الرئيسية | دراسات أُسس | التخطيط الحضري في اليمن في ضوء التجارب العالمية

التخطيط الحضري في اليمن في ضوء التجارب العالمية

1 أغسطس 2026
د. أماني عبد الله عثمان

الملخص

يتناول هذا البحث ظاهرة التخطيط الحضري في اليمن، ويعد من الموضوعات الحديثة والمعاصرة، من حيث التعرف إلى أهمية التخطيط الحضري والخصائص التي يتميز بها وتوضيح المفاهيم المتعلقة به، وتحليل ظاهرة الهجرة الوافدة (داخلية وخارجية) وأثرها في عملية التخطيط الحضري، ويستعرض البحث بعض التجارب العالمية الرائدة لبعض الدول وإمكانية الاستفادة منها. اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي لدراسة الظاهرة، وأظهرت نتائج البحث أن التخطيط الحضري يختلف في طبيعته وخصائصه عن أنواع التخطيط الأخرى؛ نظرًا للطبيعة الخاصة بالبيئة الحضرية، كما أظهرت النتائج أن الهجرة الوافدة إلى اليمن تؤثر في نجاح وتحقيق أهداف التخطيط الحضري، وأن هناك غيابًا للسياسة الإسكانية للحد من إنشاء المساكن والأحياء العشوائية والتوسع الأفقي، الذي يهدد التخطيط المستقبلي للمدينة، بالإضافة إلى ذلك يمكن الاستفادة من تجارب الدول الناجحة في التخطيط الحضري.

الكلمات المفتاحية: التخطيط الحضري، اليمن، التجارب العالمية.

Abstract

This research examines the phenomenon of urban planning in Yemen. It is a modern and contemporary topic, exploring the importance of urban planning, its distinctive characteristics, clarifying related concepts, and analyzing the phenomenon of internal and external migration and its impact on the urban planning process. The research also reviews some leading international experiences from other countries and the potential for learning from them. The research employs a descriptive-analytical approach and a historical methodology to study the phenomenon. The results show that urban planning differs in its nature and characteristics from other types of planning due to the unique nature of the urban environment. The results also indicate that migration to Yemen affects the success and achievement of urban planning objectives, and that there is an absence of a housing policy to curb the construction of informal settlements and horizontal expansion, which threatens the city’s future planning. Furthermore, the research suggests that the experiences of countries successful in urban planning can be beneficial.

Keywords: Urban planning, Yemen, International Experiences.

1. الإطار العام للبحث

1-1. المقدمة

تشهد المدن في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المدن اليمنية، تحديات متزايدة ناتجة عن النمو السكاني المتسارع وما يصاحبه من تزايد الطلب على فرص العمل والخدمات الأساسية والمتخصصة، وقد أدى هذا النمو إلى تعرض البيئة الحضرية لتحولات عميقة ومتلاحقة شملت الجوانب الاقتصادية والصحية والعمرانية والاجتماعية والإنسانية.

وتتسم هذه الجوانب بعلاقات تفاعلية متبادلة؛ إذ يؤثر كل منها في الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر؛ الأمر الذي ينعكس بصورة واضحة على طبيعة العلاقات الإنسانية وأنماط التفاعل الاجتماعي داخل المجتمع الحضري.

وتبرز أهمية التخطيط الحضري بوصفه أداة استراتيجية تهدف إلى استيعاب الزيادة السكانية المتوقعة وتنظيم استخدامات الأرض والموارد، بما يضمن توفير خدمات شاملة ومتوازنة تلبي احتياجات مختلف فئات المجتمع المتنامية. كما يسعى التخطيط الحضري إلى تهيئة بيئة حضرية آمنة وصحية ومستقرة اجتماعيًا، قادرة على تعزيز جودة الحياة وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات.

ويتعامل التخطيط الحضري مع بيئة ديناميكية تتسم بالتغير المستمر، ما يفرض عليه تبني سياسات مرنة واستشرافية قادرة على التكيف مع التحولات الراهنة والتحديات المستقبلية، بما يحقق استدامة التنمية الحضرية وكفاءة الخطط العمرانية على المدى الطويل.

2-1. مشكلة البحث وتساؤلاته

يعد التخطيط الحضري عملية دقيقة بعيدة المدى، تكرس لبحث واقع السكان في الحضر بحثًا شاملًا للتخطيط العمراني والاقتصادي والاجتماعي والبيئي للمدينة، وذلك لتحقيق عدة أهداف منها الحد من التشتت الحضري للسكان، والحد من البناء العشوائي للمساكن والأحياء، وبحث كيفية استغلال الموارد المتاحة في البلاد ومعالجة التحديات القائمة والمتوقعة التي تتعرض لها المدن، وعلى الرغم من أهمية التخطيط الحضري في اليمن بوصفه ضمانًا لتحسين نوعية الحياة الحضرية ورفاهية الإنسان، إلا أنه يعاني من إشكاليات متعددة وتحديات أثرت في دوره وفي تحقيق أهدافه، ويمكن توضيح ذلك في بعض الجهود البحثية التي تهتم ببحث الواقع، ومن ثَمَّ تقديم بعض الحلول والمعالجات، وفي هذا البحث نضع عددًا من التساؤلات المهمة التي سنسعى إلى الإجابة عنها، وهي:

  • ما المقصود بمفهوم التخطيط الحضري؟
  • ما أهمية التخطيط الحضري في المجتمع اليمني؟
  • ما الخصائص المميزة للتخطيط الحضري في اليمن؟
  • ما تأثير الهجرة الوافدة (داخلية وخارجية) في التخطيط الحضري في اليمن؟
  • كيف يمكن الاستفادة من التجارب العالمية في تطوير التخطيط الحضري في اليمن؟

3-1. أهمية البحث

تكمن أهمية البحث في أنه سيعمل على توضيح المفاهيم الرئيسة للتخطيط الحضري بطريقة منهجية، كما يوضح بدقة أهمية التخطيط الحضري في اليمن مع تقديم شرح لخصائصه المتعددة، بالإضافة إلى توضيح بعض التحديات التي تواجه التخطيط الحضري في اليمن، منها الهجرة الداخلية والوافدة من الخارج، وسيستفيد البحث من بعض التجارب العالمية الرائدة في مجال التخطيط الحضري عن طريق تحليلها وصولًا إلى مميزات تلك التجارب ومعرفة التحديات التي استطاعت أن تواجهها، ومحاولة الاستفادة من بعض الحلول الملائمة للواقع اليمني، ويمكن أن تسهم مخرجات هذا البحث في توضيح وتعزيز دور التخطيط الحضري في المجتمع اليمني، بالإضافة إلى تقديم بعض التوصيات العملية.

4-1. أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى التعرف إلى ظاهرة التخطيط الحضري في اليمن، التي تعد من الموضوعات الحديثة والمعاصرة، وذلك بتحقيق الأهداف الفرعية الآتية:

  1. التعرف إلى مفهوم التخطيط الحضري.
  2. التعرف إلى أهمية التخطيط الحضري في المجتمع اليمني.
  3. التعرف إلى خصائص التخطيط الحضري في اليمن.
  4. تحليل ظاهرة الهجرة الوافدة إلى المدينة (داخلية وخارجية) وأثرها في التخطيط الحضري في اليمن.
  5. توضيح بعض التجارب العالمية الرائدة في التخطيط الحضري وإمكانية الاستفادة منها.

5-1. منهج البحث

لتحقيق أهداف البحث استُخدمت المناهج الآتية:

  • المنهج الوصفي التحليلي: يمثل طريقًا للوصف والتحليل والتفسير العلمي المنظم للظاهرة موضوع البحث، وتوضيحها بدقة عن طريق جمع البيانات وتحليلها، واستُخدم هذا المنهج لتحليل الأدبيات النظرية ذات الصلة بظاهرة التخطيط الحضري، ومن ثم تحليل البيانات والمعلومات المتعلقة بالظاهرة وصولًا إلى النتائج التي جرى التوصل إليها.
  • المنهج التاريخي: هو طريقة علمية لدراسة وتفسير الأحداث التي وقعت في الماضي وفق أسس منهجية دقيقة، كما يربط هذا المنهج الظواهر الحالية بالماضي لفهمها، ويساعد على التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية[1]، واستُخدم هذا المنهج لتتبع نشأة التخطيط الحضري في اليمن وتوضيح مراحل تطوره في مدد زمنية مختلفة.

6-1. حدود البحث

  • الحدود الموضوعية: التخطيط الحضري في اليمن في ضوء التجارب العالمية.
  • الحدود المكانية: يشمل التحليل جميع المحافظات اليمنية.
  • الحدود الزمنية: يغطي البحث المدة من عام 2011م حتى عام 2025م.

7-1. مفاهيم ومصطلحات البحث

1-7-1. مفهوم التخطيط

يعرف التخطيط أنه: الخطوات المدبرة التي تهدف إلى تحريك المجتمع بمؤسساته كافة من مستوى محدد إلى مستوى أكثر إشراقًا، وذلك للحاق بركب التقدم الحضري والحضاري الهادف إلى رفاهية الإنسان وتحقيق سعادته مع الحفاظ على قيم المجتمع وتراثه الديني والحضاري[2].

ويعرف التخطيط تعريفًا آخرًا أنه: أسلوب ومنهج في التفكير المنطقي والعقلاني مبني على مؤشرات آنية ومستقبلية، ويهدف إلى ترشيد وتحسين اتخاذ القرار، وتوفير بيئة ملائمة وحياة أفضل للإنسان على مختلف الصُعد الطبيعية والاجتماعية والإنسانية[3].

ويمكن تعريف التخطيط إجرائيًا أنه: رؤية واضحة للمؤسسة أو الجهة المعنية نحو تحقيق أهداف محددة وقابلة للقياس، وهو خارطة طريق تتميز بالمرونة والتكيف مع المستجدات والمتغيرات، والاستفادة من الفرص الجديدة التي تسهم في تحسين الأداء.

2-7-1. مفهوم التخطيط الحضري

يعرف التخطيط أنه: «التخصص والعلم الذي يعنى بمناحي المنطقة الحضرية كافة، يشمل تخصصات متعددة مثل: الهندسة - الاقتصاد - البيئة - القانون - الإدارة - السياسة - علم الاجتماع.. وغيرها»[4].

كما يعرف أنه: «الأسلوب العلمي الذي يهدف إلى تقديم الحلول أو بدائل الحلول للمشكلات الحالية والمتوقعة للمجتمع، وذلك في إطار خطط منظمة ذات سياسة وأهداف واضحة خلال مدة زمنية محدودة مع اعتبار الإمكانات والموارد الحالية والمستقبلية بشرية وطبيعية»[5].

ويعرف أيضًا أنه: «ذلك العلم والتخصص الذي يهتم بتنمية وتطوير وتقييم البيئة الحضرية المبنية عن طريق الاستخدام الأمثل لإمكاناتها؛ بحيث تكون أكثر ملاءمة للإنسان وأكثر تلبية لاحتياجاته وتطلعاته، على أن يتم ذلك طبقًا لخطة محددة وبوسائل فنية وأخلاقية».

وله تعريف آخر: أنه «علم واسع المجال يجمع بين متغيرات عدة طبيعية واجتماعية واقتصادية وهندسية؛ من أجل ضبط وتوجيه نمو المدن، ومعالجة مشاكلها الحالية والمتوقعة بما يوفر بيئة حضرية ملائمة تتوافق مع الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان وتلبي احتياجاتهم بصورة جيدة»[6].

وبناءً على التعريفات السابقة يمكن تعريف التخطيط الحضري إجرائيًا أنه: «عملية دقيقة للمختصين، تتطلب خطوات تنفيذية بعد تحليل الوضع الراهن للمدينة وسكانها تحليلًا شاملًا بوصفها وحدة متكاملة متبدلة ومتغيرة ومتطورة بمشاركة العلوم الأخرى ذات العلاقة؛ بهدف الوصول إلى رؤية مستقبلية تحقيقًا للتنمية المستدامة».

2. الإطار النظري

1-2. مدخل إلى النظريات التخطيطية الحديثة

لتحقيق المتطلبات النظرية لهذا البحث نستعرض بعض النظريات التخطيطية الحديثة التي اختلفت في أفكارها التخطيطية في اتجاهات مختلفة.

لقد ظهرت أفكار نظريات التخطيط لمعالجة وضع المدن التي شهدت نموًا كبيرًا للسكان في النصف الأول من القرن العشرين؛ إذ زاد عدد سكانها فتوسعت في العمران تلبية لحاجاتها المختلفة، وتجاوزت بعض المدن المخططات التي وضعت لها قبل المدة المقررة؛ ما أدى إلى ظهور أحياء سيئة لا تتوافر فيها مستلزمات الراحة والأمان، لاسيما المدن الكبيرة والصناعية، فدفع ذلك بالمخططين لوضع عدد من الأفكار التخطيطية في اتجاهات متعددة، منها ما يهدف إلى تطوير مدن قائمة بإحداث تغيير في مخططاتها، ومنها ما يدعو إلى إنشاء مدن جديدة، وبعضها يرى أن يكون التوسع عموديًا أو أفقيًا في المدن، وآراء أخرى تدعو للمحافظة على الأبنية القديمة بطرازها المعماري المتميز، ومن هذه الاتجاهات تبلورت أفكار تخطيطية في اتجاهين مختلفين:

1-1-2. الاتجاه الأول: انتشار المناطق الحضرية

1-1-1-2. نظرية المدينة الواسعة الممتدة لـ (فرانك لويد Frank Lloyd)

تجاوز (لويد) الأطر التقليدية، فله رؤية عميقة في التفاعل بين الإنسان والمكان والطبيعة، فقد رأى أن شكل المبنى يجب أن يتبع الوظيفة، وأن يعكس احتياجات الناس الذين سيعيشون فيه، وأن يكون في تناغم مع المناظر الطبيعية المحيطة به، وكان يعتقد أن الحياة الحديثة بحاجة إلى أماكن مفتوحة حتى يتحقق التواصل بين الأفراد، واعتمد (لويد) على المواد المحلية من الحجر والخشب والطوب لتتماشى التصاميم مع البيئة المحيطة، وأكد على فكرة أن الشكل يجب أن يكون مخصصًا للوظيفة التي يؤديها المبنى؛ بحيث يلبي المبنى احتياجات الإنسان بشكل مباشر ويسهم في رفاهيته، ويعبر عن جمال المكان والطبيعة في آن واحد، وكان يعتقد أن المباني يجب أن تكون قادرة على التكيف مع التغيرات المستقبلية في استخداماتها، واقترح (لويد) أن تكون مساحة كل تجمع ضمن المدينة 4 أميال مربعة؛ بحيث يستوعب 1,400 نسمة، فيكون نصيب الأسرة الصغيرة فدانًا والأسرة الكبيرة ما بين 8-10 فدادين، وهذا ما يؤدي إلى المساواة بين جماعات الإقليم في توفير الخدمات وفرص العمل، ويقترح أن تكون الكثافة السكانية متدرجة تقل بالابتعاد عن مركز المدينة، ويكون التوسع أفقيًا، وأن تكون المراكز التجارية والصناعية والمؤسسات الحكومية على طول خطوط المواصلات التي تمتد في المدينة؛ ما يسمح للسكان بالوصول إلى أعمالهم بسهولة[7].

