية الحقوق والحريات؟ وما مدى إمكانية استلهام مضامين العهد لمقارنة النظم المعاصرة، مثل النظام اليمني، والتجارب الدولية في مجال الحكم الرشيد وحقوق الإنسان؟

وتتفرع عن هذا التساؤل الرئيس التساؤلات الآتية:

  • ما الأسس والقواعد التي وضعها العهد لتنظيم السلطة التنفيذية والإدارة العامة، وضمان كفاءتها ونزاهتها، ومراقبة أدائها؟
  • كيف عالج العهد مسألة استقلال القضاء وضمان نزاهته، وما الآليات التي وضعها لتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع؟
  • ما التصور الاقتصادي والاجتماعي الذي تضمنه العهد؟ وكيف عالج توزيع الموارد ورعاية الفئات الضعيفة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية؟
  • ما مدى توافق مبادئ العهد مع معايير الحكم الرشيد المعاصرة وحقوق الإنسان، ومدى إمكانية استلهامها في تحسين النظم الإدارية والسياسية الحالية، لا سيما في النظام اليمني والتجارب الدولية؟

6-1. منهج البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي المقارن؛ إذ يجري تحليل النصوص والمفاهيم الواردة في العهد، ثم مقارنتها بالواقع في النظام اليمني المعاصر وبالأطر النظرية والتجارب الدولية في مجالات محاور البحث.

2. الإطار النظري

​يُعدُّ «العهد» في الجانب النظري، المحور التأسيسي والبناء الذي ترتكز عليه المحاور الأخرى، بما يمنع التكرار ويحقق الترابط بين الأقسام الثلاثة.

فالعهد بوصفه دستورًا شاملًا ومتكاملًا يحدد أركان الدولة العادلة ومعالمها، ويهدف إلى تحليل جوانب الحكم والإدارة والعدالة والقضاء والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والحقوق والحريات.

1-2. الحكم والإدارة

تناول العهد الحكم وفلسفة السلطة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والمسؤولية، والتنظيم الإداري بما يتضمنه من اختيار الموظفين والرقابة والمحاسبة وأخلاقيات الوظيفة العامة.

​1-1-2. السلطة والحكم

​ترتكز فلسفة السلطة والحكم في العهد على العدل والرحمة، وأن الحكم أمانة وليس حقًا شخصيًا أو غنيمة للحاكم، وإنما عليه تحمل الأمانة ورعاية مصالح الناس، وهو في موضع المسؤولية والمساءلة، كما ورد في العهد: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، وَلٰكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ» (الرضي. 1986)، ​فالشرعية الحقيقية للحاكم لا تتأتى من القوة والتغلب، بل من إرضاء الناس وقبولهم، فالرعية هي المقياس الحقيقي لصلاح الحاكم، وفلسفة الحكم تبنى على مبدأين:

  1. السلطة أمانة ومسؤولية: إن الغاية من الولاية على الناس إقامة الحق، وإحياء العدل، وتحقيق المصالح، ودرء المفاسد، فالحاكم مؤتمن على مصالح الناس وحقوقهم وأعراضهم، وعليه الابتعاد عن الاستبداد وإلا تعرض للمساءلة والمحاسبة، فالسلطة خدمة وليست سيادة.
  2. العدل أساس الحكم: إن العدل ليس مجرد إجراء قضائي، بل سياسة شاملة تطال كل جوانب الحكم، فهو شـرط أساسـي للدولة واستقرارها وبقاء السلطة واستمرارها: «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي العَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ»، فالنص يربط بين الحق والعدل ورضا عامة الناس، وأن يطبق العدل على الجميع.

2-1-2. ​أسس الحكم

​يرتكز الحكم في العهد على ثلاثة أسس رئيسة، التي تبنى عليها الدولة، وهي:

  1. الأساس العقدي (التقوى والارتباط بالله): التقوى من أهم أسس الحكم، وهي الرقابة الداخلية لعدم الانحراف عن الحق، وتعد بمقام الرقابة الذاتية: «أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ».
  2. الأساس الأخلاقي: يرتكز الأساس الأخلاقي على العدل والإنصاف، فالعدل من قوام الحكم، وعلى الوالي أن يطبقه ​على نفسه وأهله قبل أن يطبقه على الرعية: «أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمِنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ».
  3. الأساس السياسي (الرضاء الشعبي): هو من أهم معاني الشرعية السياسية، فوضع رضاء عامة الناس فوق رضاء الخاصة؛ لأن العامة عماد الدين وجماع المسلمين: «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي العَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ * فَإِنَّ سَخَطَ العَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الخَاصَّةِ، وَإِنَّ سَخَطَ الخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى العَامَّةِ».

​3-1-2. العلاقة بين الحاكم والمحكوم

​يقدم العهد نموذجًا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، تتسم هذه العلاقة بالتشاركية والشفافية تقوم على حقوق متبادلة.

​- حقوق الرعية على الحاكم:

  • الرحمة والمحبة: هي صفة يجب أن يتحلى بها الحاكم، بأن يتعامل مع الرعية بمحبة ولطف لا بقسوة وتسلط: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ».
  • التواصل المباشر: عدم اتخاذ الحجّاب بينه وبين الناس والخروج إليهم واستقبال شكاواهم.
  • تأمين احتياجاتهم: العمل على تأمين الأمن الاقتصادي والاجتماعي للناس، وبالذات الفقراء والضعفاء وذوي الحاجة، وحفظ حقوق المسنين والعاجزين.

​- حقوق الحاكم على الرعية:

  • الطاعة في الحق: على الناس أن يطيعوا الحاكم بما لا يخالف الحق والعدل.
  • النصيحة والمشورة: تقديم النصح والمشورة بصدق وإخلاص، وانتقاد الأخطاء والمطالبة بالحقوق دون خوف.
  • التعاون والمؤازرة: أن يتعاونوا على إقامة الحق وتحقيق أهداف الدولة في احترام النظام العام والقوانين والقضاء.

​4-1-2. مسؤولية الحاكم

​ينطلق مفهوم المسؤولية التي يتحملها الحاكم من منظور تحقيق العدالة والتنمية وتوفير حياة كريمة للرعية وطبيعة عمل الحاكم، وصلاحياته محددة وليست مطلقة؛ فهو يخضع لرقابة إلهية ورقابة شعبية، أي: المسؤولية أمام الله والمسؤولية أمام الناس.

كما أن مسؤوليات الحاكم تتعدد وتتنوع، بحسب طبيعة العمل والمهام الموكلة إليه، وأن المسؤوليات تتداخل مع المهام التي تؤدي الدور نفسه، وسأوضح هذه المسؤوليات فيما يلي:

​مسؤوليات الحاكم (المهام):

​حدد العهد المهام الرئيسة للحاكم، التي هي مسؤولياته، وتعد مكونات رئيسة للهيكل الإداري، وهي:

«هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا».

  1. المهمة الاقتصادية (التنمية والجباية العادلة): من المهام التي تقع على عاتق الحاكم: تحقيق الرخاء الاقتصادي عن طريق التنمية المستدامة: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ»، فالأولوية تكون للاستثمار في البنية التحتية والزراعية والصناعية، وتقديم ذلك على الجباية، وتخفيفها على المنتجين في أوقات الأزمات، كما يجب إدارة الموارد المالية بعدالة وشفافية.
  2. المهمة الأمنية والعسكرية (حماية الدولة): يتحقق ذلك بتأمين حدود الدولة والدفاع عنها وحفظ أمنها الداخلي: «فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللَّهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزِينَةُ الْوُلَاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَتْ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ»، وذلك ببناء جيش قوي وتوفير احتياجاته، وجهاد العدو لحماية سيادة الدولة.
  3. المهمة الاجتماعية (الإصلاح وتحقيق العدالة الاجتماعية): رعاية فئات المجتمع كافة، وتحقيق التكافل لا سيما التكافل خاصة منها الداخلي، سيما للفئات الضعيفة: «ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعًا وَمُعْتَرًّا، وَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْمًا مِنْ بَيْتِ مَالِكَ»، وذلك بالعمل على إصلاح شؤون الناس الدينية والأخلاقية والاجتماعية، والتخصيص من ميزانية الدولة لرعاية الفقراء والمساكين وذوي الاحتياجات الخاصة، والتواصل مع المظلومين والمحتاجين لحل مشاكلهم.
  4. المهمة الإدارية (بناء جهاز دولة فعال ونزيه): أن تقوم الإدارة العامة على الكفاءة والنزاهة والشفافية: «ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمْ اخْتِبَارًا، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ»، وذلك بأن يكون اختيار الموظفين بناءً على الاختبار والكفاءة، وتوفير الرواتب المجزية لهم لمنع الفساد، وإنشاء نظام رقابة ومحاسبة صارم.
  5. المهمة السياسية والدبلوماسية (إدارة العلاقات الخارجية): تحقيق السلام العادل والحفاظ على مصالح الدولة: «وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحًا دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلَّهِ فِيهِ رِضًى، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْنًا لِبِلَادِكَ». ذلك بالجنوح للسلم إذا كان يحقق مصلحة الدولة، فالوفاء بالعهود والمواثيق حتى مع الأعداء، والحذر من خداع العدو حتى في أوقات الصلح، (الحوثي. 2018)، (حسين. 2018) (الظرافي.2018)، (مبادئ الإدارة العامة في عهد الخليفة علي بن أبي طالب لمالك الأشتر، 2024) (المؤمن، 2014).