2-1-1-2. نظريه المدينة الحدائقية لـ(ابنزر هوارد Ebenezer Howard )

تهدف هذه النظرية إلى دمج هدوء الريف وطبيعته مع خدمات للسكان في المدينة، وذلك يحقق مجتمعًا مكتفيًا ذاتيًا، فيقترح (هوارد) أن تكون الأرض ملكًا مشتركًا للسكان، ولا تكون ملكًا خاصًا للأفراد، ويرى أن تخطط المدينة بشكل دائري، ويكون مركز المدينة مبنيًا على مساحة 10,000 دونم، وتتخلله أحزمة خضراء وبحيرات، وتتجه من المركز ستة شوارع رئيسة دائرية، ولا يزيد عدد السكان في المدينة عن 50,000 نسمة، وتوجد في المركز قاعات للموسيقى وبيوت للثقافة ومسرح ومكتبة عامة ومتحف وقاعة للرياضة ومستشفى، ويرى أن تكون هذه المدينة مجتمعًا متكاملًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

ومن المتوقع أن يزيد عدد السكان في المدينة، حينها تُنشأ مدينة جديدة قريبة أو مدن تتجمع حول المدينة الأم (mother Town)؛ لتقليل الضغط السكاني في كل تلك المدن، كما يتضمن تصميم (هوارد) نظامًا من الطرق الدائرية والسكك الحديدية؛ لتسهيل حركة السكان داخل المدينة وخارجها مع التركيز على توافر وسائل النقل العام وممرات خاصة بالمشاة[8].

2-1-2. الاتجاه الثاني: تركز المناطق الحضرية

1-2-1-2. نظرية مدينة عالية التمركز لـ( بيرسفال جودمان Percival Goodman)

يرى أن تكون منطقة مركزية وسط المدينة، ولها كثافة عالية في السكان والأنشطة، وتتكون من أبنية ضخمة قد يصل قطرها إلى ميل وارتفاعها إلى 25 طابقًا، وتكون فيها متاجر وصناعات خفيفة ومكاتب، وتشغل المكاتب الإدارية الأدوار السفلى، والمكاتب الصناعية الأدوار الوسطى، والمكاتب الإدارية تشغل الأدوار العليا، ويكون فيها خدمة التنقل الآلي أفقيًا ورأسيًا، ويحيط بالمبنى من كل الجهات مناطق خضراء فيها مباني ترفيه ومدارس، تليها مبانٍ سكنية تحيط بها مزارع، ولقد قسم جودمان المدينة كالآتي:

  • الأسواق والصناعات الخفيفة والمكاتب.
  • المباني الثقافية والجامعات والمتاحف.
  • المساكن والمدارس والمستشفيات.
  • الصناعات الثقيلة والمطارات.
  • الحدائق والغابات.

كما ربط المدينة بالمدن المجاورة عن طريق خطوط النقل المختلفة، منها المطارات - خطوط السكك الحديدية، حافلات النقل، ونقل البضائع يكون عن طريق سيارات نقل وخطوط السكك الحديدية.

2-2-1-2. نظريه مدينة الغد لـ (لوكوربوزييه)

تظهر هذه النظرية عدة أفكار تخطيطية، منها مدينة الغد، وهي حلول مقترحة لمعالجة مشاكل المدن القائمة، وتقوم أفكاره على تخطيط مدينة عصرية تستوعب ثلاثة ملايين نسمة، تضم مباني على شكل ناطحات سحاب، وتحيط به حدائق واسعة من كل الجهات، ويصل ارتفاع مبانيها إلى 60 طابقًا يستوعب 1,200 نسمة، ويخصص 5% من مساحة المدينة للمباني العامة، وتحيط بالأبنية المرتفعة عمارات سكنية بارتفاع ثمانية طوابق، مرتبة على شكل صفوف متعرجة، تتخللها فضاءات خضراء، لا تزيد الكثافة السكانية في هذه المدينة عن 120 نسمة / فدان، كما تحيط بالمدينة من الخارج مساكن للأغنياء، وللمدينة مركز يضم محطة مواصلات رئيسة لمختلف وسائل النقل.

طبقت هذه النظرية في مدينة باريس سنة 1925م، إلا أنها أخفقت في حل المشاكل الحضرية التي تعاني منها المدينة؛ ما دفع لوكوربوزييه إلى اقتراح فكرة المدينة القطرية التي تظهر في شكل صفوف عالية في العمارات الشاهقة المتفرقة، وذلك للتخفيف من تكتل السكان في مركز المدينة، وتعويضها بزيادة الحدائق والمساحات المفتوحة وزيادة وسائل النقل المختلفة[9].

ومن العرض السابق يمكن الاستفادة من نظريات التخطيط وتطبيق بعض مبادئها على الواقع اليمني؛ إذ تُسهم في تخطيط بيئات حضرية مستدامة وصحية للسكان؛ كما تسهم في تخطيط البنية التحتية للمدن، مثل: الطرق والنقل والعمران.. وغيرها، مما يساعد في تحسين جودة الحياة، كما أن هذه النظريات تساعد في ضمان الاستخدام والتوزيع الأكثر عقلانية للموارد المتاحة. علاوة على أنها تسهم في محاولة تحقيق مدن أكثر كفاءة واستدامة بيئيًا واقتصاديًا واجتماعيًا عن طريق دراسة نماذج تلك المدن، فالاستثمار في تخطيط المدن يعد استثمارًا في مستقبل أفضل للمدن والمجتمعات.

وبالنظر إلى ما قدمته النظريات السابقة من أفكار تخطيطية يمكن الاستفادة من هذه النظريات بشكل عملي باتباع الخطوات الآتية:

  • تجنب النمو العشوائي للمباني والأحياء في المدن اليمنية، وإنشاء مبانٍ تلبي احتياجات السكان وتتواءم مع الزيادة السكانية المتوقعة، والاهتمام بالتوسع العمودي للمساكن مع مراعاة خصوصيات المجتمع اليمني، بالإضافة إلى توافر المناطق الخضراء في المدن.
  • إعادة تأهيل الأحياء القديمة، وتصميم أحياء جديدة، وتوفير الخدمات كافة فيها.
  • توفير وسائل النقل العام الحديثة، وتنظيم وسائل النقل الخاص مع ضمان المحافظة على البيئة.
  • إقامة مشاريع حضرية تحسن من جودة حياة السكان، واشتراك المجتمع في عملية اتخاذ القرارات الخاصة بالتخطيط للمدن.
  • معالجة أزمة توزيع السكان والمساكن والأنشطة الاقتصادية والخدمية بما يتناسب مع متطلبات المدينة، وإيجاد حلول فعالة لرفع مستوى معيشة السكان.

2-2. التخطط الحضري، أهميته وخصائصه

في ظل التطورات التي تشهدها المدن بصفة عامة واليمن بصفة خاصة يزداد الاهتمام بضرورة التخطيط الحضري المتكامل أداة أساسية لبناء مجتمعات مستدامة، ومع تزايد النمو السكاني والتغيرات المناخية وحاجة المجتمع إلى توفير خدمات أساسية وفرص عمل، يتطلب ذلك خططًا استراتيجية لتشكيل البيئات الحضرية المستدامة؛ لذا يُعد التخطيط ضرورة حقيقية وملحة، وذلك عن طريق الآتي:

  • مواجهة النمو السكاني بتوجيه النمو الحضري بشكل منظم، وضبط التوسع العشوائي الذي يؤدي إلى إشكالات متعددة، فهو وسيلة للضبط الاجتماعي الذي يعمل على تغيير المدينة والتحكم في نموها.
  • تحسين البنية التحتية وتطويرها، وذلك بتخطيط الشبكات المتكاملة والمستدامة للنقل، وضبط الحركة المرورية وتعزيز كفاءة وسائل النقل العام، فالتخطيط الحضري يعزز الاستدامة البيئية ويلبي الاحتياجات السكنية والتجارية والصناعية... وغيرها، فيوفر بنية تحتية ملائمة للسكان وخدمات شاملة تلبي احتياجاتهم الأساسية.
  • يعمل التخطيط الحضري على دراسة وتحليل وتقييم الموارد الطبيعية والبشرية والاقتصادية المتاحة في المجتمع، ويحقق استخدامًا أمثل للموارد المتوافرة في المدن، كالاستخدام المتعدد للأراضي، كما يعمل على الاستفادة من الاقتصاد المحلي، وذلك بالتخطيط الجيد، وجذب الشركات للعمل في المدن بوصفه نهجًا اقتصاديًا واجتماعيًا.
  • يعمل التخطيط الحضري على تحسين التنمية الحضرية، وتحقيق مجتمعات متكاملة تستخدم المناطق والمرافق المجتمعية والخدمات الأساسية استخدامًا جيدًا، كما أن له إسهامات بالغة في بناء مدن مرنة وآمنة اقتصاديا وبيئيًا واجتماعيًا؛ إذ يوفر بنية تحتية فعالة، ويعمل مسبقًا للتكيف مع التحديات المستقبلية التي تحدث في الحضر.
  • إن التخطيط الحضري المدروس جيدًا هو أساس المدن والمجتمعات؛ إذ يمكن به تطوير المخططات الرئيسة والحضرية والمجتمعية؛ لأجل أن تتواءم تلك المخططات مع مبدأ تعزيز جودة الحياة عن طريق إنشاء بيانات تتمتع بتصميم وتخطيط حضري ذكي، يسهم في تحسين قدرة الأفراد على اتباع أنماط حياة صحية وإيجابية.

ويتميز التخطيط الحضري بعدة خصائص؛ تجعله عملية أساسية وبالغة الأهمية لتنمية المدن وتطويرها بشكل فعال ومستدام، إلا أنه يختلف في طبيعته وخصائصه عن أنواع التخطيطات الأخرى؛ نظرًا للطبيعة الخاصة بالبيئة الحضرية التي يتعامل معها، وغالبًا تكون سريعة ومتبدلة ومتطورة، ويمكن توضيح تلك الخصائص في الآتي:

  • تحقيق الاستدامة في وضع الخطط والاستراتيجيات الحضرية: إذ يتميز التخطيط الحضري بوضع خطط وسياسات مناسبة مع الاحتياجات الحالية والمستقبلية للمدن، كما يعمل على معالجة البيئة الحضرية وتخطيطها وحدة واحدة، تترابط مكوناتها وعناصرها، تلك العناصر تشكل شبكات العلاقات في البيئة؛ فهو أداة للتغير الاجتماعي والتكيف الاجتماعي في آن واحد، كما يعمل التخطيط الحضري على حماية البيئة من التلوث والحفاظ على موارد المياه وتنظيم الاستخدام الأمثل للأراضي، وذلك لضمان استدامة تلك الخدمات على المدى الطويل، بالإضافة إلى توفير المساحات الخضراء في المدن وحماية الأراضي الزراعية من الزحف العمراني واستخدامها بشكل فعال.
  • تحقيق التنمية الاقتصادية: يعمل التخطيط الحضري على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي عن طريق التنمية العقارية والزراعية، مثل التخطيط المستمر لتوسيع المخططات العمرانية بشكل مستدام؛ بهدف توفير بيئة سكنية ملائمة للسكان، ومناسبة للزيادة السكانية مع ضمان توفير وسائل ضرورية؛ لتحقيق معيشة مريحة وآمنة، وللحصول على نوعية حياة أفضل للسكان، كما يعمل التخطيط الحضري على تحقيق التنوع الاقتصادي في المدن مثل: التجارة والصناعة والخدمات. . . وغيره؛ ما يسهم في تنشيط الاقتصاد وتوفير فرص العمل للسكان.
  • ومن أهم خصائص التخطيط الحضري أنه يعمل على تحقيق التوزيع المتوازن للمساحات السكنية والتجارية والصناعية، ويكون ذلك وفق معايير هندسية واقتصادية واجتماعية بالاعتماد على وضع استراتيجيات طويلة الأجل؛ تهدف إلى تحسين توزيع السكان، وإنشاء مرافق خدمية متكاملة ترتبط بتوزيع المساكن السكان في أحياء وحارات المدن.
  • يتميز التخطيط الحضري بأنه عملية موجهة نحو تحقيق أهداف محددة مسبقًا، منها دعم التنمية الحضرية التي تكون صديقة للبيئة وتحافظ على الموارد، ويسعى التخطيط الحضري إلى عدة تقنيات؛ تهدف إلى تقليل تأثيرات التنمية في المناطق الحضرية مثل: التأثير السلبي في البيئة الطبيعية، ويعمل على دعم المساحات الخضراء وتقليل التلوث في المدن، وعن طريق توزيع الموارد للمناطق السكنية والتجارية يسعى التخطيط الحضري إلى تقليل استخدامات الطاقة ويحسن كفاءة استخدام الموارد مثل: الكهرباء والمياه. إن من طبيعة التخطيط الحضري خلق توازن بين جميع المناطق، والميل إلى توجيه استثمارات التنمية الحضرية لجميع المناطق، وهنا يتحقق التوزيع العادل للأنشطة الحضرية المختلفة؛ لكي يضمن توفير الفوائد الاقتصادية والاجتماعية لجميع المناطق وسكانها؛ إذ يجري التخطيط على مختلف مستويات المدينة بشكل متدرج من المحلة السكنية ثم الحي، ثم المركز والمدينة كافة، فكل جزء من المدينة مكملًا للكل.
  • يعد التخطيط الحضري نهجًا اقتصاديًا واجتماعيًا؛ يهدف إلى تحسين التنمية، وهنا تُدمج مبادئ الاستدامة في عملية التطوير الحضري، ولا يمكن تحقيق تنمية حضرية مستدامة بدون تخطيط حضري استراتيجي، كما يتميز التخطيط الحضري بالمرونة والقدرة على التكيف مع تحديات المستقبل وتجاوز المعوقات التي قد تواجهه.
  • يعمل التخطيط الحضري على دمج الطابع التقليدي والتطوير، فيهدف إلى تطوير المدن عن طريق رفع مستواها الحضري بتوفير المرافق والخدمات العامة مع الحرص على عدم المساس بالنسيج التاريخي والمواقع الأثرية، كما يهدف إلى الحفاظ على الطابع المعماري اليمني المميز، ومراعاة التقاليد والعادات العربية والإسلامية؛ فيجمع بين التخطيط الحضري وبين الأصالة والمعاصرة، ويهتم بالمناطق الأثرية في المدن بصيانة الأبنية ذات الأهمية التراثية وترميمها كي تدوم.
  • إن أغلب المدن في البلدان النامية بما في ذلك المدن العربية - ومنها اليمن - تتكون من جماعات حضرية تسكن في المدينة منذ زمن بعيد، وجماعات ريفية تسكن في المدينة في مدة متأخرة، ولكلتي الجماعتين قيم وعادات اجتماعية مختلفة تؤخذ في الحسبان عند التخطيط الحضري للمدن، بالإضافة إلى عدم التجانس في التركيب الاجتماعي للمدينة؛ إذ توجد فيها جماعات أخرى مختلفة على بعضها مثل: الموظفين والأطباء والمنتجين، فتقبل الفروق بين الجماعات المختلفة، ويأتي هذا الاختلاف نتيجة لهجرات واسعة من مناطق متباينة، ولاسيما في مدن الدول النامية، ومنها اليمن، وتختلف بيئات هذه المدن عن البيئات الريفية التي فيها التجانس والتقارب في العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، فيكون لدى سكان الحضر التمايز والاختلاف في الحياة الاجتماعية، وهنا تضيق الفجوة بين عملية التخطيط والتطبيق في المدن، ويستجيب التخطيط الحضري لخصائص هذه الجماعات واحتياجاتها مثل: بناء المساكن الملائمة لهم، وإقامة أحياء سكنية بالقرب من التجمعات الإنتاجية والمهنية؛ حتى يتمكن العاملون من أداء أعمالهم والاستمرار فيها بيسر، كما يحدد التخطيط الحضري المشكلات القائمة في المدن ويضع الحلول الملائمة لها.

3-2. التخطيط الحضري في اليمن

سعت الجمهورية اليمنية منذ مراحل مبكرة إلى تبني مجموعة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى تطوير منظومة التخطيط الحضري في اليمن، سواء عن طريق الأطر التشريعية والتنظيمية التي أرست الأسس القانونية للتخطيط الحضري، أم عن طريق ما جرى تجسيده عمليًا في صورة مشاريع حضرية واستراتيجيات تنموية نُفِّذت على أرض الواقع.

وقد مثلت هذه السياسات والإجراءات محاولات جادة للارتقاء بمستوى التخطيط الحضري وتحسين كفاءته، ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي تعيق مسار التنمية الحضرية واستدامتها.

كما ركزت هذه الجهود على الحد من المشكلات والتحديات المرتبطة بالتحولات الديموغرافية المتسارعة، وفي مقدمتها الهجرة الداخلية والنزوح السكاني، وما يترتب عليهما من ضغوط متزايدة على المدن والبنية التحتية والخدمات العامة، وعلى رغم تفاوت مستويات التنفيذ والنجاح، فإن هذه التجارب تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية التخطيط الحضري بوصفه أداة استراتيجية لتنظيم النمو الحضري، وتحقيق التوازن بين المتطلبات السكانية والإمكانات المتاحة.

ويمكن تناول هذه الجهود والسياسات بمزيد من التفصيل والتحليل على النحو الآتي:

1-3-2. سياسات واستراتيجيات التخطيط الحضري في اليمن

تدل السياسات التشريعية للتخطيط الحضري في اليمن ومنظومة التشريعات والمشاريع وخطط التنمية على أن السلطات الرسمية كانت على استشعار بالمشاكل التي ستكون نتيجة عن التحضر السريع، وعملت على وضع الضوابط التشريعية لتفادي الآثار والإشكالات التي يمكن أن تنتج عن التحضر الذي اجتاح المدن اليمنية، ويوضح الجدول (1) التشريعات العمرانية في اليمن.

جدول (1)
يوضح تشريعات التخطيط الحضري والعمراني في الجمهورية اليمنية[10]

القوانين

اللوائح

القانون رقم (5) لعام 1965م، بشأن البناء، فيما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، الذي اشتمل على ضوابط البناء والتخطيط والطرق

لائحة مخالفات التخطيط وأعمال البناء في المدن الرئيسة والثانوية رقم (23) لسنة 1994م

قانون التخطيط والبناء رقم (31) لسنة 1948م، فيما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية

لائحة التنفيذية لقانون التخطيط الحضري رقم (360) لعام 1997م

قانون التخطيط الحضري رقم (20) لعام 1995م

لائحة ضوابط البناء في المدن التاريخية رقم (204) لسنة 2001م

قانون البناء رقم (19) لعام 2002م

لائحة تنظيم مسارات مرافق البنية التحتية رقم (939) لسنة 2002م

اللائحة التنفيذية لقانون البناء رقم (351) لعام 2008م

ويهدف التخطيط الحضري في اليمن وفقًا لقانون التخطيط الحضري إلى تحقيق الأغراض الآتية:

  1. تنمية مناطق الدولة عمرانيًا وحضاريًا والنهوض بها على أسس علمية.
  2. ضمان توزيع المشروعات الحضرية على مناطق الدولة بما يتفق وظروف كل منطقة وإمكاناتها وحاجاتها، بما يجنب النمو غير المتكافئ لمنطقة دون أخرى.
  3. تشجيع إقامة المشروعات والصناعات التي تعتمد عليها أعمال البناء والتخطيط الحضري في نطاق كل منطقة وفقًا لإمكاناتها ومواردها.
  4. الاستخدام الأمثل للأراضي، وتنظيم وظائفها لمختلف الأغراض، وحماية الأرض الزراعية ومواقع الثروات الطبيعية من الزحف العمراني.
  5. تخطيط مواقع جديدة لامتصاص الزيادة السكانية في المدن المزدحمة بالسكان، والحد من الهجرة الداخلية غير المنظمة.
  6. إعداد مخططات المدن والقرى والمواقع في الجمهورية، وتنمية المناطق المتخلفة والأماكن التي جرى البناء فيها بشكل عشوائي، ورفع المستوى الحضري لها بتوفير المرافق والخدمات العامة وشبكات الطرق والشوارع والحدائق والمنتزهات والمساحات الخضراء والمناطق الفضاء...إلخ.
  7. توزيع المساحات التي دخلت في التخطيط شوارع أو مواقع للمرافق والخدمات العامة بما يراعي المصلحة العامة والخاصة في وقت واحد، ويحقق مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
  8. المحافظة على الطابع المعماري اليمني، ومراعاة التقاليد والعادات والأعراف العربية والإسلامية.
  9. المحافظة على البيئة وحمايتها من التلوث، وحماية الأودية ومسايل مياه الأمطار وأحواض المياه الجوفية والشواطئ، وتحدد اللائحة التنفيذية الشواطئ التي تدخل في أحكام هذا القانون.
  10. تحديد المناطق السياحية والأثرية والتاريخية في الجمهورية والمحافظة عليها وإبراز معالمها السياحية والأثرية[11].

وتحقيقًا لهذه الأهداف تم توجيه الجهود نحو عدد من السياسات التخطيطية أهمها وضع استراتيجيات عمل لرفع مستويات التخطيط الحضري، ومن أهم هذه الاستراتيجيات والأهداف التي وضعت من أجلها، وذلك كما في الجدول الآتي:

جدول (2)
يوضح استراتيجيات التخطيط الحضري في اليمن وأهدافها

الاستراتيجية

الهدف منها

استراتيجية التخطيط الهيكلي للمدن

تهدف إلى توجيه التوسع العمراني للمدن اليمنية (لاسيما صنعاء، عدن، تعز)؛ للحد من الزحف العشوائي

استراتيجية إدارة النمو السكاني والتحضر

تستهدف استيعاب الهجرة من الريف إلى المراكز الحضرية الرئيسة

استراتيجية التنمية الحضرية المستدامة

التركيز على البنية التحتية والخدمات؛ لتلبية احتياجات السكان الحاليين والمستقبليين

استراتيجية الإسكان الحضري

تلبي النقص الحاد في السكن وتوفير بدائل مناسبة للفقراء

استراتيجية معالجة العشوائيات وتحسين المناطق الحضرية المتدهورة

ضرورة ملحة في المدن اليمنية للتعامل مع المناطق التي نشأت بدون تخطيط

استراتيجية اللامركزية وتعزيز الحكم المحلي

تمكين السلطات المحلية من إدارة مدنها بشكل فعال

استراتيجية التخطيط التشاركي

إشراك المجتمع المحلي والسكان في اتخاذ قرارات التخطيط

استراتيجية التعامل مع النزوح والهجرة

ضرورية لمعالجة الضغط السكاني المفاجئ على المدن بسبب النزاعات

الجدول من إعداد الباحثة

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية في مجال التخطيط الحضري، إلا أن هذا القطاع ما يزال يواجه تحديات جوهرية ومعقدة في الواقع اليمني، وتأتي في مقدمة هذه التحديات الحروب والصراعات المسلحة، وما خلفته من دمار واسع النطاق طال البنية التحتية والمرافق العامة والمخططات الحضرية؛ الأمر الذي أضعف كفاءة المدن وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، كما يُعد النزوح الداخلي والهجرة السكانية غير المنظمة من أبرز التحديات الراهنة؛ لما تسببه من ضغوط مفاجئة ومتزايدة على المدن المستقبِلة، وانعكاساتها السلبية على الخدمات الأساسية والإسكان والبيئة الحضرية، ويمثل هذا الواقع تحديًا تخطيطيًا بالغ التعقيد، يتطلب مقاربات وسياسات حضرية مرنة، قادرة على الاستجابة للأزمات والتحولات الديموغرافية المتسارعة. في المحور الآتي نتناول أحد أهم هذه «الهجرة والنزوح»، وذلك بتفصيل وتحليل أكثر.

2-3-2. الهجرة والنزوح وأثرها في التخطيط الحضري في اليمن

يُعد التخطيط الحضري في اليمن ضرورة ملحة - لا سيما في الوقت الراهن - فقد تعرضت فيها عدد من المحافظات إلى التخريب والتدمير بفعل الحرب المشتعلة منذ العام 2011م حتى يومنا هذا، وبرزت وفقًا لذلك عدد من العوامل التي أثرت في عملية التخطيط في اليمن من ضمنها قضية النزوح أو الهجرة من محافظة إلى أخرى.

وتمثل الهجرة والنزوح زيادة غير طبيعية في إعداد السكان، وتعد أحد العوامل التي لها دور بارز في اختلاف معدلات النمو السكاني من دولة إلى أخرى في إطار الدولة الواحدة، ولها تأثير في التوزيع الجغرافي للسكان وتركيبهم الديموغرافي والاجتماعي والثقافي، ويمكن الحديث هنا عن نوعين من الهجرة التي انتشرت في المجتمع اليمني، وذلك على النحو الآتي:

1-2-3-2. الهجرة الداخلية والنزوح الداخلي

يمكن تعريف الهجرة الداخلية أنها: «عملية مغادرة شخص للمنطقة الإدارية التي يقيم فيها؛ بغرض الإقامة في تقسيم إداري آخر بنفس الدولة أو المحافظة»[12]، وهي أيضًا: «انتقال الأفراد والجماعات من مكان إقامتهم المعتاد إلى مكان آخر داخل حدود الدولة؛ بهدف الإقامة الدائمة»[13]، «ويمكن أن تكون الهجرة والنزوح انتقالًا قسريًا للأفراد من مناطقهم أو بيئتهم وأنشطتهم المهنية، وهو شكل من أشكال التغير الاجتماعي الناجم عن عدد من العوامل، وأكثرها شيوعًا هو الصراع المسلح، وقد تكون الكوارث الطبيعية والمجاعات والتغيرات التنموية الاقتصادية من أسباب النزوح»[14].

واستنادًا على ما سبق نجد أن هناك دوافع ومسببات تجعل الأفراد يلجؤون للهجرة والنزوح الداخلي، منها:

  • تحسين مستوى العيش عن طريق زيادة الدخل، وتأمين ظروف سكن ومعيشة أفضل من مستوى المعيشة في الريف؛ فتمثل الدوافع الاقتصادية أكثر أسباب الهجرة الداخلية سواء كانت من الريف أم من مدينة أخرى، إلا أن الهجرة من الريف إلى الحضر الاتجاه السائد للحراك السكاني في اليمن حيث تتوافر فرص العمل في المدينة، ولاسيما بعد إقامة بعض الصناعات وتوسعها وما تتطلبه من أيادٍ عاملة، بالإضافة إلى فرص عمل أخرى مقارنة بالريف؛ فقد انتهت المهن الحرفية التي كانت منتشرة فيه، وذلك بسبب سيادة السلع الواردة إلى الأسواق؛ ما جعلها تحل محل الصناعة الحرفية بأقل تكلفة وأكثر جودة.
  • وجود فوارق بين الحياة الحضرية والحياة الريفية، فتتميز الحياة في الحضر بوصفها مجتمعًا جديدًا للسكان - بالرقي والتحضر، وتحسين مستوى الخدمات الصحية والاجتماعية والعمرانية والترفيهية والتعليمية، وبتدني المستوى التعليمي في المكان الأصلي الخاص بالمهاجرين ولاسيما في الريف، وهذا يؤكد على أن المدينة أصبحت منطقة جذب للسكان، في حين أصبح الريف منطقة طرد للسكان - ولاسيما للشباب - لتحسين وضعهم المعيشي والتعليمي، وهذا يحدد الخصائص الديموغرافية للريف والحضر.
  • تعد الأزمات السياسية والصراعات المسلحة من أبرز أسباب الهجرة والنزوح الداخلي، فيهاجر السكان الذين يتأثرون بالصراع الذي قد تنتج عنه المجاعة الشديدة والأمراض، وهنا تتهيأ الظروف التي تدفع الناس إلى مغادرة مناطقهم الأصلية، وقد ينتقل السكان إلى بُعدٍ قريب من موطنهم مدة قصيرة ويعودون، أو قد ينتقلون إلى مناطق بعيدة مدة طويلة، وقد لا يعودون إلى مناطقهم الأصلية، وتمثل هذه الأسباب عوامل للنزوح إلى قرى ومدن آمنة، ولقد تعرضت اليمن لأسوأ أزمة إنسانية في التاريخ المعاصر بين قتل وبين تشريد أغلب السكان من أماكن الصراع المسلح والقصف المدمر للقرى والمدن، وذلك منذ عام 2014م، وأُجبر السكان على النزوح إلى مدن وقرى أخرى؛ إذ بلغت أعدادهم عام 2023م 4,8 ملايين 80% منهم نساء وأطفال [15]، منهم حوالـي 694,127 نازحًا فـي أمانة العاصمة[16]، وأكدت المنظمة الدولية للهجرة بأن انعدام الأمن وتصاعد الأعمال والصراعات السياسية يهدد بتفاقم الوضع الإنساني المتردي للنازحين داخليًا ولأفراد المجتمع[17].

2-2-3-2. الهجرة الوافدة الدولية

يُقصد بالهجرة الوافدة «انتقال الأفراد من دولة إلى دولة أخرى؛ بغرض الإقامة الدائمة أو شبه الدائمة»[18]، وهي كذلك الانتقال الجغرافي للسكان دوليًا من دولة إلى أخرى عن طريق الحدود السياسية لها؛ بهدف الاستقرار الدائم، وغيرها من الأهداف بصرف النظر عن المساحة المقطوعة، كما تعنى دخول الأفراد بلدًا آخر بهدف الإقامة والعمل، وغالبًا ما تضع الدول المستفيدة من الهجرة الوافدة بعض القيود في هذا الشأن وفقًا لما تقتضيه مصالحها، وهي من العوامل الأساسية في تنظيم عرض وطلب القوى العاملة في سوق العمل الدولية والإقليمية[19].

ومنذ وقت طويل تستقبل اليمن كغيرها من الدول عددًا من المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، وذلك لموقعها الجغرافي الذي جعل منها منطقة عبور للمهاجرين إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي بشكل خاص، ومنهم من يتطلع إلى البقاء في اليمن.

ووفقًا لتقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) وصل في شهر مارس الماضي 2025م، 1,930 مهاجرًا إفريقيًا إلى اليمن من سواحل شبوة وأبين ومديرية ذوباب في محافظة تعز، وشكَّل الرجال 56% منهم والنساء 23% والأطفال 21% من إجمالي الوافدين، وبحسب التقرير غادر 1,825 مهاجرًا خلال الشهر ذاته من محافظة لحج، متوجهين إلى جيبوتي، وفي شهر سبتمبر من العام نفسه (2025م) وصل 8,878 مهاجرًا إفريقيًا منهم 55% من الصومال - 40% من جيبوتي - 5% من عُمان[20].

يمكن الإشارة إلى أن التركيز على المهاجرين الأفارقة لا يعني أنه لا يوجد مهاجرون من دول عربية أخرى إلى اليمن وإنما بوصفهم الأغلبية، وتتنوع الأسباب الرئيسة لهذه النوع من الهجرة، فمنها أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو طبيعية، يمكن أن نوضحها في الآتي:

  • الأسباب السياسية: تمثل النزاعات المسلحة التي تعاني منها عدد من البلدان - لا سيما اليمن والصومال وفلسطين وسوريا وغيرها من البلدان - أحد أهم العوامل لطرد السكان ومغادرتهم بلدانهم الأصلية؛ بحثًا عن الأمان وعن توفير لقمة العيش أو المسكن والمأوى، فمعظم الهجرات الحديثة تتم بدوافع يصعب التغلب عليها من المواطن الأصلية للمهاجرين؛ الأمر الذي يدفع بالملايين من الأفراد إلى مغادرة أوطانهم والهجرة والنزوح سواءً داخليًا أم خارجيًا.
  • الأسباب الاقتصادية: أدى الاقتصاد العالمي في العصر الحديث إلى اتساع حركة السكان في دول العالم، واجتذاب العمال إلى مراكز المدن التي ازدهرت فيها النشاطات التجارية والاقتصادية، وتمثل الأسباب الاقتصادية سببًا رئيسًا لظاهرة الهجرة الوافدة، وبرز ذلك في الفروق الكبيرة في الدخل بين الدول وفرص العمل المتاحة، فالسعي لتحسين المستوى المعيشي والحصول على فرص عمل أفضل يمثل دافعًا قويًا لدى عدد من المهاجرين، وكمثال للدافع الاقتصادي للهجرة الدولية هجرة السكان من دول القرن الإفريقي بسبب موجات الجفاف خلال المدة 2016-2023م التي تسببت في احتياج السكان لإغاثة إنسانية عاجلة؛ بسبب انعدام الأمن الغذائي، فاتجه أغلب السكان إلى الهجرة إلى عدة دول، ومنها اليمن.
  • الأسباب الاجتماعية: إن أسلوب الحياة وأنماطها يبرر عدم التكيف مع الواقع الذي يعيش فيه المهاجر في بلده الأصلي، وظهور البطالة وتزايدها في المجتمع واستمرار الفجوة بين معدلات النمو السكاني والنمو الاقتصادي يزيد من عوامل الطرد للمهاجر، تلك العوامل تجعل العمال يبحثون عن عمل آخر في الخارج؛ ما يؤدي إلى هجرتهم، كما أن توافر الرعاية الصحية والتعليم المتطور في الوطن الجديد تمثل عوامل جذب للمهاجرين إليه.
  • الأسباب الطبيعية والحروب الأهلية: كالزلازل والبراكين والأعاصير المدمرة تؤدي إلى هجرة كثير من السكان، مثال ذلك هجرة السكان عام 2004م خلال موجات الإعصار (التسونامي) التي تعرضت لها بعض دول جنوب شرق آسيا[21].

كل هذه الأسباب وغيرها تمثل تحديًا حقيقًا أمام بلادنا لا سيما فيما يتعلق بالتخطيط الحضري في جميع المحافظات، وبالتحديد في أمانة العاصمة صنعاء حيث عاصمة البلاد وواجهتها أمام الآخرين، وتظهر هذه التحديات عن طريق الآتي:

  • التوسع والتمدد العمراني المتزايد في المناطق غير المخططة؛ فهناك نقص في التخطيط الفعلي للأراضي في أمانة العاصمة حوالي 46% من الأراضي لم تخطط، وقد صنفت صنعاء ثالث أسوء عاصمة عالميًا من حيث التخطيط العمراني[22].
  • هناك زحف سكاني متزايد يؤثر في عمليه التخطيط الحالي والمستقبلي للمدينة، بالإضافة إلى الزحف العمراني على الأراضي الزراعية، وإقامة المساكن البدائية غير المخصصة التي تغيب عنها خدمات البنية التحتية من المصارف الصحية وتوافر المياه النقية.
  • نتيجة لتفاقم الهجرات والنزوح الجماعي نحو العاصمة صنعاء ترتفع إيجارات المساكن، وتتضاعف أسعار السلع، وتقل فرص العمل، وفي ظل انخفاض الدخل الفردي والأسري تتسع حلقات الفقر والبطالة، وتنتشر ظاهرة الجوع في المجتمع؛ أدى ذلك إلى عدة نتائج، منها: ممارسة التسول وظهور الجريمة كالسرقة، وعمالة الأطفال.
  • انتشار المباني والأحياء والشوارع العشوائية تمثل تحديات بيئية وصحية وأمنية... وغيرها؛ إذ بلغ عدد العشوائيات 35 منطقة عشوائية في أمانة العاصمة[23]، وهنا تغيب الميادين والشوارع الواسعة وفضاءات التهوية بين المساكن المتلاصقة؛ فيصعب مدها بالخدمات الضرورية، ولا يمكن السيطرة عليها أمنيًا.
  • إن الأعداد المتزايدة للمهاجرين تشكل ضغطًا كبيرًا على الخدمات كافة بكل أبعادها الصحية والبيئية والتعليمية... وغيرها، كما تغيب جميع الخدمات في المناطق البعيدة عن نواة المدينة، منها: عدم توافر المدارس في تلك الأحياء، فقد بلغ النقص في عدد المدارس للمرحلة الأساسية في أمانة العاصمة 47% و 54% للمرحلة الثانوية[24]، بالإضافة إلى اكتظاظ الطلاب والطالبات فـي المدارس البعيدة التـي يلتحقون بها.
  • تنتشر الأوبئة وترتفع نسبة الوفيات للمواليد والأطفال وكبار السن؛ لقلة مراكز رعاية الطفولة والأسرة في المناطق البعيدة عن نواة المدينة، ويعاني السكان من مشكلة تزويد المدينة بالمياه اللازمة للاستخدام المنزلي والاستخدامات الأخرى، أيضًا يعاني السكان من مشكلة تزويد المدينة بالطاقة الكهربائية واستبدالها بالكهرباء الخاصة مرتفعة التكاليف، التي لا يستطيع أغلب السكان استخدامها؛ نظرًا لقلة دخل الأسرة؛ ذلك يؤثر في المستوى التعليمي لأبناء الأسر الملتحقين بالمدارس والجامعات.
  • تتعرض أغلب الشوارع الرئيسة والفرعية لاختناق مروري وازدحام مستمر في أغلب ساعات اليوم، وذلك لضيق معظم الشوارع، وتهالكها يؤدي إلى حوادث مرورية، بالإضافة إلى اكتظاظ الشوارع بالمركبات، ولاسيما وسائل النقل العام وعدم قدرة المحطات المتوافرة على استيعابها[25].
  • تزايد أكوام القمامة لتصل إلى 200 طن يوميًا في العاصمة، وذلك على الأرض وعلى أرصفة الشوارع الرئيسة وفي الشوارع الفرعية القريبة من السكان؛ فيؤدي ذلك إلى انتشار الروائح الكريهة وزيادة تلوث الهواء، كما تزايد النفايات الصلبة والطبية غير المعالجة في الشوارع ويرتفع مستوى استهلاكها، وتدفن المخلفات السامة ما يؤدي إلى أمراض صحية إلى جانب تلوث التربة والمياه الجوفية.
  • يتكون مجتمع المدينة من فئات وطوائف وجماعات مختلفة دينية وعشائرية متباينة في العادات والتقاليد، هنا يقل التجانس والترابط والتماسك الاجتماعي، ويسود التعقيد في العلاقات السائدة بين الأفراد والجماعات؛ ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار والتكليف الاجتماعي للسكان. لقد ساعدت الهجرة الوافدة بأنواعها إلى أمانة العاصمة على تضخم حجم المدينة، وأدى ذلك إلى الإخلال بمشروعات وخطط تطوير المدينة[26].

4-2. تجارب عالمية رائدة في التخطيط الحضري

تمثل التجارب العالمية في التخطيط الحضري أحد أهم العوامل التي تُسهم في تحقيق التخطيط الحضري الشامل ونقل المجتمع من الأوضاع القائمة إلى أوضاع أكثر تقدمًا، وذلك عن طريق تحقيق أهداف محددة تسعى إلى رفع مستوى معيشة المجتمع من جوانبه كافة العمرانية والاجتماعية والاقتصادية... وغيرها، وحل المشكلات الحضرية المختلفة، وهنا تظهر لدينا تجارب عالمية رائدة نجحت في مجال التخطيط الحضري، امتازت بقدرتها على استخدام التكنولوجيا المتطورة في التصنيع والاقتصاد الرقمي، وذلك لتحقيق عدة أهداف استراتيجية، منها دعم النمو المستدام وتحسين نوعية الحياة للمجتمع. نذكر من هذه التجارب تجربة سنغافورة وتجربة ماليزيا.

1-4-2. تجربة سنغافورة

تتربع سنغافورة على عرش المدن الأكثر ذكاءً وفق مؤشر المدن الذكية عام 2021م[27]، وتصنف أكثر المدن ذكاءً في آسيا لعام 2024م، وخامس أذكى مدينة على مستوى العالم[28].

ويقصد بمصطلح المدن الذكية أنها المدينة التي تتوافر فيها خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات المتطورة، وتعتمد على ربط الأماكن العامة في المدينة، كالمطارات والأسواق والمستشفيات والحدائق باستعمال تقنيات اتصال متطورة؛ لكي يكون في استطاعة سكان المدينة الاتصال بالمؤسسات والهيئات كافة في مدينتهم لإنجاز أعمالهم إلكترونيًا[29].