​2-2. التنظيم الإداري

​1-2-2. مبادئ الإدارة العامة

​أرسى العهد مجموعة من المبادئ العامة الحاكمة التي تشكل الإطار الأخلاقي للتنظيم الإداري؛ فالتنظيم الإداري في العهد يقدم نموذجًا متكاملًا يبدأ بترسيخ مبادئ الإدارة العامة كالأمانة والعدالة والتخصص، ثم يترجمها إلى آليات عملية لاختيار الكوادر على أساس الجدارة ووجود منظومة رقابة ومحاسبة صارمة تضمن الشفافية ومكافحة الفساد، والمبادئ هي:

  1. الأمانة والمسؤولية: من أهم المبادئ التي ترتكز عليها فلسفة الحكم أن السلطة ليست امتيازًا شخصيًا بل مسؤولية وأمانة، فالوظيفة العامة خدمة، والموظف مسؤول أمام الله وأمام رؤسائه وأمام الشعب: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، وَلٰكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ».
  2. العدل والمساواة: يجب أن يطبق القانون على الجميع دون تمييز، بدءًا من الحاكم نفسه وأقربائه، وهذا يمنع المحسوبية ويحقق العدالة التي هي أساس التعامل بين الدولة ومواطنيها: أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمِنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ».
  3. التخصص وتقسيم العمل: من مبادئ الإدارة العمل بمبدأ التخصص وإسناد كل مهمة إلى المسؤول المختص بما يضمن الكفاءة والفاعلية، ويمنع تداخل الصلاحيات والفوضى الإدارية: «وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْسًا مِنْهُمْ، لَا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا».

​2-2-2. اختيار المسؤولين والموظفين

​وضع العهد منهجية دقيقة لاختيار الكوادر البشرية، تقوم على أسس ومعايير واضحة بما يحقق إدارة سليمة للموارد البشرية، تعتمد الجدارة، وتنبذ المحسوبية والولاءات الشخصية: «فَاسْتَعْمِلْهُمْ اخْتِبَارًا، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الجَوْرِ وَالخِيَانَةِ».

​معايير الاختيار:

​حدد العهد مجموعة من المعايير في اختيار المسؤولين، تجمع بين الكفاءة الفنية والسمات الشخصية والأخلاقية، وتقوم على الاختبار والمراقبة وليس على المحاباة والوساطة، ومن هذه المعايير:

  • الخبرة والكفاءة (التجربة): هي معيار فني يضمن المعرفة والقدرة على الأداء، فالتجربة تضفي المعرفة العلمية على الإدارة: «وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقِدَمِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقًا، وَأَصَحُّ أَعْرَاضًا، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافًا، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَرًا».
  • النزاهة الشخصية: تتمثل في الوازع الأخلاقي الذي يمنع الموظف من ارتكاب المخالفات.
  • الخلفية الاجتماعية الجيدة: أهمية ذلك تكمن في النشأة الصالحة ومدى تأثيرها في تكوين الشخصية السوية، التي يتحلى صاحبها بكرم الأخلاق، وعدم الطمع، والتعفف عن الأعراض، وإدراك عواقب الأمور.
  • الزهد المالي: الاتصاف بعدم الطمع، وهو مؤشر على عدم القابلية للفساد المالي.
  • القوة وعدم التشتت: القدرة على التعامل مع المشاكل الكبرى ومواجهتها وإدارة المهام الكثيرة.

​آلية الاختيار:

​إذا كان العهد قد وضع معايير للاختيار فإنه حدد كذلك آلية عملية للتحقق منها، وهي الاختبار وتقييم السجل المهني السابق (السيرة الذاتية)، الذي يضمن حسن الاختيار واستمرارية النزاهة:

  • الاختبار: قبل تعيين الموظفين يجب إجراء اختبار عملي للتأكد من الصلاحية للعمل.
  • تقييم السيرة الذاتية: الاطلاع على التاريخ الوظيفي والأداء السابق للمرشح بعيدًا عن الانطباعات الشخصية: «وَلَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَرًا، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهًا».

​3-2-2. الرقابة والمحاسبة

​ترتبط المحاسبة بتأمين الاحتياجات المالية للموظفين بالرواتب المجزية، وبسط الرقابة المالية وتأمين حياة كريمة للموظف ومن يعول؛ لمنعهم من استغلال مناصبهم وتحصينهم من الرشوة والفساد.

وتنطلق الرقابة من مبدأ أن المسؤولية أمانة، فالرقابة ضرورة لحفظ الأمانة؛ بقصد التقويم والإصلاح وضمان نزاهة الجهاز الإداري وحسن أدائه.

​وتتسم منظومة الرقابة والمحاسبة بالتكامل والصرامة؛ إذ تجمع بين أنواع متعددة من الرقابة، وآليات تنفيذية واضحة: «ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ».

4-2-2. ​أنواع الرقابة

​وضع العهد منظومة رقابية متكاملة، تجمع بين الرقابة الداخلية (الذاتية) والإدارية والشعبية، وهي:

  1. الرقابة الذاتية: ترتكز على الوازع الديني والأخلاقي، فالمسؤول يجب أن يتحلى برقيب داخلي نفسي يتولى تذكيره الدائم بالرقابة الإلهية؛ كي يشعر أنه محاسب أمام الله قبل حسابه أمام رئيسه، مما يجعله يراقب تصرفاته في السر والعلن.
  2. الرقابة الإدارية السرية: هذه الآلية تعتمد على جهاز رقابي متخصص وموثوق، يتولى تفقد الأعمال والمتابعة المستمرة من قبل الوالي، عن طريق إنشاء جهاز رقابي سري من أهل الصدق والوفاء، ينقل الحقائق كما هي، ويكشفها دون تزييف، وهذا يحفز الموظف على الأمانة وحسن التعامل.
  3. الرقابة الشعبية: ​​تضّمن العهد آلية فتح قنوات تواصل بين الحاكم والمواطنين، بتلقي شكاواهم والاستماع إلى مظالمهم، مما يجعلهم مصدرًا للمعلومات ورقيبًا على أداء الجهاز الإداري.

​5-2-2. آلية المحاسبة والمسؤولية الإجرائية

​إذا أثبتت الرقابة ما يخل بالمسؤولية من وجود خيانة أو تقصير، فإن الإجراءات التي يجب اتخاذها هي:

  1. التحقيق والتثبت: المحاسبة يجب أن تستند إلى أدلة قاطعة، أي يجب أن تتواتر من مصادر رقابية متعددة وموثوقة قبل اتخاذ أي إجراء، بما يمنع الظلم والكيد الشخصي.
  2. العقوبات: عند ثبوت الخيانة تكون العقوبة متعددة الأوجه لتحقيق الردع العام، وتتمثل في:
    • المساءلة المالية: استرداد الأموال التي اختلسها أو تسبب في ضياعها.
    • العقوبة البدنية: تطبيق العقوبة الجسدية المقررة (التعزير أو الحد).
    • العزل من المنصب والتشهير: إذا ثبتت خيانته يعزل، ويفضح أمام الناس؛ ليكون عبرة لغيره، وتسجل خيانته في سجله الوظيفي والمجتمعي؛ لكي لا يتولى أي منصب مستقبلًا.

​​فالرقابة والمحاسبة تضمن الشفافية، وتكافح الفساد، وتحمي الدولة والمواطنين، وتضع الأسس الراسخة للحكم الرشيد.

6-2-2. أخلاقيات الوظيفة العامة

​تناول العهد البعد الأخلاقي في الوظيفة العامة وكيفية ترجمتها إلى سلوك عملي، أي: مدونة سلوك متكاملة للوظيفة العامة بترسيخ منظومة أخلاقية عميقة، فالعهد يقدم مدونة سلوك شاملة تتجاوز الأطر القانونية الجافة؛ فهو لا يفصل بين الكفاءة الإدارية والنزاهة الأخلاقية، بل يحولها إلى ممارسة يومية في جهاز الدولة، وفق مبدأ تغيير نظرة الموظف إلى منصبه، ويؤسس لرقابة ذاتية تنبع من داخله، ويتمثل ذلك في:

  • الوظيفة أمانة: إن علاقة الموظف بالسلطة علاقة عبء ومسؤولية وليست حقًا شخصيًا، فالموظف مؤتمن على المال العام ومصالح الناس، فلا يستغل منصبه لتحقيق منافع شخصية.
  • الرحمة أساس للتعامل: يجب أن يكون تعامل الموظف قائمًا على الرحمة، مما يؤسس لإدارة إنسانية يتسم فيها تعامل الموظف باللطف والاحترام وتجنب التعالي والفظاظة، بأن يسهل المعاملات ويلبي الاحتياجات بما يعزز الثقة بين المواطن والدولة.

7-2-2. ​مفهوم أخلاقيات الوظيفة العامة

​يُطبق هذا المفهوم في مدونات السلوك الوظيفي، وهو: مجموعة من المبادئ والمعايير والقيم التي تحكم سلوك الموظف العام أثناء تأديته واجباته، وتنظم علاقته بالدولة والمجتمع والمال العام وزملائه.

​مفهوم الأخلاقيات في العهد:

​منظومة تربوية متكاملة تهدف إلى صناعة الإنسان الحاكم / الموظف الصالح، الذي ينبع سلوكه القويم من قناعاته الداخلية وليس فقط من خوفه من القانون، وهي منظومة شاملة وعملية، لا تكتفي بوضع قائمة من الفضائل، بل تربط كل قيمة أخلاقية بسلوك عملي وتطبيق مسلكي واضح؛ فهي تؤسس لموظف يملك رقابة ذاتية تنبع من إدراكه ثقل الأمانة وعظم المسؤولية.

8-​2-2. أوجه الاتفاق والاختلاف

​تتفق المدونات مع «العهد» في المبادئ الأساسية لأي نظام إداري يسعى إلى الكفاءة والعدالة، وهي قواسم إنسانية مشتركة، ولكنها تختلف في جوانب أخرى.

1-8-2-2. أوجه الاتفاق

​مدونة السلوك الوظيفي الحديثة هي بمقام دليل تشغيل؛ تهدف إلى ضمان العمل الإداري بكفاءة وبأقل قدر من الفساد، وتركز على السلوك الخارجي للموظف، وتتفق مع «العهد» في:

  1. مكافحة الفساد: عدم جواز استغلال المنصب للمنفعة الشخصية أو للأقارب، ويُعد فسادًا وخيانة توجب المحاسبة.
  2. الشفافية والمساءلة: تواصل المسؤولين مع الناس وعدم الاحتجاب عنهم، وإقامة الرقابة والمحاسبة عند ثبوت الخيانة تطبيقًا لمبدأ العدالة.
  3. الجدارة في التوظيف: يجب أن يكون التوظيف بناءً على الكفاءة والخبرة، وليس على أساس القرابة والمحسوبية.
  4. سيادة القانون: تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، فالمسؤول يجب أن يكون قدوة في الخضوع للحق والإنصاف للآخرين.

2-8-2-2. أوجه الاختلاف
  1. مصدر الإلزام: مصدر الإلزام في المدونات قانوني وضعي، يتمثل في العقد الوظيفي والعقوبة والردع المسلكي، أما الإلزام في «العهد» فمزدوج (قانوني إلهي أخلاقي)، يرتكز على بناء الرقيب الداخلي الذاتي.
  2. العلاقة مع المواطن: العلاقة تعاقدية محكومة بالكفاءة والفاعلية، بينما في «العهد» العلاقة محكومة بالرحمة والمودة والمسؤولية الإنسانية.
  3. الهدف النهائي: تحقيق الأهداف المحددة بكفاءة وفاعلية ضمن الموارد المتاحة، بينما الوظيفة في العهد العمارة والإصلاح الشامل أداة لتحقيق نهضة مجتمعية شاملة.
  4. التعامل مع الخطأ: التركيز على العقوبة، الخطأ يستوجب تطبيق الجزاء المنصوص عليه، وفي العهد استراتيجية متوازنة تجمع بين العفو والعقاب، عقوبة صارمة للخيانة، وفي المقابل الحث على التسامح مع الزلات غير المقصودة.
  5. الشمولية: محدودة بالوظيفة، تركز بشكل أساسي على سلوك الموظف في عمله وعلاقته بالجمهور والمؤسسة، بينما العهد نظام حكم متكامل يربط سلوك الموظف بسيادة الدولة وبالعلاقة مع فئات المجتمع، (الربيعي. 2012)، (العزاوي. 2025)، (الخفاجي. ب. ت)، (الهادي. 2024)، (الشرهاني. ب. ت)، (الصباحي. 2018).

​3-2. الجانب القضائي

​القضاء من منظور العهد هو تجسيد عملي للعدالة الإلهية على الأرض، والضمانة الأكيدة لحفظ الحقوق وصون كرامة الإنسان واستقرار الدولة، وليس مجرد وظيفة إدارية لفض النزاعات، والعهد يقدم نظامًا قضائيًا متكاملًا ومترابطًا، يبدأ باختيار القاضي الكفؤ والنزيه وتزويده بالحماية والضمانات عبر الاستقلال المالي والمعنوي، ثم يضع آلية رقابة تضمن عدم الانحراف.

1-3-2​. معايير اختيار القضاة

​يضع العهد اختيار القضاة في مقدمة اهتمامات الوالي، ويحدد لها معايير صارمة تجمع بين التفوق العلمي والصلابة النفسية والحصانة الأخلاقية، والمعايير هي:

  1. الكفاءة العلمية والفكرية: تكون الأفضلية في اختيار القضاة لمن يتمتع بالعلم والفهم العميق، فـالقاضي يجب أن يكون صاحب بصيرة نافذة يغوص في أعماق القضايا، ولا يكتفي بأدنى فهم، بل يجب أن يكون «أكثر علمًا وبصيرة»، وقدرة على التحليل العميق، وعدم الاكتفاء بالظواهر والحزم في التعامل مع الشبهات: «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَمْحَكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصُرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ».
  2. الاتزان النفسي وصلابة الشخصية: ألَّا يتأثر بضغوط الخصوم، ولا يغضب أو يضجر، ولا تأثر فيه الخصوم والثبات في مواجهة القضايا، كذلك التمتع بشخصية متزنة تتسم بالصبر وسعة الصدر والحياء والمرونة والشجاعة في الرجوع عن الخطأ، والصبر في البحث عن الحقيقة.
  3. النزاهة والاستقامة الأخلاقية: من شروط القاضي التمتع بالأخلاق العالية، بأن يكون عفيفًا مترفعًا عن الطمع، وعدم التأثر بالإطراء والاستمالة بالهدايا والوعود: «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَمْحَكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصُرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ * وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفُهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذُهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلُّهُمْ تَبَرُّمًا بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرُهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمُهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَغْلِيهِ إِغْرَاءٌ».

2-3-2​. ضمانات استقلال القضاء

​من أهم ما يجب أن يتمتع به القاضي توفير بيئة تضمن له ممارسة عمله باستقلالية، ويتمثل ذلك في الاستقلال المالي والاستقلال المعنوي.

  1. الاستقلال المالي: هذا المبدأ من أهم المبادئ التي تربط بين كفاية القاضي المادية ونزاهته، فالقاضي يجب أن يُمنح مرتبًا مجزيًا يجنبه الحاجة إلى الآخرين، والوقوع في الإغراء والرشوة.
  2. الاستقلال المعنوي: لا يكفي الاستقلال المالي، وإنما يجب حماية القاضي من الضغوط والتدخل في عمله، بأن يعطى المكانة الرفيعة، ويأمن من الوشاية وتشويه السمعة، ويمنح الثقة للحكم بالعدل دون أي تأثير: «وَأَفْسِحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ؛ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ».

​3-3-2. الرقابة على القضاء

​يؤسس العهد لاستقلال القضاء بالاستقلال المالي والمعنوي، ولكن الاستقلال لا يعني عدم المساءلة، فالعهد يتضمن التوازن بين الاستقلال والمساءلة، التي تعني الرقابة، فإذا كان الاستقلال لضمان عدالة الحكم فإن الرقابة هي لضمان استقامة القاضي.

الرقابة إدارية وسلوكية تهدف إلى منع الخطأ قبل حدوثه، الذي يعني التفقد والرقابة والمتابعة، وهي علاقة إشرافية تهدف إلى الاطمئنان على حسن سير العمل وتقييم الأداء والدعم والمساندة: «ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ» (الناصر. 2014) (الوشلي. 2018) (الجنيد. 2018).

4-2. المنظومة الاقتصادية

تضمن العهد منظومة اقتصادية متكاملة، تضم الأسس النظرية والتطبيقية لإدارة الدولة اقتصاديًا؛ تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

فالسياسة المالية في العهد قامت على الشفافية والمساواة في العطاء، وتضمنت آليات صارمة لإدارة المال العام ومكافحة الفساد، وسأتناول ذلك عن طريق القضايا الآتية:

​1-4-2. التنمية الاقتصادية وفلسفة الإنتاج

تعد التنمية الاقتصادية من أهم ما تضمنه العهد، عن طريق تناول مفهوم عمارة الأرض يوضع الإنتاج والاستصلاح أولوية على الجباية، أي: تجاوز جمع الأموال إلى مفهوم التنمية المستدامة، وتتمثل التنمية الاقتصادية في:

  1. عمارة الأرض: تعطي نصوص العهد أولوية للأعمال والاستثمار وعمارة الأرض، باعتبار الإنتاج مصدر الثروة الحقيقي؛ إذ يجري مراعاة قدرة المنتجين على العمارة والاستصلاح.
  2. دعم المنتجين: اعتبر العهد المزارعين الطبقة المنتجة، وهي الركيزة الأساسية للاقتصاد، فيجب الاهتمام بهم وإصلاح شأنهم، وهذا فيه صلاح للمجتمع؛ لأنهم مصدر الغذاء والثروة وتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستدامة الاقتصادية: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا».

​2-4-2. فلسفة الجباية وتنظيمها

لم تكن الجباية مجرد عملية تحصيل مالي، بل أداة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، تحكمها قواعد العدالة والمرونة.