تبنت سنغافورة استراتيجية التنمية الموجهة نحو الاستثمار الأجنبي المباشر ودمج رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا ونماذج التنمية، وتجلى نجاحها في تصنيعها السريع ونموها الاقتصادي القوي، ويعود هذا النجاح إلى اختيارها التدخل الحكومي القوي في الاقتصاد مثل: إنشاء صناديق رأس المال الوطنية، وتأسيس مؤسسات عامة وإضفاء الطابع المؤسسي على الادخار على المستوى الوطني عن طريق ضريبة الدخل والاعتماد على العمالة المهاجرة، و خلال ثلاث سنوات انتقلت لسنغافورة من دولة نامية إلى قوة اقتصادية عالمية رائدة، والشكل الآتي يوضح معدل النمو في الناتج المحلي لسنغافورة.

شكل (1)
يوضح معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي للمدة 2024-2025م[30]
صورة الشكل 1

أنشأت سنغافورة مجمعًا صناعيا سكنيًا متكاملًا، ومثلت جودة البنية التحتية دورًا محوريًا في تشكيل البنية الوظيفية المتكاملة، فهيَ مدينة تجمع بين فرص العمل والسكن؛ إذ تعطي الأولوية للإنتاج على حساب السكن، وتعد هذه الاهتمامات حاسمة للتنافسية الاقتصادية، لقد اتخذ هذا المشروع شكلين، أولهما: بناء وصيانة مرافق عالية الجودة، وثانيهما: نظام متطور ودقيق للتحكم في التلوث، نفذ هذا المشروع في مراحل:

  • تصميم وبناء البنية التحتية للخدمات الأساسية.
  • تطوير الأنشطة الصناعية والمباني السكنية.
  • إنشاء الأنشطة الاستثمارية.

لقد زود المشروع ببناء محطة فرعية للكهرباء ومحطة لمعالجة المياه، وذلك لضمان إمداد مستمر بالكهرباء ومياه عالية الجودة للاستخدام الصناعي، كما يضم محطة لمعالجة مياه الشرب ومحطة مياه الصرف الصحي وثلاث محطات لاستقبال الغاز الطبيعي ومحطتين لتوليد الطاقة المشتركة[31].

باعتبار سنغافورة دولة صغيرة مقيدة بإمكانات محدودة في مجال الطاقة المتجددة وتوافر الأراضي تسعى جاهدة لضمان مستقبل مستدام في مجال الطاقة عن طريق تقليل الاعتماد على الغاز والتوجه نحو زيادة واردات الطاقة المتجددة. تهدف سنغافورة إلى رفع قدرة الطاقة الشمسية إلى 2 جيجا واط، وإنشاء شبكات ربط تصل إلى 4 جيجا واط؛ لاستيراد الكهرباء النظيفة استنادًا إلى خطتها الخضراء لعام 2030م، ونتيجة لذلك سترتفع حصة توليد الطاقة المتجددة من حوالي 4% منذ عام 2013م إلى 40% بحلول عام 2030م؛ ما يبرز الحاجة إلى تعزيز ربط شبكة الكهرباء ودمج مشاريع الطاقة المتجددة سريعة النمو.

تمتلك سنغافورة القدرة المالية اللازمة لدعم تحول الطاقة في آسيا؛ ما يجعلها مؤهلة لقيادة وتمويل مشاريع الطاقة المتجددة في المنطقة؛ ذلك يضمن مستقبل الطاقة النظيفة لسنغافورة ويعزز أمنها الطاقي[32].

يعد برنامج الإسكان في سنغافورة نموذجًا حقق نجاحًا عالميًا عن طريق مبادرات حكومية، وتخطيط علمي وآليات توزيع عادلة، ولم تقتصر جهود سنغافورة على معالجة أزمة نقص المساكن في ظل التوسع الحضري فحسب، بل حققت نسبة ملكية تتجاوز 90%؛ ما أسهم هذا بشكل كبير في تحسين جودة حياة السكان، والحد من التفاوت في الدخل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وبهذا أيضًا ضمنت الحكومة استدامة أسعار المساكن على المدى الطويل، وهنا دور التدخل الحكومي الفعال في قطاع الإسكان في تحسين حياة الناس، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة[33].

في استطلاعات المدن الصالحة للعيش بما في ذلك استطلاع ميرسر لجودة المعيشة لعام 2014م صنفت سنغافورة إحدى المدن القليلة ذات الكثافة السكانية العالية القادرة على تحقيق معايير عالية لجودة الحياة، وتقع عدد من المدن التي تعد عالية الجودة للعيش في ساحات جغرافية واسعة ذات مبانٍ منخفضة الارتفاع وكثافة سكانية منخفضة وصناعات منخفضة التلوث مثل: مدينة سيدنى وفانكوفر، إلا أن سنغافورة تعد استثناء؛ إذ تجمع بين هياكل حضرية عالية الكثافة ومستويات معيشية عالية، وتمثل نهجًا للتنمية الحضرية المستدامة؛ إذ لا تؤدى الكثافة السكانية العالية بالضرورة إلى التنازل عن جودة الحياة.

في عام 2008م تأسس مركز المدن الصالحة للعيش؛ بهدف توثيق المعرفة الكافية وراء تجربة سنغافورة الفريدة في التنمية الحضرية، وجد المركز أن سنغافورة قد حققت ثلاث نتائج رئيسة في سعيها نحو التنمية الحضرية الصالحة للعيش، هي:

  • اقتصاد تنافسي لجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل.
  • بيئة مستدامة؛ لأن المدينة مضطرة للبقاء بموارد طبيعية محدودة لاسيما في الأرض والمياه.
  • جودة حياة عالية، بما في ذلك الرفاه الاجتماعي والنفسي للسكان.

وكان هناك عنصران أساسيان لنجاح التوسع الحضري، هما:

  • وجود نظام متكامل للتخطيط والتطوير الرئيس يضمن تحقيق أهداف مدينة صالحة للعيش على المدى الطويل.
  • تبني نهج حوكمة حضرية ديناميكي أسهم في الحفاظ على الظروف اللازمة لمدينة مزدهرة صالحة للعيش[34].

ومن ضمن خطتها المستدامة حققت سنغافورة في تصنيف النقل العام المرتبة الثانية؛ إذ تتميز بكفاءتها العالية في هذا المجال، وتستخدم فيه التكنولوجيا الحديثة والخدمات الإلكترونية، كما تتبع الدولة سياسة مدروسة للحد من استخدام السيارات[35].

ومن أبرز المشاريع الذكية في سنغافورة مدينة تينغاة، وهي الأولى من نوعها من حيث وفرة المساحات الخضراء والحدائق العامة، وصممت هذه المدينة مدينة جديدة تعتمد على التقنيات الذكية في التبريد المركزي وآليات جمع النفايات وإدارتها بشكل آلي، وتنقسم المدينة إلى عدة مناطق تميزها تصاميم وأنشطة مختلفة، كمنطقة مخصصة للزراعة ومنطقة حدائق يمارس فيها السكان الأنشطة الرياضية والاستمتاع بالحياة الاجتماعية، ومناطق للمشي وركوب الدراجات، وفي المدينة وسائل نقل مستدامة، وتخلو المدينة من السيارات؛ فقد خصصت شبكات أنفاق تحت الأرض لمرور السيارات. لقد اعتمدت سنغافورة على التصميم الذكي والمستدام في المدينة، فاتجهت إلى تقنية المحاكاة بواسطة الحاسوب وأدوات تحليل البيانات؛ لتحسين تدفق الرياح والتحكم بدرجات الحرارة، واعتمدت نظام تبريد مركزي لتعديل الحرارة في المنازل ونظام مبني على الذكاء الاصطناعي يسهم في حفظ الطاقة والتحكم في استهلاكها، وتأمل الدولة أن تسهم هذه المدينة في تحقيق الأهداف التي وضعت للتغلب على التحديات الناجمة عن تغير المناخ في عام 2030م، من ضمنها خفض انبعاثات الكربون ورفع كفاءة وإنتاج استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى رفع مستوى جودة الحياة للسكان[36].

1-1-4-2. مميزات تجربة سنغافورة
  • تعد أكثر المدن ذكاءً وفق مؤشر المدن الذكية عام 2021م، وأكثر المدن ذكاءً في آسيا لعام 2024م، وخامس أذكى مدينة في العالم[37].
  • اتجهت نحو الاستثمار الأجنبي المباشر ودمجه بالتكنولوجيا ونماذج التنمية.
  • حققت نموًا اقتصاديًا قويًا، واختارت التدخل الحكومي القوي في الاقتصاد مثل: إنشاء صناديق رأس المال الوطنية ومؤسسات عامة، وانتقلت من كونها دولة نامية إلى قوة اقتصادية عالمية رائدة.
  • سنغافورة خيار بكين، نموذج وشريك متميز لربط التنمية الاقتصادية بالتخطيط الحضري مع انتقال الهيكل الاقتصادي نحو صناعات أكثر تطورًا وذات قيمة أعلى، ازداد الناتج المحلي الإجمالي لسنغافورة بشكل متسارع؛ إذ يبلغ نصيب الفرد منه حوالي 60,000 دولار أمريكي سنويًا[38]، فقد قامت الأسس الاقتصادية لسنغافورة على بنية تحتية متينة من مصانع ومجمعات صناعية أكثر استجابة وتخصصًا.
  • تسعى سنغافورة جاهدة إلى ضمان مستقبل مستدام في مجال الطاقة عن طريق تقليل الاعتماد على الغاز والتوجه نحو زيادة واردات الطاقة المتجددة[39]، كما تملك القدرة المالية اللازمة لدعم تحول الطاقة في آسيا؛ ما يجعلها مؤهلة لقيادة وتمويل مشاريع الطاقة المتجددة في المنطقة.
  • حقق برنامج الإسكان نجاحًا عالميًا؛ فقد اعتمد على المبادرات الحكومية والتخطيط العلمي وآليات توزيع عادلة لمعالجة أزمة نقص المساكن في ظل التوسع الحضري، كما ضمنت الحكومة استدامة أسعار المساكن على المدى الطويل، وذلك بهدف تحسين حياة الناس وتعزيز العدالة الاجتماعية.
  • تجمع سنغافورة بين هياكل حضرية عالية الكثافة ومستويات معيشية عالية، وتمثل نهجًا للتنمية الحضرية المستدامة، فقد صنفت سنغافورة إحدى المدن القليلة ذات الكثافة السكانية العالية القادرة على تحقيق معايير عالية لجودة الحياة.
  • تمكنت سنغافورة من إيجاد بيئة تنموية حضرية صالحة للعيش، وذلك عن طريق إيجاد اقتصاد تنافسي لجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل، وتوفير جودة حياة عالية بما في ذلك الرفاة الاجتماعي والنفسي للسكان وبيئة مستدامة بموارد طبيعية محدودة[40].
  • تعتمد استراتيجية سنغافورة للمدن الذكية على بنية تحتية رقمية متينة، تقوم على التصميم المستدام وتقنيات ذكية في التبريد المركزي وآليات جمع النفايات وإدارتها بشكل آلي، وتهدف الدولة من تصميم المدن الذكية أن تسهم هذه المدن في التغلب على التحديات الناجمة عن تغير المناخ عام 2030م، من ضمنها خفض انبعاثات الكربون ورفع كفاءة إنتاج الطاقة واستهلاكها[41].
2-1-4-2. تحديات تجربة سنغافورة
  • تحديات بيئية: أدى التوسع الحضري السريع في سنغافورة إلى تغيير جذري في تفاعل الناس مع الطبيعة من الاعتماد المباشر على الخدمات المحلية في التزويد والتنظيم إلى تقدير أكبر للفوائد الترفيهية والتعليمية والتراثية الثقافية، ومن المرجح أن يلاحظ هذا التغير السريع في استخدام خدمات النظام البيئي في سياقات حضرية أخرى سريعة التوسع، إن لسرعة التغير في استخدام خدمات النظام البيئي آثارًا على إدارتها؛ إذ لا يمكنا افتراض أن إدارة الخدمات المهمة اليوم ستدعم الخدمات المهمة في المستقبل أيضًا، فهناك احتمالية حدوث تغيرات مستقبلية في العرض والطلب والاستخدام[42].
  • تحديات في التمويل: تتمتع سنغافورة بوضع مالي قوي، كما أثبت نظامها الفريد للتمويل العام المنضبط، وقد أظهرت البنية التحتية مرونة عالية على مر السنين، مع ذلك تواجه سنغافورة مجموعة مطورة من التحديات في تمويل البنية التحتية للقطاع العام، وتتطلب الاتجاهات الديموغرافية طويلة الأجل والضرورات الاقتصادية تحسين وتوسيع البنية التحتية العامة، ومن المتوقع أيضًا أن يرتفع الإنفاق على المجالات الاجتماعية مع سعي الحكومة إلى معالجة قضايا رئيسة مثل: عدم المساواة في الدخل وشيخوخة السكان في الوقت نفسه، ثمة حاجة للحفاظ على تنافسية الهيكل الضريبـي العام والحفاظ على عبء ضريبـي منخفض على السنغافوريين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، ومن ثم يتعين على الحكومة مواصلة البحث عن طرق مبتكرة ومستدامة لتلبية احتياجاتها المستقبلية من تمويل البنية التحتية العامة[43].
  • تحديات في مجال الإسكان: على رغم النجاح الكبير الذي حققته سياسة الإسكان العام في سنغافورة لا تزال هناك تحديات متعددة، على سبيل المثال: زيادة نسبة كبار السن في المجتمع وتغير أنماط الأسر تحتاج سنغافورة إلى تحسين تصاميم المساكن؛ لتلبية احتياجات زيادة الأفراد والأسر متعددة الأجيال، إضافة إلى ذلك ومع تزايد ندرة موارد الأراضي وتغير سوق العقارات، سيشمل تحقيق التوازن بين تطوير الإسكان العام والخاص موضوعًا مهمًا لتعديلات السياسات المستقبلة[44]؛ لأن سنغافورة دولة ذات مساحة محدودة تواجه تحدي إدارة الكثافة السكانية المتزايدة؛ إذ تبلغ الكثافة حوالي 8,387 نسمة لكل ميل مربع في عام 2025م في حين مساحة الأراضي فيها 700كم2 تقريبًا[45].
  • تحديات في مجال الصحة: يؤدي التوسع الحضري إلى آثار سلبية على الصحة، لاسيما ارتفاع معدلات وفيات الرضع وتسبب الانبعاثات من وسائل النقل والصناعات ومحطات توليد الطاقة والمباني السكنية والتجارية مستويات عالية من تلوث الهواء، وهو مصدر لأمراض متعددة، لقد أدى النمو الاقتصادي السريع إلى مشاكل بيئية خطيرة لا رجعة فيها، مثل: النقابات والتلوث والانبعاثات الجوية، ولذلك يجب تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والأثر البيئي للتنمية[46].