  1. العدالة والمرونة الضريبـية: أمر الإمام علي (عليه السلام) مالكًا الأشتر بمراعاة ظروف المنتجين المكلفين، لاسيما في حالة الأزمات والكوارث الطبيعية أو تعذر المحاصيل، وهذا التخفيف يُعد استثمارًا في المستقبل؛ إذ يضمن استمرار قدرة المنتجين على العمارة في الفترات القادمة.
  2. التوزيــع العادل للموارد والجباية: تضمنت السياسة المالية التخصيص من موارد الجباية وتوجيهها لخدمة الضعفاء والمساكين والمحتاجين في المجتمع، بما يضمن تحقيق التكافل الاجتماعي وتخفيف مسؤولية الحياة: «فَإِنْ شَكَوْا ثِقْلًا أَوْ عِلَّةً، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَةً، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يُصْلِحَ بِهِ أَمْرَهُمْ».

​3-4-2. تنظيم التجارة وحماية المستهلك

إن أهمية التجارة بوصفها محركًا للاقتصاد تقتضي دعم التجار والصناع مع فرض رقابة صارمة لحماية المستهلك ومنع الممارسات الاحتكارية، ويتحقق ذلك بالآتي:

  1. دعم التجار والصناع: ​أوصى العهد بالاهتمام بالتجار والصناع بوصفهم الداعمين للاقتصاد، وهذا يؤدي إلى تسهيل حركة التجارة وتوفير السلع الضرورية للناس.
  2. حماية المستهلك ومكافحة الاحتكار: وذلك عن طريق تنظيم السوق، ومنع الاحتكار الذي يضر بالناس، وتشجيع البيع السمح الذي يقوم على التراضي والتسعير العادل بما لا يضر بالبائع والمشتري: «فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ سَمْحًا، بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ»، (الريفي. 2018)، (الحسيني. 2014).

5-2. العدالة الاجتماعية

​تضمن العهد المبادئ الإنسانية والاجتماعية، و​أولى العهد اهتمامًا بالغًا بالجانب الاجتماعي، وذلك بالاهتمام بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر؛ بغية بناء مجتمع عادل ومستقر، عن طريق سياسات اقتصادية واجتماعية؛ تهدف إلى تحقيق الرفاهية لجميع أفراد المجتمع، لا سيما الفئات الضعيفة والمحتاجة، ويتضح ذلك في:

1-5-2. مبادئ العدالة الاقتصادية

​تهدف العدالة الاقتصادية إلى تحقيق التوازن والإنصاف في توزيع الثروة والموارد، وضمان عدم الاستئثار بها من قبل فئة دون أخرى، ويتمثل ذلك في المبادئ الآتية:

  1. الرفاهية الاجتماعية: أبدى العهد أولوية لعمارة الأرض وتنميتها، التي تُعد الأساس لازدهار الدولة ورفاهية الرعية، وهذه الفلسفة الاقتصادية تربط بين التنمية المستدامة والجباية، التي تُعد نتيجة طبيعية للعمارة والإنتاج.
  2. توزيع الثروة ومنع الاستئثار: شدد العهد على ضرورة تحقيق العدالة في توزيع الثروة ومنع الاستئثار بها من قبل فئة معينة، فالموارد العامة ملك للجميع، فليس للحاكم الحق في الاستحواذ عليها أو تفضيل فئة على فئة أخرى، وأن حق الفقراء مفروض في مال الأغنياء، بما يعكس الرؤية المتكاملة لتوزيع الثروة: «إِيَّاكَ وَالِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ».

​2-5-2. آليات مكافحة الفقر والتكافل الاجتماعي

​قدم العهد آليات لمكافحة الفقر وتحقيق التكافل الاجتماعي والتركيز على دور الدولة في رعاية المحتاجين، وذلك:

  1. الضمان الاجتماعي ورعاية الضعفاء: أولى العهد الفئات الضعيفة في المجتمع اهتمامًا خاصًا، وهم الفقراء والمساكين وذوو الحاجة.
    ​وأكد على ضرورة رعايتهم وتخصيص كفايتهم من بيت المال ضمانًا اجتماعيًا، مما يولد مسؤولية الدولة في توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لمن لا يستطيعون إعالة أنفسهم، وضمان الحق لهم في موارد الدولة: «ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعًا وَمُعْتَرًّا، وَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْمًا مِنْ بَيْتِ مَالِكَ».
  2. التكافل الاجتماعي ودور المجتمع: إضافة إلى دور الدولة، فإن العهد رسخ مبدأ التكافل الاجتماعي مسؤولية مشتركة بين أفراد المجتمع، فكل فئة في المجتمع لها دورها وأهميتها، وأن رعاية الضعفاء واجب جماعي يضمن استقرار المجتمع ككل.

​3-5-2. حماية الفئات الضعيفة

​إلى جانب رعاية الفئات الضعيفة، فإن العهد يؤكد على حمايتهم، وبالذات الفئات الآتية:

  1. رعاية الأيتام وكبار السن: أولى العهد اهتمامًا بالأيتام وكبار السن؛ نظرًا لضعفهم وعدم قدرتهم على الكسب: «وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ، وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ، مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، وَلَا يَنْصِبُونَ لِلْمَسْأَلَةِ أَنْفُسَهُمْ».
  2. المساواة في الرعاية والحقوق: إن المساواة التي وردت في العهد تتمثل في الرعاية والحقوق بين الجميع، بصرف النظر عن قربهم من الحاكم أو وضعهم الاجتماعي، وذلك بأن تُقدم الخدمات والرعاية لجميع المواطنين على قدم المساواة دون تمييز أو تفضيل: «فَإِنَّ لِلأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى»، (ضرغام. 2021)، (قاطع. ب. ت)، (الشيرازي. 2011)، (هاشم. 2018).

​6-2. الحقوق والحريات

​تضمن العهد الحقوق والحريات العامة، مؤكدًا على كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم الذي يُعدُّ من ركائز الحكم، وسأتناول بعض الحقوق المهمة التي وردت في العهد المرتبطة بالمبادئ الأساسية للمواطنة المتساوية على أساس الإنسانية، وهي:

  1. المبدأ الإنساني الشامل (الناس صنفان): هذا المبدأ القائم على الأخوة في الدين والمساواة في الإنسانية، وهي قاعدة ذهبية للمواطنة والتعامل مع الرعية على أساس إنساني شامل، أي: مساواة إنسانية مطلقة؛ إذ إن جميع البشر متساوون في أصل الخلقة، ومن ثَمَّ يتساوون في الحقوق الأساسية، بما يحقق مجتمعًا يقوم على الاحترام المتبادل والتعايش السلمـي: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ»، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ».
  2. المواطنة الشاملة: يقوم هذا المبدأ على المواطنة المتساوية القائمة على أن جميع المواطنين هم من مكونات المجتمع ​يتمتعون بالحقوق الإنسانية والمدنية كافة، ويُعاملون بالعدل والإنصاف وتوفير الكرامة والمساواة أمام القانون.
  3. حق التعبير والمظالم: ​​من أهم المبادئ حق التعبير والمظالم، وهو صمام أمان الدولة وحماية للعدل وآليات ضمان هذا الحق يتمثل في إقامة الحاكم مجلسًا يخصص للاستماع إلى شكاوى الرعية ومظالمهم دون حواجز أو قيود؛ لكي يتمكن الجميع من التعبير عن مظلمته بحرية دون خوف أو تردد: «وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْمًا تَفَرَّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِسًا عَامًّا، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، كَيْمَا يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ».
  4. حق النصيحة والرقابة: إن حق الرعية لا يقتصر على التعبير عن المظالم، بل يشمل حق النصيحة والرقابة على الحاكم، وذلك يسهم في صلاح الحاكم، وعلى ذلك يجب تشجيع الصدق والمصارحة ونبذ التملق والمداهنة: «ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرَهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ»، (نوري. 2010)، (السيمري. 2017)، (الجابري. ب. ت).

​3. العهد وتطبيقاته في النظام اليمني المعاصر

​إن الاهتمام بـ «العهد» في اليمن يعني إيراد مبادئ العهد وتطبيقاتها في النظام اليمني المعاصر، واستلهام ماورد في القسم الأول عن طريق تناول جوانب الحكم والإدارة والقضاء والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والحقوق والحريات، وسأستعرض النصوص القانونية اليمنية والوثائق الرسمية والدراسات التي تستلهم «العهد» مرجعية، وهي الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة، والاسترشاد بدروس السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي من العهد، وما تتبعها من برامج تدريب الكوادر المستوحاة من العهد.

​1-3. الحكم والإدارة

​يتحدد مفهوم الحكم في العهد على أنه أمانة ومسؤولية تجاه الرعية، ويضع الأسس لعلاقة متوازنة مع الرعية تتسم بالحقوق والواجبات، فالحاكم خادم للناس وراعٍ لمصالحهم وحامٍ لحقوقهم، لا متسلط عليهم، وإنما عليه إقامة العدل والرحمة والرأفة بهم، وعدم الاستبداد والظلم، والقرب منهم، وعدم الاحتجاب عنهم، واختيار البطانة الصالحة.

أما النظام اليمني فإن الدستور ينص في المادة (4) على أن الشعب مالك السلطة ومصدرها، وتهدف الرؤية الوطنية إلى بناء دولة مؤسسات قائمة على العدل والشفافية والمساءلة في أداء العاملين في الدولة، وتؤكد على خدمة المواطن أولوية.

ويركز السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي في دروسه على أن مسؤولية الحاكم عبادة والتزام إيماني وليس مجرد منصب دنيوي، وأن الحاكم يجب أن يكون قدوة، وأن يرتبط بالشعب ولا يحتجب عنهم، وأن العلاقة بينهما يجب أن تكون قائمة على الثقة المتبادلة من حيث الحقوق والواجبات.

أما برامج تدريب الكوادر التي تستند إلى دروس العهد، فهي تهدف إلى غرس قيم المسؤولية والنزاهة والارتباط بالرعية.

2-3. معايير اختيار المسؤولين

​يضع العهد معايير صارمة لاختيار المسؤولين، تركز على الجدارة والخبرة والتجربة، ويكون الاختيار بناءً على الاختبار واختيار أهل العلم والحكمة والتجربة، وتقديم الأمين القادر على أداء العمل، وتجنب أصحاب السوابق والفساد.

أما النظام اليمني فإن التعيين في الوظيفة العامة يخضع لمعايير الكفاءة وتكافؤ الفرص، وتؤكد الرؤية الوطنية على حيادية الوظيفة العامة وعدم تسخيرها لأغراض حزبية، وينظم الوظيفة العامة قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية ومدونة السلوك الوظيفي وأخلاقيات العمل الصادرة عن وزارة الخدمة المدنية والتطوير الإداري، وقد تضمنت مفهوم الوظيفة العامة واجبات الموظف ومعايير الاختيار والتعيين وأخلاقيات التعامل مع الجمهور والنزاهة ومكافحة الفساد والمسؤولية والمساءلة.

​3-3. الرقابة الإدارية والمساءلة

​تنطلق الرقابة في العهد من مبدأ أن المسؤولية أمانة وليست مغنمًا، وأن الرقابة ضرورة لحفظ هذه الأمانة، وليست مجرد إجراء إداري، تهدف إلى التقويم والإصلاح وضمان تحقيق العدالة:
​«وَأَنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ بِطُعْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ».

وهذه الرقابة تتحقق في إنشاء جهاز رقابي فعال، بتعيين العيون لمراقبة أداء المسؤولين ورفع تقارير لضمان الأمانة والرفق بالرعية، والمتابعة الدائمة والتحقق من الشكاوى وعدم الاعتماد على الثقة المطلقة:
«ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ».

​أما في النظام اليمني فإن الرقابة تتم عن طريق مؤسسات دستورية، مثل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، وهو ما تضمنته الرؤية الوطنية التي نصت على تعزيز دور الأجهزة الرقابية وتطوير أنظمة وأدوات فعالة للرقابة.

كما يحرص السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي في توجيهاته على تفعيل الرقابة الإلهية، ثم رقابة القيادة والأجهزة المختصة والرقابة الشعبية.

إلا أن التطبيق في الواقع يتسم بعدد من الاختلالات وضعف الأجهزة الرقابية ومحدودية المساءلة.

​1-3-3. الجانب القضائي

​أرسى العهد مبادئ وأسس بناء نظام قضائي عادل ومستقل؛ إذ يقدم نظامًا قضائيًا متكاملًا، يبدأ بالاختيار الدقيق للقاضي الكفؤ والنزيه وضمان الاستقلال المالي والمعنوي وضمانات الحماية، ويضع آليات الرقابة؛ لضمان عدم الانحراف وتوازن بين السلطة والمسؤولية وبـين الاستقلال والمساءلة.

  1. اختيار القضاة: ​​إن منصب القضاء أمانة عظمى لا يحملها إلا الأكفاء، ولذلك وضع العهد معايير دقيقة وشاملة لاختيار القضاة، تجمع بين الكفاءة العلمية والمناعة الأخلاقية والاتزان النفسي، كما حدد صفات دقيقة تضمن الكفاءة والنزاهة؛ إذ نص العهد: «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَمْحَكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصُرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ * وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفُهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذُهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلُّهُمْ تَبَرُّمًا بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرُهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمُهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَغْلِيهِ إِغْرَاءٌ».
  2. استقلال القضاء: ​إن ضمان نزاهة القاضي تكمن في تمكينه ضمانات الاستقلال والحماية، وقد شدد العهد على ضرورة توفير البيئة المناسبة التي تضمن استقلالهم ونزاهتهم، وذلك بتمتع القاضي بالاستقلال المالي والمعنوي، بتوفير الراتب المجزي الذي يوفر للقاضي «الحياة الكريمة» ويغنيه عن الناس، ويكفه عن الطمع: «وَأَفْسِحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ».
    كما يجب تحصين القاضي من الضغوط بما يضمن عدم تأثره بأصحاب النفوذ والسلطة، بأن يمنح المكانة العالية والهيبة التي تقيه التأثر والإيذاء: ​« وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ ».
  3. الرقابة على القضاة: يؤكد العهد على أهمية الرقابة المستمرة على أداء القضاة، وذلك لضمان استمرار نزاهتهم وكفاءتهم، وهذه الرقابة تهدف إلى التأكد من التزامهم بالعدل ومتابعة سلوكهم، وضمان عدم وجود أي انحراف أو فساد، ولا تهدف إلى التدخل في أحكامهم: «ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ».

​2-3-3. تطبيقات الجانب القضائي في النظام اليمني

يحدد الدستور والقوانين المنظمة للقضاء معايير اختيار القضاة والاستقلال والرقابة على القضاة، فالدستور ينص على الاستقلال والحماية، ويعهد إلى مجلس القضاء الأعلى جميع شؤون القضاء والقضاة من حيث التعيين والنقل والندب والترقية والعزل والمساءلة، ويتولى قانون السلطة القضائية وتعديلاته وقانون المعهد العالي للقضاء ومدونة السلوك القضائي كل ما يتعلق بالاختيار والتأهيل والرقابة والمساءلة.

ويستلهم النظام اليمني مبادئ العهد في بناء وتطوير الجهاز القضائي، ويظهر ذلك في الرؤية الوطنية ودروس السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي.

​نصت المادة (149) من الدستور على أن «القضاء سلطة مستقلة قضائيًا وماليًا وإداريًا، والنيابة العامة هيئة من هيئاته، وتتولى المحاكم الفصل في جميع المنازعات والجرائم، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية جهة وبأية صورة التدخل في قضايا أو في شأن من شؤون العدالة، ويُعدُّ مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم».

​وتضع الرؤية الوطنية محورًا أساسيًا للقضاء والعدالة؛ يهدف إلى بناء قضاء مستقل وناجز، وتضمنت الرؤية عدة تطبيقات مستوحاة من العهد، منها:

  • ​تعديلات قانون السلطة القضائية سنة 1446هـ الذي عكس رؤية العهد.
  • ​تعزيز استقلال القضاء المالي والإداري بما يتماشى مع توجهات الدولة.
  • ​تفعيل دور هيئة التفتيش القضائي آلية للرقابة على أداء القضاة وسلوكهم.
  • ​أتمتة العمل القضائي؛ لضمان الشفافية والسرعة في الإجراءات وتقليص فرص الفساد.

​أما ما تضمنته دروس السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي، فقد أكد أن القضاء ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية إيمانية وعبادة تهدف إلى إقامة القسط والعدل، وأكد أيضًا على أهمية الرقابة القضائية ومكافحة الفساد والرشوة، كذلك ضرورة الدعم المعنوي والمادي للقضاة، كما ركز على معايير اختيار الأفضل مهنيًا وأخلاقيًا والتحذير من المحاباة في تعيين القضاة.

​3-3-3. العدالة الاقتصادية والاجتماعية

​إن السياسة الاقتصادية في العهد هي أدوات لتحقيق غايات اجتماعية، فالأهداف الاقتصادية تخدم الغايات الاجتماعية، والاستقرار الاجتماعي يسهم في تحقيق الازدهار الاقتصادي؛ إذ إن الترابط والتكامل بينهما يخلق ترابطًا وظيفيًا بين مختلف فئات المجتمع، فالعدالة الاقتصادية والاجتماعية تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار الدول وازدهار الشعوب، وفي السياق اليمني تبرز الحاجة الماسة لاستلهام النماذج الناجحة، وعلى رأسها عهد الإمام علي (عليه السلام)، ومقارنتها بالواقع المعاصر والرؤية الوطنية لتحقيق نهضة شاملة، ويتجلى ذلك في الآتي:

  1. عمارة الأرض والرفاهية الاجتماعية: إن الهدف الأسمى للدولة هو عمارة الأرض، وليس مجرد جباية الأموال، وهذا المبدأ يؤسس لرفاهية اجتماعية قائمة على الإنتاج واستصلاح البلاد، والموارد تنفق في التنمية والإنتاج أولوية على الجباية، وهو مبدأ اقتصادي يخدم غاية اجتماعية، وهي بقاء الرعية ورفاهيتها: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ».
    • ​أما في النظام اليمني فإن المبدأ منصوص عليه في الدستور؛ إذ تضمنت المادة (7) تشجيع الاستثمار وتنمية الإنتاج وفق العدالة الاجتماعية.
    • ​وقد تبنت الرؤية الوطنية مفهوم التنمية المستدامة والرفاهية الشاملة.
    • ​وأكد السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي في دروسه أن عمارة الأرض مسؤولية إيمانية وضرورة إنسانية، مشددًا على أن الاكتفاء الذاتي والقوي هو أساس الاستقلال والكرامة.
    • ​ويسعى النظام اليمني المعاصر إلى الانتقال من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد الإنتاج عن طريق تشجيع المبادرات الزراعية والصناعية المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
  2. الخراج والعدالة الاجتماعية: ينظر العهد إلى الخراج أداة لتحقيق التوازن، وليس وسيلة لإثراء السلطة، فاستقرار الدولة يقتضي عدم إرهاق الرعية بما لا تطيق، ويهدف إلى تمويل الخدمات العامة وحماية الدولة، فهو خاضع لشرط العمارة، ويجب تخفيفه في أوقات الأزمات والكوارث والحروب.
    • ​أما في اليمن فإن الضرائب والزكاة وجبايتها تهدف إلى تحقيق التوازن الاجتماعي، وقد تضمنت المادة (13) من الدستور أن فرض الضرائب والتكاليف العامة يراعى فيها مصلحة المجتمع وتحقيق العدالة بين المواطنين.
    • ​وتركز الرؤية الوطنية على الإصلاح المالي والإداري، وتنمية الموارد بما يخدم البناء المؤسسي، وتشدد الدروس على أن الجباية يجب أن تعود بالنفع المباشر على المجتمع في شكل خدمات ومشاريع تنموية، محذرًا من السياسات المالية التي ترهق المواطن.
  3. رعاية الفئات الضعيفة ومكافحة الفقر: يفرد العهد حيزًا خاصًا للفئة السفلى (المساكين، الفقراء، المحتاجين...)، ويوصي: « اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى »، ويوجب تخصيص جزء من الموارد الاقتصادية لهذه الفئات الضعيفة؛ لضمان حقهم في الضمان الاجتماعي، ومسؤولية الدولة في مكافحة الفقر.
    • ​أما في النظام اليمني فإن الأسس الاجتماعية والثقافية تنص على رعاية الأمومة والطفولة وكبار السن، كما أن صناديق الرعاية الاجتماعية تشكل شبكة الأمان الاجتماعي، مثل صندوق رعاية الشهداء التي يجب أن لا تتأثر بالظروف الاقتصادية والسياسية.
    • وتُعدُّ مكافحة الفقر أولوية قصوى في ظل العدوان والحصار، ويدعو السيد عبد الملك إلى تفعيل دور الزكاة مؤسسة سيادية تعنى بالفقراء، وضرورة تحويل الأسر المحتاجة إلى أسر منتجة، وتتضمن الرؤية الوطنية محاور للبناء الاجتماعي تهدف للحد من الفقر وتحسين مستوى المعيشة.
  4. الترابط الوظيفي بين فئات المجتمع: يؤسس العهد لمفهوم التكامل الوظيفي بين فئات المجتمع؛ لكي لا تستغني أي فئة عن الأخرى، ويترتب عليه ضمان الاستقرار الاجتماعي، وهذا الترابط بين الفئات يمثل استثمارًا في استقرار المنظومة الاقتصادية.
    • ​النظام اليمني يعترف بهذا الترابط عن طريق تنظيم العلاقة بين أطراف الإنتاج (قانون العمل)، ومنها الشراكة بين القطاع العام والخاص، إلا أن ذلك يتطلب التوزيع العادل للثروة والفرص، وتؤكد الرؤية الوطنية على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ويوضح السيد عبد الملك أهمية التجار والصناع، ويدعو لتكامل الأدوار بين المزارع والتاجر والمستهلك تحت إشراف الدولة؛ لضمان عدم الاحتكار وتحقيق التوازن في الأسواق.
  5. دور الدولة في تحقيق التوازن والتكامل: تتمثل مسؤولية الدولة في تحقيق التوازن والتكامل وتدخلها المباشر في منع الاحتكار وضمان كفاية الأرزاق، عن طريق مكافحة الفساد الاجتماعي والإداري.
    • ​في النظام اليمني ينص الدستور في المادة (8) على: أن الدولة ترعى النشاط الاقتصادي وتوجهه، وتحمي المستهلك وتمنع الاحتكار، وذلك يتطلب إعادة النظر في الرقابة المؤسسية ومكافحة الفساد الإداري.
    • وتتبنى اليمن مسارات إصلاحية جذرية؛ لتعزيز دورها الرقابي والتنموي، ويرى السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي أن الدولة يجب أن تحمي المنتج المحلي، وتوفر البيئة المناسبة للاستثمار، وتهدف الرؤية الوطنية إلى بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وأعباء الدفاع عن الوطن.

4-3. الحقوق والحريات

فلسفة الحقوق والحريات في العهد تنبع من منطلق إنساني شامل، يرتكز على المواطنة المتساوية وتجاوز الانتماءات الضيقة والسياسية، وفق مفهوم أخلاقي إنساني.

  1. المساواة الإنسانية: ​أرسى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) القاعدة الكونية بقوله المشهور: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ».
    • ​هذه الرؤية تتجاوز الانتماءات الضيقة لتشمل البشرية جمعاء، وهي مساواة مطلقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، بما يضمن لهم الحماية والعدل.
    • ​أما في اليمن فإن الدستور ينص في المادة (41) على: أن المواطنين جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة.
    • ​ويؤكد السيد عبد الملك الحوثي في دروسه على هذه القاعدة أساسًا للاستقرار الاجتماعي؛ إذ تفرض على الدولة حماية حقوق جميع المواطنين دون استثناء.
    • ​وتجسد الرؤية الوطنية هذا المبدأ عن طريق محور العدالة وتكافؤ الفرص، معتبرة أن المواطنة المتساوية هي الركيزة التي تقوم عليها الدولة اليمنية الحديثة.
  2. حق التعبير ورفع المظالم: ​يولي العهد أهمية للحق في التعبير ورفع المظالم ونقد الحاكم، ويؤكد أن على الحاكم الاستماع للرعية وتذليل العراقيل في سبيل ذلك، وكسر حاجز الخوف وعدم التردد، وتوفير بيئة آمنة لحرية التعبير والنقد: «وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَةِ ».
    • ​في النظام اليمني يكفل الدستور حق التعبير وحرية الصحافة والمطبوعات، إلا أن آليات التنفيذ بحاجة إلى توفير الحماية الكافية؛ لضمان حرية التعبير.
    • ​ويرى السيد عبد الملك أن تمكين الناس من قول الحق ورفع المظالم هو صمام أمان للدولة.
    • ​وتعمل الرؤية الوطنية على تعزيز قنوات التواصل بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتفعيل دور الرقابة الشعبية والإعلامية أدوات لرفع الظلم ومكافحة التعسف الإداري.
  3. ​حق النصيحة والرقابة على الحاكم
    • ​يؤكد العهد أن حق النصيحة حق للمواطنين وواجب على الحاكم الذي عليه تقبل النقد.
    • ​وفي اليمن، الرقابة تتم عن طريق المؤسسات (البرلمان، الأجهزة الرقابية، الإعلام)، وإذا كان المبدأ منصوصًا عليه، إلا أن فاعلية هذه المؤسسات في ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية تتأثر بالصراعات السياسية والفساد، فالرقابة في العهد أكثر فاعلية من الناحية النظرية في كبح جماح السلطة.
    • ​وتركز الرؤية الوطنية على بناء منظومة رقابية مؤسسية قوية، ويشدد السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي على أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن الرقابة الإلهية والشعبية والمؤسسية هي التي تضمن استقامة المسار ومنع انحراف السلطة.
  4. الحق في العدالة والمحاكمة العادلة
    • ​يضع العهد معايير صارمة لاختيار القضاة، بما يضمن استقلالهم ونزاهتهم، وهو ما يؤدي في النهاية إلى العدالة: «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَمْحَكُهُ الْخُصُومُ».
    • ​أما في النظام اليمني فإن الدستور ينص على استقلال القضاء واستقلال القضاة، كما ينص على ضمانات الحرية الشخصية والمحاكمة العادلة، وهذا يستلزم الحفاظ على استقلال القضاء.
    • ​وتضع الرؤية الوطنية استقلال القضاء وتطوير المنظومة العدلية أولوية قصوى.
    • ​ويؤكد السيد عبد الملك الحوثي على ضرورة إصلاح القضاء شرطًا أساسيًا لترسيخ العدل، داعيًا إلى اختيار القضاة بناءً على الكفاءة والأمانة والتقوى، وتوفير الإمكانات كافة التي تضمن سرعة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة للجميع (دستور الجمهورية اليمنية وتعديلاته. 1991)، (قانون السلطة القضائية وتعديلاته. 1991)، (مدونة السلوك الوظيفي وأخلاقيات العمل في وحدات الخدمة العامة. 2022)، (الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة. 2019)، ( السيد الحوثي. 1444)، (الخزان. 2026).

4. تجارب دولية «ماليزيا أنموذجًا»

يُعدٌّ العهد وثيقة دولية ذات قيمة عالمية في الفكر السياسي والإداري، تضمن مبادئ حية وملهمة تقدم نموذجًا فريدًا للحكم الرشيد والعدالة الشاملة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، وهذه المبادئ لا تزال صالحة للتطبيق في العصر الحديث، والتجارب العالمية استلهمت من العهد وبلورت مبادئ مشابهة عن طريق أنظمة دستورية ومؤسسية منظمة، وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى العهد بوصفه نموذجًا للحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية، كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كوفي عنان في عام 2002م إلى دراسة العهد بوصفه وثيقة حقوقية عالمية، مشيرًا إلى أن مبادئ حقوق الإنسان متجذرة في هذا النص التاريخين كما يُعدُّ المجلس الدولي لحقوق الإنسان العهد من الوثائق التاريخية التي سبقت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقرون في إقرار مبدأ المساواة في الخلق، وسأتناول في هذا المحور: الحكم والإدارة، القضاء، العدالة الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق والحريات.