2-4-2. تجربة ماليزيا

تعد ماليزيا واحدة من أكثر البلدان تحضرًا في شرق آسيا ومن أسرع المناطق تحضرًا في جميع أنحاء العالم، صممت ماليزيا ونفذت عدة خطط تعتمد على استراتيجيات متكاملة تتنوع محاورها، وذلك منذ عام 1966م حتى عام 2025م، وعلى مدى ثلاثين عامًا الماضية اتجهت ماليزيا إلى تصميم وتطوير المدن المدمجة؛ لمواجهة تحديات التنمية المستدامة، ولتعزيز أهداف الاستدامة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ويشير هذا المشروع إلى الالتزام بالتنمية عالية الكثافة وتكامل استخدامات الأراضي وإعادة توظيف المناطق الحضرية القائمة، ويهدف هذا المشروع إلى الحفاظ على المناظر الطبيعية في ضواحي المدن، ويرى أن المدينة المدمجة أكثر استدامة بيئيًا من المدن المترامية؛ إذ يسعى إلى تقليل استهلاك الطاقة واستخدام الأراضي.

تحتل ماليزيا المرتبة التاسعة والعشرين من بين 144 دولة من حيث جودة بنيتها التحتية، فقد حددت أغلب مخصصات ميزانيتها السنوية لتحسين بنيتها التحتية مثل: مخصصات ميزانية عام 2017م حوالي 8 - 10 مليارات دولار أمريكي، خُصصت لمساعدة نمو قطاع الإنشاءات وتعزيز تطوير البنية التحتية، وعندما نالت ماليزيا استقلالها كانت البنية التحتية للبلاد متطورة إلى حد معقول، ومنذ ذلك الحين توسعت جميع فئات البنية التحتية بشكل كبير، ومع ذلك لاتزال شبكاتها موزعة بشكل غير متساوٍ؛ فعملت الحكومة على تنفيذ تطوير البنية التحتية الريفية في خطتها العاشرة حتى الوقت الراهن، كما عملت على استثمار مبالغ طائلة في توسيع الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ البحرية والمطارات، وكان للحكومة دور فاعل في تشجيع تطوير وسائل الاتصال الحديثة مثل: الاتصال بواسطة الأقمار الصناعية والإنترنت.

ويمكن الحديث عن دافعين رئيسين شكَّلا نطاق ونمط استراتيجيات تطوير البنية التحتية في ماليزيا، وهما:

  • تطوير البنية التحتية أمر أساسي للتنمية الاقتصادية للبلاد، وهنا سعت الحكومة إلى توسيع مرافق البنية التحتية؛ لمواكبة الطلب المتزايد عليها.
  • تطوير البنية التحتية لخدمة الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، هنا جرى تعزيز تنمية المناطق الأقل نموًا بما فيها المناطق الريفية، وذلك لمعالجة التفاوت الاقتصادي في البلاد[47].

سعت ماليزيا لإفادة السكان بتوفير التسهيلات والخدمات الضرورية لهم واستغلال تلك الخدمات وتحقيق تحسين الوضع الاقتصادي للسكان، ونجحت سياستها في خفض معدلات الفقر والبطالة؛ إذ أصبح معدل الفقر أقل من 7.3% بعد أن كان معدله حوالي 52% في السبعينيات؛ فقد شهدت البلاد تحولًا اقتصاديًا؛ إذ ارتفع مستوى دخل الفرد السنوي ليصبح 18,000 دولار في حين كان لا يزيد عن 350 دولارًا سنويًا، فمن الأهداف الرئيسة لماليزيا تحسين معيشة المواطنين عن طريق زيادة دخل الأسرة [48].

شكل (2)
يوضح التغير في نسبة الفقر في ماليزيا
صورة الشكل 2

تعد ماليزيا من الدول التي تتبنى سياسات إسكان شاملة وأخرى محدودة، فقد حددت سياساتها الوطنية المبادئ التوجيهية لتخطيط وتطوير قطاع الإسكان، بالإضافة إلى وضع برامج ومخططات الإسكان الموجهة إلى ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وتشارك الحكومة في بناء المساكن العامة عن طريق الشركات الحكومية في حين يشارك المطورون المختصون في بناء المساكن المتوسطة وعالية التكلفة[49].

حققت ماليزيا نجاحًا كبيرًا في مجال البيئة فقد أصدرت قانون جودة البيئة عام 2024م الذي يهدف إلى تعزيز إطار حماية البيئة، وقد فرض هذا القانون غرامات باهضة وعقوبات على مخالفي التوجيهات التي نصت عليها اللوائح البيئية، وذلك بهدف معالجة التلوث البيئي وحماية الموارد الطبيعية، ويتضمن هذا القانون أيضًا لوائح تحدد ممارسات الحرق المكشوف التي تسبب تلوث الهواء الشديد؛ حتى تضمن حماية الصحة العامة للسكان، كما حرص هذا القانون على الالتزام المتجدد بالاستدامة للأنظمة البيئية على المدى الطويل، بالإضافة إلى ربط كل القوانين البيئية بالمعايير الدولية، ومن جوانب القوة لهذا القانون استشارت الحكومة في أثناء تعديله مجموعات من ممثلي الصناعة والمنظمات المجتمعية حول التغيرات المقترحة، بالإضافة إلى وضع أسس للتطوير المستقبلي في التشريعات البيئية الماليزية مع تعزيز الاستدامة للأجيال القادمة[50].

من أبرز المشاريع الذكية في ماليزيا مدينة سيبرجايا، وهي أول مدينة ذكية في ماليزيا تبعد عن كوالالمبور بـ 30كم2، ويبلغ عدد سكانها حوالي 49,276 نسمة بناء على التعداد السكاني لعام 2020م، وتعرف أنها مركز التكنولوجيا الأول في ماليزيا؛ فقد صممت هذه المدينة لتعزيز الابتكار وتحقيق الحياة الحضرية المستدامة، ويسترشد مشروع سيبرجايا بثلاثة مبادئ توجيهية هي: منخفضة الكربون - ذكية - وموجهة نحو الإنسان، وذلك لتحديد مجال التركيز الرئيس لتقييم الظروف المكانية والتنموية الحالية لسيبرجايا، ووضع خطط العمل الرئيسة ذات الصلة اللازمة للتحول[51]، ولقد حددت الحكومة هذه المدينة مركزًا للنمو الجديد لقطاع تكنولوجيا المعلومات، فلها بنية تحتية عالمية المستوى في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ ما دفع عددًا من الشركات الرائدة في قطاع تكنولوجيا المعلومات إلى اتخاذ المدينة مقرًا لها، فقد ضمت المدينة أكثر من 38 شركة متعددة الجنسيات و 800 شركة متخصصة في التكنولوجيا.

يقع مشروع بانجيا في سيبرجايا، وهو مشروع متعدد الاستخدامات، ومشروع ميراج باي ذا ليك، الذي يتكون من الفيلات والشقق الفاخرة مع ممرات مائية طبيعية ومساحات خضراء، وتم هذا المشروع بتصميم دائري مميز حول ثلاث بحيرات مركزية.

لقد نجحت ماليزيا في تعزيز كفاءة الطاقة والبنية التحتية للمركبات الكهربائية في هذا المدينة، وذلك للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في النقل، وجرى تطوير مدينة سيبرجايا في ثلاثة أعوام:

  • العام الأول: جرى فيه الاهتمام بالمرافق الأساسية والبنى التحتية منها الطرقات.
  • العام الثاني: جرى فيه تطوير البنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات عالية السرعة وتطوير الفعاليات التجارية.
  • العام الثالث: جرى فيه الوصول إلى بيئة خالية الانبعاثات وتطوير الفعاليات التعليمية، والصحية بالإضافة إلى تطوير نوعية الخدمات[52].

1-2-4-2. مميزات تجربة ماليزيا
  • نجحت سياسات ماليزيا في خفض معدلات الفقر والبطالة وارتفاع مستوى دخل الفرد السنوي، أدى ذلك إلى تحسن معيشة المواطن وتعزيز الرفاهية المعيشية للسكان.
  • حققت ماليزيا نجاحًا كبيرًا في مجال البيئة، وربطت كل القوانين البيئية بالمعايير الدولية؛ فأصدرت قانون جودة البيئة، الذي حرص على الالتزام المتجدد بالاستدامة للأنظمة البيئية على المدى الطويل، واستشارت الحكومة في أثناء تعديل هذا القانون مجموعة من ممثلي الصناعة والمنظمات المجتمعية حول التغييرات المقترحة له، بالإضافة إلى فرض عقوبات وغرامات باهظة على مخالفي توجيهات اللوائح البيئية.
  • تصميم وتطوير المدن تحقيقًا لعدة أهداف، منها تعزيز الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كما تبنت سياسات إسكان شاملة وسياسات محدودة لتخطيط وتطوير قطاع الإسكان، ودعم ذوي الدخل المنخفض والمتوسط ببرامج ومخططات إسكان تتلاءم مع مستوى دخلهم.
  • حددت ماليزيا مدينة سيبرجايا محركًا للنمو الجديد لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عالية السرعة، كما نجحت في تعزيز كفاءة الطاقة والبنية التحتية للمركبات الكهربائية، وذلك للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في النقل.
  • استثمرت مبالغ طائلة في توسيع الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ والمطارات، وتشجيع تطوير وسائل الاتصال الحديثة مثل: الاتصال بواسطة الأقمار الصناعية والإنترنت.
2-2-4-2. تحديات تجربة ماليزيا

تواجه ماليزيا عدة تحديات، نذكر بعضها في الآتي:

  • تمثل تحديات التوسع الحضري أهمية بالغة في الاقتصاد الماليزي، فتعزيز الكثافة الاقتصادية أمر له أهمية؛ إذ يعمل على توفير المزيد من فرص العمل؛ الأمر الذي يتطلب توفير بيئة مناسبة تتناسب مع مواهب القوى العاملة ومهاراتهم.
  • أن تكون ماليزيا قادرة على المنافسة في القرن الحالي، وذلك حتى تتمكن من الحفاظ على النمو الاقتصادي السريع والاستقرار السياسي والوئام العرقي، ومما يزيد هذا التحدي تعقيدًا اتجاهان، هما: تزايد العولمة وتنافسيتها، والتغيرات السريعة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات[53].
  • تواجه ماليزيا تحديًا في تغير المناخ، تبرز آثار ذلك على النحو الآتي:
    • انعدام الأمن الغذائي، وضعف التنوع البيولوجي والنظام البيئي.
    • ارتفاع مستوى السواحل ومستوى سطح البحر؛ ما يؤدي إلى أزمات في الصرف الصحي وتلوث المياه.
    • حدة الكوارث الطبيعية مثل: الانهيارات الأرضية والأعاصير والفيضانات المفاجئة والتسونامي[54].
    • تتأثر قطاعات اقتصادية بشدة تسرب مياه البحر وتغير النظم البيئية، فتسرب المياه إلى الأراضي الزراعية يؤدي إلى تدهور التربة، في حين تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تعطيل تجمع الأسماك؛ ما يؤثر في الاقتصادات الريفية والساحلية التي تعتمد على هذه الموارد، كما أن نقص الأراضي المتاحة للتنمية يؤثر في التخطيط الحضري والتنمية الاقتصادية المستدامة، لاسيما في ظل النمو السكاني المتزايد.
    • إن التحضر المتنامي على طول السواحل يعد من الدفاعات الطبيعية مثل: القطع غير القانوني للأشجار مثل: أشجار المانغروف، الذي أدى إلى فقدان 50% من غطاء هذه الأشجار خلال السنوات العشر الماضية على رغم أنها تساعد على تنقية المياه، وتعمل على تثبيت التربة، وتناسب تكاثر الأسماك وحضانتها، ولديها قدرة على امتصاص الكربون وتخزينه، كما تساعد على مكافحة التغير المناخي[55].
  • اتجاهات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يمثل تحديًا تواجهه ماليزيا، فتظهر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من أربعة قطاعات رئيسة، هي: توليد الكهرباء - الصناعة - النقل - والسكن، وبحسب الإحصاءات فإن 385,75 مليون طن من الانبعاثات سجلت في عام 2020م، وكان قطاع توليد الكهرباء هو أكبر قطاع مصدر للانبعاثات؛ فقد بلغت نسبته حوالي 43,40% من إجمالي الانبعاثات من القطاعات الأربعة، فقد أسهم بأكبر قدر من الطاقة نتيجة لزيادة استخدام الفحم بنسبة 29% لتوليد الكهرباء، وذلك استجابة لاستراتيجية تنويع مصادر الطاقة، وذلك على الرغم من أن ماليزيا تنتج 86% من الكهرباء من محطات الطاقة التقليدية و 14% من محطات الطاقة الكهرومائية[56].
  • أدى التوسع الحضري السريع إلى زيادة الحاجة إلى بنية تحتية ومرافق عامة كافية، ويعد ضمان توافر هذه البنية التحتية أمرًا بالغ الأهمية ليس فقط لرفاهية المجتمع، بل أيضًا للتنمية الاقتصادية المحلية، وتحملت السلطات المحلية في ماليزيا العبء الأكبر من مسؤوليات هذه البنية التحتية؛ ما فرض عليها عبئًا ماليًا كبيرًا، وللتخفيف من هذا التحدي المالي ثمة حاجة ملحة لإصلاح الممارسات الحالية، واستكشاف سبل تمويل بديلة للبنية التحتية الضرورية في ظل نظام التخطيط الحالي، ويتوقع من السلطات المحلية أن تكون استباقية في إدارة النمو التدريجي ضمن نطاق اختصاصها، إلا أن معظم السلطات المحلية تجد صعوبة في تمويل البنى التحتية والخدمات الحضرية اللازمة، ولا تملك سوى قلة من الشبكات المحلية القدرة المالية على تحمل مثل هذه الاستثمارات في البنية التحتية.
  • ومن التحديات المهمة - أيضًا - صيانة البنية التحتية المحلية، كالطرق وشبكات الصرف الصحي التي تحتاج إلى صيانة دورية، فقد أدى سوء الصيانة إلى انهيار شبه كامل للاستثمارات التي وظفت في شبكات الصرف الصحي في الماضي، ولا يقتصر أثر هذا الإهمال على الصحة العامة، بل يؤدي إلى هدر كبير، كتسرب المياه من شبكات التوزيع القديمة، كما أن الميزانية المخصصة لهذا المجال غير كافية، فثمة حاجة ملحة لتخصيص ميزانية أكبر للصيانة؛ لضمان استدامة استثمارات البنية التحتية[57].
  • على الرغم من وجود سياسات مثل السياسية الوطنية للإسكان والسياسة الوطنية للتوسع الحضري في ماليزيا إلا أن فقراء المدن يعانون من ارتفاع تكاليف السكن ومحدودية فرص العمل، فتقل القدرة على تحمل تكاليف السكن بالنظر إلى أسعار المساكن الباهظة بالنسبة للسكان ذوي الدخل المنخفض، كما أن القروض تثقل كاهل الأسر بأقساط الرهن العقاري، ولاسيما أن مشاريع الإسكان تعطى الأولوية للعقارات الفاخرة، وهنا تقل الخيارات الميسرة؛ ما أدى إلى تفاقم أزمة السكن؛ أدى ذلك إلى حاجة ملحة إلى تحديد نموذج شامل يعالج هذه التحديات، يمكن ذلك عن طريق دمج الإسكان والتوظيف والنقل والرعاية الصحية والخدمات الأخرى، كما يمكن لهذا النموذج أن يساعد على مشاركة المجتمعات في عملية صنع القرار؛ لتعزيز الملكية المستدامة على المدى الطويل. لقد تفاقمت ضغوط التوسع الحضري في الإسكان على ذوي الدخل المنخفض؛ نتيجة موجة الهجرة الداخلية، وعلى رغم إطلاق الحكومة برنامج إسكان منخفضة التكلفة لا تزال هناك مشكلات قائمة في مشاريع الأبراج السكنية؛ إذ تهيمن فئات الدخل المتوسطة والعليا على قطاع العقارات السكنية؛ ما أدى إلى خلل في العرض والطلب، على الرغم من أن السياسات الوطنية للتوسع الحضري والسياسة الوطنية للمجتمعات مصممة لتحسين مستويات المعيشة وجودة الحياة، إلا أنها لا تفي باحتياجات الفقراء في المدن، وحتى الآن لا تزال هذه الفئات تعاني من نقص في الوصول إلى المرافق الصحية والفرص التعليمية ووسائل النقل الموثوقة؛ ذلك لأن هذه السياسات لا تعالج بشكل كافٍ الحاجة إلى خيارات سكنية متنوعة في مشاريع التنمية الحضرية، ولا تضمن وجود مساكن بأسعار مناسبة بالقرب من المرافق الأساسية مثل أماكن العمل والمستشفيات والمدارس[58].

3-4-2. التخطيط الحضري في اليمن والاستفادة من التجارب العالمية

تعرفنا عن طريق عرضنا في المحور السابق تجارب كل من سنغافورة وماليزيا إلى طبيعة تجارب هذه الدول والمميزات التي اتسمت فيها كل تجربة، وبالعودة إلى التجربة اليمنية نجد أن إسهامات اليمن في التخطيط الحضري تواجه تحديات حقيقة، تجعلها دون المستوى المطلوب لتحقيق تنمية مستدامة في المجتمع، يعود ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها ما تعرضت له اليمن من أحداث سياسية واقتصادية في المدة 2011-2025م التي أثرت في مسار التنمية في المجتمع اليمني، وعلى الرغم من ذلك يمكن أن نوضح كيفية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة كتجربة سنغافورة وماليزيا في التخطيط الحضري، وإمكانية تطبيقها على الواقع في اليمن، وذلك وفقًا للخطوات الآتية:

  • الاهتمام بتحقيق شراكة مع القطاعات الحكومية والخاصة: إن خلق شراكة فاعلة بين أجهزة التخطيط الحضري والقطاعات الحكومية والخاصة من أهم العوامل التي أسهمت في نجاح عدة تجارب عالمية، منها تجربتا سنغافورة وماليزيا في التخطيط الحضري؛ الأمر الذي يتطلب الآتي:
    • فصل الاختصاصات والصلاحيات في القطاعات الحكومية والخاصة، وتحديد اختصاصات وصلاحيات كل جهة معنية بالتخطيط الحضري، والعمل على توصيف وظيفي في القطاعات الحكومية، بصفة خاصة يربط المهام المحددة بوظيفة وصلاحية محددتين، بحيث يتوافر توزيع واضح للمسؤوليات والأدوار في الأجهزة التنفيذية للتخطيط الحضري.
    • تحديث الخطط والاستراتيجيات المتعلقة بالتخطيط الحضري مع ضمان الاستدامة فيها ومراجعة قوانين التخطيط الحضري وتحديثها، واعتماد التحليل الاستراتيجي، وذلك لإيجاد حلول ورؤى للعمل على إعادة توجيه سياسات التخطيط الشامل والتخطيط العمراني بشكل خاص في المدن الرئيسة، بما فيها مدينة صنعاء والريف أيضًا، وتحديد الاحتياجات البيئية والتنموية بالنظر إلى تحقيق الاستدامة فيها، ويكون ذلك من قبل المختصين بالتخطيط الحضري والمتخصصين به؛ حتى يتم الاعتماد على تلك المتطلبات عند إعادة تخطيط المدن بشكل استراتيجي يتلاءم مع سرعة نموها بالاستفادة من التجارب التخطيطية الرائدة مثل تجربتي سنغافورة وماليزيا، ثم العمل على صياغة معاير تفصيلية محددة مثل استثمار الأراضي وتنظيم العلاقة بين الاستثمار والأراضي المناسبة لهذا الاستثمار، مع ضمان تساوي توزيع المشروعات العمرانية وتخطيط مواقع جديدة للإسكان.
  • توفير بيئة استثمارية آمنة وجذابة للمستثمرين: إن ضمان استمرار ونجاح الاستثمارات المحلية والخارجية يبني الثقة في الحكومة؛ فيجب أن توفر اليمن بيئة استثمارية آمنة، وهنا يمكن تطوير البنية التحتية بما فيها من شبكات النقل الفعالة والموانئ وغيرها، فالتطوير في البنية التحتية يمثل حجر الزاوية في نمو المدن، كما أن تعزيز الشركات الاستثمارية يحفز النمو الاقتصادي للحضر، ويحتضن التنوع في فئات المجتمع، يؤدي ذلك إلى مجتمع أقوى وأكثر مرونة، وتعمل المشاريع الاستثمارية المستديمة على الربط بين التنمية الاقتصادية والتخطيط الحضري، مثال ذلك المجمعات الصناعية السكنية المتكاملة، وهي تجربة ناجحة في التخطيط الحضري والتنمية المستدامة، وهي مدن تجمع بين فرص العمل والسكن، وللبنية التحتية والمرافق فيها دور محوري في تشكيل البنية الوطنية المتكاملة، وهذه المجمعات تصمم لجذب الاستثمار الخارجي، وتعد حاسمة للتنافسية الاقتصادية، وضمان وجود مرافق عالية الجودة للشركات، وتوفير بيئة معيشة ملائمة لموظفيها وسكانها أمر في غاية الأهمية في استراتيجيات تطور تلك المدن.
  • ويحتاج تحقيق كل هذه المشاريع إلى رؤية طويلة الأمد واستمرارية وكفاءة في السياسات والخطط المتبعة في التخطيط الحضري في اليمن وإمكانات مادية كافية يقدمها المستثمرون مع ضمان الاستدامة فيها.
  • تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد: عملت التجارب العالمية على تعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد، مثل: تجربة ماليزيا التي وضعت استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد؛ لتكون خطة شاملة توحد الجهود عن طريق التعاون المستمر بين أطراف متعددة، كالسياسيين والقطاع الخاص والعام والمنظمات غير الحكومية، وتقوم على الالتزام بتقديم تقارير تقدمية في تنفيذ الاستراتيجيات، يكون ذلك بواسطة نظام إلكتروني.

ونخلص إلى القول: إنه يمكن لليمن أن تحذو حذو تلك التجارب، ففي ظل التحولات الرقمية التي يشهدها العالم لم يعد تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة ملحة لدعم قرارات الأجهزة الرقابية، وتعريز ممارسات الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد، وهنا يجري مواجهة الفساد بأنواعه، وذلك بمنهج علمي مدعوم ببيانات الإثباتات؛ ما يحسن كفاءة التحقيقات، وتوجيهها ودعم متخذي القرار بتقارير ذكية عن طريق منظومة رقابية دقيقة؛ ما يؤدي إلى الثقة المجتمعية، ويرتقي بقدرات الأجهزة الرقابية المختصة بتحقيق الشفافية بالكشف والمعالجة في آن واحد.

3. النتائج والتوصيات

1-3. النتائج

توصل البحث إلى عدد من النتائج، نوضحها في الآتي:

  • يعمل التخطيط الحضري على دراسة واقع المدن ومواجهة التحديات الحالية والمستقبلية مع تقديم رؤى للحلول المناسبة، منها مواجهة النمو السكاني، والعمل على تحقيق التوازن بين التطور الاقتصادي، والحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، وتحسين البنية التحتية وتطويرها، وتحقيق استخدام أمثل للموارد المتوافرة في المدن، والاستفادة من الاقتصاد المحلي، كما يسهم في بناء مدن مرنة وآمنة اقتصاديًا وبيئيًا واجتماعيًا.
  • تطوير المخططات الرئيسة الحضرية والمجتمعية حتى تتواءم مع مبدأ تعزيز جودة الحياة عن طريق إنشاء بيانات تسهم في تحسين قدرة الأفراد على اتباع أنماط حياة صحية وإيجابية.
  • يتميز التخطيط الحضري في اليمن بعدة خصائص تجعله عملية أساسية بالغة الأهمية لتنمية المدن وتطويرها، إلا أنه يختلف في طبيعته عن أنواع التخطيط الأخرى؛ نظرًا للطبيعة الخاصة للبيئة الحضرية؛ فهي غالبًا بيئة سريعة ومتبدلة ومتطورة نذكر خصائصها في الآتي:
    • توفير بيئة استثمارية آمنة وجذابة للمستثمرين.
    • العمل على تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد.
    • تحقيق الاستدامة في وضع الخطط والاستراتيجيات وتحقيق التنمية الاقتصادية.
    • تحقيق التوزيع المتوازن للمساحات السكنية والتجارية والصناعية، وذلك بالاعتماد على وضع استراتيجيات طويلة الأجل.
    • يعمل التخطيط الحضري على دمج الطابع التقليدي والتطوير؛ إذ يجمع بين التخطيط الحضري وبين الأصالة والمعاصرة.
  • تؤثر الهجرة الداخلية والوافدة في عملية التخطيط الحضري في اليمن؛ إذ تؤدي إلى اختلالات شديدة في توازن توزيع السكان وحدوث تضخم حضري، نذكر بعضها كالآتي:
    • التوسع والتمدد العمراني المتزايد في المناطق غير المخططة، وزحف سكاني يؤثر في عملية التخطيط الحالي والمستقبلي للمدينة.
    • انتشار المباني والأحياء والشوارع العشوائية وغياب الخدمات من تلك المناطق.
    • تزايد أعداد المهاجرين والنازحين يشكل ضغطًا على كل الخدمات بكل أبعادها الصحية والبيئية والتعليمية.
    • تقل فرص العمل، وفي ظل انخفاض الدخل الفردي والأسري تتسع حلقات الفقر، وتنتشر ظاهرة الجوع في المجتمع؛ أدى ذلك إلى ممارسة التسول وعمالة الأطفال وانتشار الجريمة، كالسرقة.
  • غياب السياسة الإسكانية؛ للحد من إنشاء المساكن والأحياء العشوائية، والتوسع الأفقي الذي يهدد التخطيط المستقبلي للمدينة.
  • العمل على الاستفادة من التجارب العالمية الرائدة في التخطيط الحضري، كتجربة سنغافورة وماليزيا، وتطبيقها في الواقع اليمني، عن طريق الاهتمام بتحقيق شراكة فاعلة بين أجهزة التخطيط الحضري والقطاعات الحكومية والخاصة ذات العلاقة بالتخطيط الحضري، وتوفير بيئة استثمارية آمنة وجذابة للمستثمرين من داخل البلاد وخارجها، وتعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد.