وقد اعتمدت النموذج الماليزي المعاصر، وذلك لأن التجربة الماليزية من أهم التجارب في استلهام العهد وتطبيق مضامينه في صورة معاصرة.

​1-4. الحكم والإدارة

يقوم الحكم في العهد على الرعاية الأخلاقية قبل التبعية المادية، وأن السلطة أمانة ومسؤولية، وأن استمرار الحكم مرتبط بالعدل والرحمة، فالحاكم أمين على الناس وليس مستبدًا بهم.

  • ​و​ترتكز أسس الإدارة في العهد على أن اختيار الموظفين يتم على الجدارة والكفاءة والنزاهة، واستمرار الرقابة ومحاسبة المقصرين والفاسدين.
  • ​ارتكزت التجربة الماليزية على التخطيط الاستراتيجي (رؤية 2020م)؛ إذ طبقت العهد في اختيار الأكفاء واعتماد مبدأ الكفاءة والاختبار في التوظيف، وإخضاع المسؤولين للمساءلة، وضبط المال العام.
  • واعتمدت نظامًا إداريًا متطورًا لإصلاح الخدمة المدنية ورقابة الأداء الإداري عن طريق مؤسسات رقابية مستقلة، ومكافحة الفساد عبر هيئة مكافحة الفساد.

​2-4. القضاء

​أتناول في هذا المحور المبادئ الأساسية المتعلقة باختيار القضاة واستقلالهم والرقابة عليهم.

3-4. اختيار القضاة واستقلالهم

يولي العهد أهمية قصوى للقضاء معتبرًا إياه أساسًا لاستقرار المجتمع وتحقيق العدل.

  • ​يؤكد العهد على ضرورة اختيار القضاة من أفضل الناس علمًا وخُلقًا، ممن يمتلكون القدرة على الفصل في النزاعات، وفق معايير دقيقة للاختيار ترتكز على الكفاءة العلمية، والنزاهة، والترفع، والصبر والقدرة على التحمل والبعد عن الطمع: ​«ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ... ».
  • ​ولضمان استقلال القضاة، فإن العهد يؤكد على توفير الإمكانات المادية والمعنوية، ويرسخ مفهوم الاستقلال بتوفير احتياجات القاضي بما يحميه من الإغراءات والضغوط، وكفالة منزلة تبعده عن التأثر والتشهير به: «وَأَفْسِحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ».

4-4. الرقابة على القضاة

  • ​يؤكد العهد على ضرورة وأهمية الرقابة المستمرة على أداء القضاة دون المساس باستقلاليتهم في إصدار الأحكام، وذلك لضمان جودة العدالة واستقامة المسار القضائي.
  • تركز ماليزيا على استقلال السلطة القضائية وإصلاحات النظام القضائي، وتعتمد آليات الرقابة القضائية؛ فالعدالة الإجرائية في ماليزيا تمثل تطبيقًا مؤسسيًا لمضمون العهد من حيث ضمان نزاهة الأحكام وحماية الحقوق القانونية للمتقاضين.

5-4. العدالة الاجتماعية والاقتصادية

​يقدم العهد رؤية متكاملة للعدالة الاجتماعية والاقتصادية؛ تهدف إلى تحقيق التوازن بين فئات المجتمع وضمان الرفاة للجميع، وسأتناول مؤشرات التجارب الدولية في ضوء العهد.

  1. أولوية الإعمار والتنمية المستدامة:
    • ​يضع العهد الإعمار أولوية لاستدامة الدولة ورفاهية المجتمع، وهو مبدأ جوهري يربط بين التنمية واستدامة الموارد، ويضمن استمرارية الجباية، فبدون تنمية حقيقية تنفذ الموارد وتتدهور الأوضاع الاقتصادية: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي جِبَايَةِ الْخَرَاجِ».
    • ​هذا المبدأ يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs) التي تركز على النمو الاقتصادي الشامل والمستدام.
  2. ​​الضمان الاجتماعي ورعاية الفئات الضعيفة:
    • ​يؤسس العهد لنظام حماية اجتماعية شاملة، تضمن حقوق الفئات الضعيفة في المجتمع، ويتوافق مع مفاهيم دول الرفاة الحديثة؛ إذ يولي أهمية خاصة للطبقات الضعيفة وتقرير حق ثابت لهم في موارد الدولة.
  3. تنظيم السوق ومنع الاحتكار:
    • ​يضع العهد قواعد صارمة لتنظيم السوق، وضمان العدالة في التعاملات التجارية، ومنع الممارسات الاحتكارية التي تضر بالمجتمع وتؤدي إلى الفساد، وكذلك تحقيق التوازن بين مصالح البائع والمشتري، وضمان عدم استغلال أي طرف للآخر.
    • اعتمدت ماليزيا التنمية المتوازنة - من حيث التمكين الاقتصادي والعدالة التنموية - سياسات توزيع الدخل ودعم المناطق الريفية ودعم الفئات القصيرة، وتمكين الفئات المهمشة.
    • وتمثلت العدالة الاجتماعية في حماية الفئات الضعيفة والتكامل الجمعي، وذلك بوضع خطط وطنية وسياسات تمكين اقتصادي للفئات الضعيفة، واتخاذ إجراءات للحد من الفقر وتوزيــع الفرص.
    • فقد حققت ماليزيا توازنًا بين القيم والممارسات في: العدالة في توزيع الثروة وحماية المجتمع من التفاوت الصارخ وبناء مؤسسات الدعم الاجتماعي.

​6-4. الحقوق والحريات

سأتناول الحقوق والحريات في العهد ومقارنتها بالتجارب والمواثيق الدولية المعاصرة، والتركيز على المحاور الآتية:

​1-6-4. المساواة الإنسانية

​أرسى العهد قاعدة ذهبية للمساواة: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»، هذا المبدأ يتجاوز الانتماءات الضيقة ليؤسس لمفهوم المواطنة الإنسانية الشاملة، فالعدل والمساواة ليسا منحة من الحاكم، بل هما حق أصيل لكل إنسان بصفته إنسانًا.

​2-6-4. حرية التعبير والوصول إلى الحكم

​أكد العهد على كسر الحواجز بيـن الحاكم والمحكوم: «وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْكَ قِسْمًا تَفَرَّغُ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِسًا عَامًّا، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ».

​​3-6-4. حماية الحقوق المدنية

  • تضمن العهد حقوق الفئات الضعيفة: «ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ … فَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتُحْفِظْتَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ».
  • تضمن النظام الماليزي ضمانات دستورية للحقوق: حماية الأقليات والمشاركة السياسية بالانتخابات والتعددية الحزبية، وضمان حرية التعبير والحقوق الأساسية للأفراد، ونظامًا قانونيًا يحمي الحريات المدنية.
  • كما جسدت ماليزيا جوهر الحكم الرشيد القائم على الكرامة والعدالة في إطار مؤسسي حديث، (زيدان. 2025).

5. النتائج والتوصيات

​​1-5. النتائج

  • يُبرز عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك بن الحارث الأشتر وثيقة متكاملة للحكم الرشيد؛ إذ يغطي جميع جوانب الدولة، بما في ذلك الحكم والإدارة، والقضاء، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وحماية الحقوق والحريات، وتظهر عن طريق هذا العهد رؤية سبّاقة لمفاهيم حديثة، مثل الشفافية والمساءلة واستقلال القضاء؛ ما يجعل العهد مرجعًا قيمًا لفهم أسس الدولة العادلة.
  • يمثل العهد وثيقة دستورية مبكرة ذات طابع تنظيمي شامل، تحدد أطر السلطة التنفيذية وآليات الإدارة العامة، وتضع قواعد لضمان الكفاءة والنزاهة في تولي المناصب، وإدارة الموارد العامة بطريقة عادلة ومنظمة.
  • تؤكد نتائج البحث على أن العدالة في العهد ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل مبدأً مؤسسًا لبنية الدولة وتنظيمها؛ إذ يشمل تحقيق العدالة القضائية، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، وضمان العدالة الاقتصادية والاجتماعية لجميع فئات المجتمع.
  • تشير النتائج إلى أن استقلال القضاء، وضبط الأجهزة الإدارية، ومكافحة الفساد تعد من الأعمدة المركزية في العهد، مما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية الشفافية والمساءلة؛ لضمان استقرار الدولة وتحقيق الصالح العام.
  • لا يُظهر البحث أن العدالة الاقتصادية والاجتماعية عنصرًا ثانويًا وحسب، بل جزءًا أصيلًا من مفهوم الحكم الرشيد في العهد؛ إذ يضمن توزيع الموارد بعدالة ورعاية الفئات الضعيفة والمهمشة، بما يعزز التوازن الاجتماعي ويحقق التنمية المستدامة.
  • يتضح من التحليل أن مبادئ العهد تتوافق نظريًا مع بعض أطر النظام اليمني المعاصر في مجالات الحكم والإدارة والقضاء، إلا أن التطبيق العملي يواجه تحديات كبيرة نتيجة عوامل داخلية وخارجية، بما في ذلك الصراعات المستمرة والحروب والحصار، مما يعيق تحقيق العدالة الشاملة وحماية الحقوق على أرض الواقع.
  • تتيح مقارنة مبادئ العهد مع التجارب الدولية ومبادئ الحكم الرشيد التي تتبناها المنظمات العالمية استنتاج أن العهد يحتوي على عناصر متقدمة يمكن توظيفها لتعزيز مفاهيم الحوكمة الرشيدة، والعدالة، وحقوق الإنسان، وإدارة الدولة بشكل مستدام.