2-3. التوصيات

من النتائج التي جرى التوصل إليها يمكن تقديم بعض التوصيات:

  • استثمار التحول الحضري وتوجيهه نحو التنمية المستدامة عن طريق تبني سياسات حضرية شاملة، تُعنى بإدارة النمو العمراني والسكاني بصورة متوازنة، ووضع سياسة إسكانية حديثة قائمة على أسس علمية وتشريعية واضحة، وتفعيل آليات تنفيذها بما ينسجم مع معدلات النمو السكاني المتزايدة في اليمن، مع مراعاة مبادئ الاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية في توزيــع السكن والخدمات.
  • الحد من التوسع العمراني العشوائي والزحف السكاني غير المنظم بتعزيز التخطيط الحضري الموجه، والحد من التوسع الأفقي غير المدروس، الذي يستهلك الأراضي والموارد، وذلك عن طريق تشجيع التوسع الرأسي المنظم، وتحديث المخططات الهيكلية للمدن، وضبط استخدامات الأراضي بما يسهم في رفع كفاءة البنية التحتية وتحسين فاعلية إدارة المدن.
  • إعداد وتنفيذ برامج تنموية حديثة؛ لخلق فرص العمل تستهدف الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وربط هذه البرامج باحتياجات السوق المحلي والقطاعات الإنتاجية الواعدة، بما يسهم في الحد من معدلات البطالة والفقر، ومعالجة الظواهر الاجتماعية السلبية المصاحبة لها، مثل: التسول وعمالة الأطفال، عن طريق سياسات تكاملية تجمع بين التمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية والتعليم.
  • تبني توجه رسمي واضح لتنظيم حركة الهجرة عن طريق وضع سياسات وتشريعات تهدف إلى الحد من الهجرة غير النظامية من خارج اليمن، وترشيد الهجرة الداخلية بين الريف والمدينة بتحقيق تنمية متوازنة بين المناطق، وتحسين مستوى الخدمات وفرص العيش في المناطق الريفية، بما يخفف الضغوط السكانية على المدن الكبرى.
  • الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في مجال التخطيط الحضري عن طريق دراسة النماذج الرائدة وتكييفها بما يتلاءم مع الإمكانات الاقتصادية والمؤسسية والخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع اليمني، مع التركيز على نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، وتوطين أفضل الممارسات التخطيطية بما يخدم أهداف التنمية الحضرية المستدامة.

4. الخاتمة

يؤكد هذا البحث على الأهمية البالغة للتخطيط الحضري بوصفه أحد الركائز الأساسية لتنمية المدن في مختلف دول العالم، بما في ذلك اليمن، ولا سيما في ظل ما تشهده المدن من نمو وتوسع متسارعين يفرضان الحاجة إلى سياسات حضرية واضحة ومستدامة تتلاءم مع ديناميكيات المدن ومرونتها وتغيرها المستمر، وقد سعى البحث إلى توضيح مفهوم التخطيط الحضري، وإبراز أهميته وخصائصه المتعددة للمجتمع اليمني، إلى جانب تحليل ظاهرة الهجرة الوافدة، الداخلية والخارجية إلى البلاد، وبيان أثرها المباشر في كفاءة التخطيط الحضري وتحقيق أهدافه، كما تناول البحث عددًا من التجارب العالمية الرائدة في مجال التخطيط الحضري، مثل تجربتي سنغافورة وماليزيا، مع إلقاء الضوء على أبرز ملامح نجاحها والتحديات التي استطاعت تجاوزها، وبيان إمكانية الاستفادة من هذه التجارب وتكييفها بما يتناسب مع خصوصية الواقع اليمني وإمكاناته، بما يسهم في دعم مسار التنمية الحضرية المستدامة.

إخفاء المراجع

المراجع

  • الخالدي، قاسم: منهجية البحث العلمي وخطواته ومراحله ومناهجه، جامعة البصرة، كلية الإدارة والاقتصاد 2022-2023م. شوهد في 2025/12/26م، متاح على الرابط: https://faculty.uobasrah.edu.Iq
  • غزوان، علي أحمد: أزمة التخطيط الحضري في أمانه العاصمة مظاهرها وأسبابها، مجلة جامعة العلوم للبحوث التطبيقية والإنسانية، جامعة صنعاء، 2025م، شوهد في 2025/12/26م، متاح على الرابط: researchgate.Net
  • غزوان، علي أحمد، أزمة التخطيط الحضري في أمانه العاصمة مظاهرها وأسبابها، مجلة جامعة العلوم للبحوث التطبيقية والإنسانية، صنعاء، العدد يوليو، 2025م شوهد فـي 2025/11/15م، متاح على الرابط: researchgate.net
  • فريوان، وليد: التخطيط الحضري في ظل التنمية الاجتماعية وأثره على البيئة (دراسة مشكلة النفايات على مدينة الخميس) 2020م، المعهد العالي للمهن الشاملة، شوهد في 2025/12/27م، متاح على الرابط: researchgate.Net
  • عتوم، فريال: نظريات التخطيط الحضري والمخططات الشمولية، المجلة العربية للنشر العلمي، الإصدار الخامس، العدد خمسون، كانون الأول، 2022م، شوهد من 2025/11/3م، متاح على الرابط: ajsp.Net
  • بخيت، عنتر: المدخل إلى التخطيط الحضري (موسوعة التخطيط الكتاب الأول) ط 1، (الدمام، مكتبة الملك فهد الوطنية، 2020م)، ص 71-73، شوهد 2026/1/1م. متاح على الرابط: scribd.com
  • الدليمي، خلف: تخطيط المدن (نظريات - أساليب - معايير - تقنيات) ط 1، (عَمان، دار الصفاء للنشر والتوزيع، 2015م)، شوهد في 2025/11/15م، متاح على الرابط: www.academia.edu
  • المرجع نفسه.
  • بن غضبان، فؤاد: نظريات تخطيط المدن - مدينة الغد والمدينة القطرية، مدخل إلى التخطيط الإقليمي والحضري، 2023م، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، ص 175 - 176 شوهد في 2025/12/28م، متاح على الرابط: maiLalmerja.com
  • يفاعة، أحمد: دور التشريعات العمرانية في تحقيق الاستدامة، دراسة في التشريعات اليمنية، المؤتمر الهندسي الرابع، كلية الهندسة، جامعة عدن، اليمن، 2024م، ص 152.
  • النيابة العامة، مكتب النائب العام: قانون رقم (20) لسنة 1995م بشأن التخطيط الحضري، متاح عبر الرابط: https://agoyemen.net/lib_details.php?id=118
  • دائرة الإحصاءات العامة، التعداد العام للسكان والمساكن 2015م، الهجرة الداخلية والدولية، الأردن، شوهد في 2025/12/28م، متاح على الرابط: dośweb.dos.gov.jo
  • الأمم المتحدة، لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية: النزوح، شوهد في 2025/12/28م. متاح على الرابط: unfpa.org
  • الأمم المتحدة، صندوق الأمم المتحدة للسكان: نحو حلول دائمة لأزمة النزوح في اليمن، 2026/2/9م، شوهد في 2025/12/3م. متاح على الرابط: unfpa.org
  • مركز المعلومات، مجلس الشؤون الإنسانية، عدد النازحين، 2022/12/27م، شوهد في 2025/12/30م، متاح على الرابط: anacallah.comaye
  • اليماني، أحمد: الهجرة والنزوح الإقليمي في اليمن والقرن الإفريقي دراسة علمية، شوهد في 2025/12/30م، متاح على الرابط: aFroplicy.com
  • دليل السكان 2009م، المشروع العربي لصحة الأسرة، الطبعة الأولى، شوهد في 2025/12/30م، متاح على الرابط: unescwa.org
  • المرجع السابق نفسه.
  • شبكة الجزيرة نت، الهجرة الدولية، شوهد في 2025/11/29م، متاح على الرابط: aljazeera.com
  • المرجع السابق نفسه.
  • الأمم المتحدة، اليوم العالمي للتوعية بأمواج تسونامي نوفمبر 2025م، شوهد في 2025/12/30م، متاح على الرابط: un.org
  • حسن حمود: وضع خطة استراتيجية واستشراف مستقبل مدينة صنعاء حتى العام 2025م، صحيفة الثورة، 30 ديسمبر 2018م، شوهد في 2026/1/16م، متاح على الرابط: althawrah.ye
  • المرجع السابق نفسه.
  • المرجع السابق نفسه.
  • بلعيد، محمد وآخرون: قراءة سيسوغرافية حول ظاهرة الهجرة الداخلية، أسبابها، دوافعها، ودورها في النمو السكاني داخل المدن، مجلة السراح في التربية وقضايا المجتمع، مجلد 6، عدد 1، الجزائر، 2022م، ص 264 - 265 شوهد في 2025/12/30م، متاح على الرابط: asp.cerise.ds
  • الجليل، وضاح: العالم العربي، صحيفة الشرق الأوسط، 2023/9/20م، عدن، شوهد في 2025/12/29م، متاح على الرابط: aawsat.com
  • محبوباني كيشور: ما سر نجاح سنغافورة، مجلة دبي للسياسات، عدد أبريل 2021م ص 4-10، شوهد في 2026/1/1م، متاح على الرابط: dubaipdicyreview.ae
  • Opportunities in Singapore: Trade report for the Ministry of Foreign Affairs of Republice of Estonia Orissa International and Intralink Limited January, 2025, p04.
  • أبو العلا، هاني: المدن الذكية دراسة حديثة في الاتجاهات في بعض المجلات العلمية، مجلة المجمع العلمي المصري، جامعة الفيوم، المجلد 93، الفيوم، 2018م، ص 4، شوهد في 2025/12/30م، متاح على الرابط: ResearchGate
  • البنك الدولي، صندوق النقد الدولي: آفاق الاقتصاد العالمي، أكتوبر 2025م، شوهد في 2026/1/3م، متاح على الرابط: worldometers
  • Curin, Remi, Singapore, Model for urban Development in China. An overview of 20 years of sino-Singa porean Ching perspectives March, 2017.P26.
  • Setyawati, Dinika and Lolla, Aditya Regional Grids Key to Singapore›s Energy Future Ember, May, 2024, p7, 11.
  • Luo yixin. A study on Singapore›s HDB system: A Model of Public Housing policy. china. 2024. PR45, 148.
  • Challenges and Reforms in Urban Governance: Insights from the development experience of China and Singapore. Centre Liveable cities (CLC), singapore and Development Research .Center of the State Council of the People›s Republic of China (ORC), 2016. P42.
  • Suresh, Sindhu et al Sustainable Urban Design in Singapore. International Journal of Recent Technology and Engineering (URTE). vol. 8, Issue 253. July, 2019 p 945.
  • تكنولوجيا سنغافورة، المدن الذكية ضرورة ثورية تغير وجه الحضارة البشرية، فلم وثائقي 2020/1/13م، الجزيرة نت، شوهد في 2025/12/31م، متاح على الرابط: aljazeera.net
  • محبوباني، كيشور: ما سر نجاح سنغافورة، مرجع سابق، ص 4-7.
  • opportunities in Singapore.
  • Industrial Infrastructure: Growing in Tandem with the Economy. Engage Learning Asia Pet Ltd Singapore 2013 p1.
  • Setawait, Danita and Lola. pg11.
  • Challenges and Reforms in Urban Governance, p 42.
  • Richards, D.R. et al. Rapid urbanisation in Singapore causes. ashift from Local provisioning and Regulating to cultural Ecosystem Services use Ecosystem Services 46 Dec. 2020.P7.
  • Challenges and Reforms in Urban Governance,P272.
  • luo, yixin. Astudy on Singapore›s HDBSystem P 145,148.
  • عدد سكان سنغافورة، التركيبة السكانية لسنغافورة 2025م، شوهد فـي 2026/1/13م، متاح على الرابط: worldtometer
  • Ridzuan, Mohd Rozaimly. The Aftermath of Unsustainable. Urbanization in South East Asia Countries International Journal of Humanities Technology and Civilization (UHTC) VOL.5, Issue 2.2020. p32.
  • Azam Khan. Muhammad Abu Bakar، Noraznin. The Role of Infrastructure in National Economic Development in Malaysia International journal of Economic perspectives، Volumell, Issued, Dec, 2017. P631.
  • مجموعة البنك الدولي، ماليزيا - نسبة الفقر، 2021م، شوهد في 2026/1/4م، متاح على الرابط: albankaldawli.org
  • Yaacob، Mahazvil Aini et al. and A Review on Housing. policy and practices in Malaysia in providing access to Housing. Are they adequate? Malaysia March 2022.
  • قناة الجزيرة - البث الحي، مقابلة مع وزير البيئة الماليزي 2024/2/19م، شوهد في 2025/11/22م، متاح على الرابط: Aljazeera.net
  • Cyberjaya smart and low carbon City 2025، APUDG Malaysia 2025، P5.
  • مدينة سيرجايا الذكية تنهض لتصبح وادي السليكون في ماليزيا، شوهد في 2025/11/30م، متاح على الرابط: worldfinance.com
  • Soma sundram, Sotheeswarietal, Ranking the challenges of the Urban Community in Malaysia. Institutions and Economies Vol 10, No 4 2018 P 73.
  • Al Amin Abulqasim and Filho, Walter Leal. An overview of prospects and challenges in the field of Climate change in Malaysia. Inderscience Enterprises Ltd, January, 2011. P395.
  • غابات المانجروف حول العالم تواجه خطر الانهيار جرا التغير المناخي، وكالة الأنباء العمانية 23 مايو 2024م، شوهد في 2025/11/27م، متاح على الرابط: omannews.gov.om
  • Safaa, Nov sharlize Mohd etal. projection of Co2 Emissions in Malaysia Environmental progress sustainable Energy, Vol, 30, 4. Des 2011 P602.
  • Salleh, Dani and Junaidi, Noni Harianti Infrastructure Development in Malaysia: How planning system Regulates Infrastructure provision? The 3rd International Conference on Management and communication EpsBs 2023 P754.
  • Roslan, Siti Nurul Munawarah et al. Designing Affordable Urban Ecosystems: A Quantitative Model to Enhance the Quality of Life for the Urban Poor in Malaysia Through Employment, Housing, and Digital In Malaysia ken Eng Access. AcadLORE. Hong Kong 2025. P18-19.

إخفاء المراجع

المراجع