​2-5. التوصيات

يوصي البحث بما يلي:

  • ​إدراج عهد الإمام علي لمالك الأشتر ضمن المقررات الدراسية في المؤسسات التعليمية والجامعات ذات العلاقة بالإدارة والعلوم السياسية؛ لتعزيز وعي الطلاب بالمبادئ الأخلاقية والإدارية الكلاسيكية وقيم الحكم الرشيد.
  • الاستفادة من مبادئ العهد في إعادة صياغة مدونة السلوك الوظيفي، بما يضمن دمج القيم الأخلاقية والعدالة في الممارسات الإدارية اليومية.
  • إعداد وتطوير دراسات مقارنة تطبيقية بين العهد والتجارب الدولية الناجحة، مع التركيز على الاستفادة من التجربة الماليزية نموذجًا عمليًا لتعزيز الحوكمة الرشيدة.
  • توجيه صُناع القرار في اليمن إلى تطبيق مبادئ العهد، لا سيما في اختيار الكفاءات، وتعزيز آليات الرقابة، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين.
  • سد الفجوات في تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية عن طريق سياسات واضحة للاهتمام بالكفاءات والرواتب والمزايا، بما يحقق التوازن بين النظرية والتطبيق على أرض الواقع.
  • تشجيع إجراء الأبحاث والدراسات العلمية المتعلقة بالعهد ونشرها؛ لضمان تعميم الفائدة والاستفادة من قيمه ومبادئه في تطوير الإدارة والسياسة العامة.

6. الخاتمة

لقد كشف البحث عن الأهمية البالغة لعهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر، الذي يُعدُّ وثيقة مرجعية في الفكر السياسي والإداري؛ إذ يقدم نموذجًا متكاملًا للحكم الرشيد والعدالة الشاملة. أظهر التحليل المقارن أن المبادئ التي أرساها العهد في مجالات الإدارة والقضاء تتوافق مع عدد من مبادئ الحكم الرشيد والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان التي تتبناها بعض الدول والمنظمات الدولية، إلا أن العهد يتميز عليها في إضفاء الصبغة الأخلاقية والجمع بين الجوانب الإنسانية والقانونية، كما تبين مدى تأثير الحروب والحصار وكذلك الفساد في النظام اليمني وإن كانت الجهود تبذل لتجاوز ذلك.

إخفاء المراجع

المراجع

  • الجنيد، حسين عبد القادر. (2018م). أسس الرقابة القضائية في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، المؤتمر العلمي الأول للارتقاء بالعمل المؤسسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر - صنعاء.
  • الجابري، إسماعيل طه، والتميمي، حيدر قاسم. (د. ت). حقوق الإنسان ما بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي، عهد الإمام علي لمالك الأشتر نموذجًا، كربلاء، سلسلة دراسات في عهد الإمام علي لمالك الأشتر.
  • الحسيني، علاء إبراهيم. (2014م). العدالة المالية في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، دراسة تحليلية في الفكر المالي المقارن، بيروت - دار المعارف.
  • حسين، وجيه. (د. ت). عهد الإمام علي لمالك الأشتر، دراسة تاريخية، كربلاء، سلسلة دراسات في عهد الإمام علي لمالك الأشتر.
  • الحوثي، محمد محسن. (2018م). الحكم الصالح في عهد الإمام علي (ع)، المؤتمر العلمي الأول للارتقاء بالعمل المؤسسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر - صنعاء.
  • الخزان، يحيى أحمد. (2026م). القضاء في الفقه والقانون اليمني - صنعاء، مكتبة ومركز الصادق للطباعة والنشر والتوزيع.
  • الخفاجي، عبد الزهرة جاسم. (د. ت). صلاح الراعي وإصلاح الرعية، قراءة في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، كربلاء - العراق، سلسلة دراسات في عهد الإمام علي لمالك الأشتر.
  • دستور الجمهورية اليمنية. (1991م). دستور الجمهورية اليمنية وتعديلاته - صنعاء، الجريدة الرسمية.
  • ضرغام، خالد. (2021م). العدالة الاجتماعية والسياسية في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، برلين - المركز العربي الديمقراطي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.
  • الربيعي، سجاد. (2012م). الإدارة ونظام الحكم في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، دراسة في ضوء الفكر الإداري المعاصر، بغداد - دار الفراهيدي.
  • الرضي، محمد بن الحسين. (1986م). نهج البلاغة (شرح محمد عبده)، بيروت - دار أسامة.
  • الريفي، مشعل أحمد. (2018م). السياسة الاقتصادية وتنمية الموارد في عهد الإمام علي لمالك الأشتر (قراءة تحليلية)، المؤتمر العلمي الأول للارتقاء بالعمل المؤسسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر- صنعاء.
  • زيدان، أحمد شاكر ومرجان، جاسم محمد. (2025م). الحكم الرشيد بين عهد الإمام علي لمالك الأشتر والحكم الرشيد في ماليزيا، دراسة مقارنة، مجلة الجامعة العراقية، م 73، ع (1).
  • السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي. (1444هـ). دروس من عهد الإمام علي لمالك الأشتر. ط1.
  • السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي. (1445هـ). البرنامج التدريبــي لدروس من خطب وحكم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن المسؤولية العامة وإدارة شؤون الأمة، صنعاء - المركز الوطني لبناء القدرات ودعم اتخاذ القرار.
  • السيمري. إحسان. (2017م). الفلسفة الأخلاقية ومبادئ حقوق الإنسان في فكر الإمام علي بن أبي طالب، رؤية علمية على ضوء عهد الإمام علي لمالك الأشتر،كربلاء - مؤسسة علوم نهج البلاغة.
  • الشرهاني، حسين علي. (د. ت). الفكر الإداري في عهد الإمام علي لمالك الأشتر بين النظرية والتطبيق، كربلاء - مؤسسة علوم نهج البلاغة.
  • الشيرازي، مرتضى. (2011م). استراتيجية مكافحة الفقر في فكر الإمام علي بن أبي طالب، بيروت - دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع.
  • الصباحي، ناجي علي. (2018م). الحوكمة الإدارية الرشيدة في نهج البلاغة للإمام علي، برلين - المركز العربي الديمقراطي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.
  • الظرافي، أحمد. (2018م). أصل السلطة والتحول المبكر إلى الإدارة الاستراتيجية في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، المؤتمر العلمي الأول للارتقاء بالعمل المؤسسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر- صنعاء.
  • العزاوي، أحمد عبد الكريم. (2025م). النظم الإدارية في فكر الإمام علي بين الأصالة والحداثة، دراسة مقارنة. مجلة لارك، كلية الآداب - جامعة واسط، (3).
  • قاطع، سعاد كاظم. وعلي، إيناس عبد السادة، (د. ت). الموازنة بين العدالة والرعاية في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، كربلاء - العراق: سلسلة دراسات في عهد الإمام علي لمالك الأشتر.
  • قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته. (1991م)، صنعاء - الجريدة الرسمية.
  • المؤمن، علي. (2014م). مظاهر الدولة المدنية في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، دراسة تحليلية مقارنة، بيروت - دار المعارف.
  • مبادئ الإدارة العامة في عهد الخليفة علي بن أبي طالب لمالك الأشتر. (2024م)، برلين - المركز العربي الديمقراطي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.
  • المجلس السياسي الأعلى. (2019م). الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة - صنعاء.
  • نوري، محمد. (2010م). الحقوق والواجبات من منظور علي بن أبي طالب بالمقارنة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بيروت - مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي.
  • الهادي، خالد عبد الرحمن. (2024م، 18 أكتوبر). مفهوم الإدارة في عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورسالته لمالك الأشتر، صحيفة الثورة: https://althawrah.ye/archives
  • هاشم، سكينة أحمد. (2018م). التكافل الاجتماعي ومرتكزات النظام الاجتماعي في ضوء عهد الإمام علي لمالك الأشتر، المؤتمر العلمي الأول للارتقاء بالعمل المؤسسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر- صنعاء.
  • الناصر، غالب. (2014م). العدالة والحقوق في عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر، دراسة تحليلية مقارنة، بيروت - دار المحجة البيضاء.
  • الوشلي، عبد الوهاب. (2018م). ضمانات حسن التقاضي في ضوء عهد الإمام علي لمالك الأشتر، المؤتمر العلمي الأول للارتقاء بالعمل المؤسسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر- صنعاء.
  • وزارة الخدمة المدنية والتطوير الإداري. (2022م). مدونة السلوك الوظيفي وأخلاقيات العمل في وحدات الخدمة العامة - صنعاء.

إخفاء المراجع

المراجع