التخطيط الحضري في اليمن في ضوء التجارب العالمية
يتناول هذا البحث ظاهرة التخطيط الحضري في اليمن، ويعد من الموضوعات الحديثة والمعاصرة، من حيث التعرف إلى أهمية التخطيط الحضري والخصائص التي يتميز بها وتوضيح المفاهيم المتعلقة به، وتحليل ظاهرة الهجرة الوافدة (داخلية وخارجية) وأثرها في عملية التخطيط الحضري، ويستعرض البحث بعض التجارب العالمية الرائدة لبعض الدول وإمكانية الاستفادة منها. اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي لدراسة الظاهرة، وأظهرت نتائج البحث أن التخطيط الحضري يختلف في طبيعته وخصائصه عن أنواع التخطيط الأخرى؛ نظرًا للطبيعة الخاصة بالبيئة الحضرية، كما أظهرت النتائج أن الهجرة الوافدة إلى اليمن تؤثر في نجاح وتحقيق أهداف التخطيط الحضري، وأن هناك غيابًا للسياسة الإسكانية للحد من إنشاء المساكن والأحياء العشوائية والتوسع الأفقي، الذي يهدد التخطيط المستقبلي للمدينة، بالإضافة إلى ذلك يمكن الاستفادة من تجارب الدول الناجحة في التخطيط الحضري.
الكلمات المفتاحية: التخطيط الحضري، اليمن، التجارب العالمية.
Abstract
This research examines the phenomenon of urban planning in Yemen. It is a modern and contemporary topic, exploring the importance of urban planning, its distinctive characteristics, clarifying related concepts, and analyzing the phenomenon of internal and external migration and its impact on the urban planning process. The research also reviews some leading international experiences from other countries and the potential for learning from them. The research employs a descriptive-analytical approach and a historical methodology to study the phenomenon. The results show that urban planning differs in its nature and characteristics from other types of planning due to the unique nature of the urban environment. The results also indicate that migration to Yemen affects the success and achievement of urban planning objectives, and that there is an absence of a housing policy to curb the construction of informal settlements and horizontal expansion, which threatens the city’s future planning. Furthermore, the research suggests that the experiences of countries successful in urban planning can be beneficial.
Keywords: Urban planning, Yemen, International Experiences.
تشهد المدن في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك المدن اليمنية، تحديات متزايدة ناتجة عن النمو السكاني المتسارع وما يصاحبه من تزايد الطلب على فرص العمل والخدمات الأساسية والمتخصصة، وقد أدى هذا النمو إلى تعرض البيئة الحضرية لتحولات عميقة ومتلاحقة شملت الجوانب الاقتصادية والصحية والعمرانية والاجتماعية والإنسانية.
وتتسم هذه الجوانب بعلاقات تفاعلية متبادلة؛ إذ يؤثر كل منها في الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر؛ الأمر الذي ينعكس بصورة واضحة على طبيعة العلاقات الإنسانية وأنماط التفاعل الاجتماعي داخل المجتمع الحضري.
وتبرز أهمية التخطيط الحضري بوصفه أداة استراتيجية تهدف إلى استيعاب الزيادة السكانية المتوقعة وتنظيم استخدامات الأرض والموارد، بما يضمن توفير خدمات شاملة ومتوازنة تلبي احتياجات مختلف فئات المجتمع المتنامية. كما يسعى التخطيط الحضري إلى تهيئة بيئة حضرية آمنة وصحية ومستقرة اجتماعيًا، قادرة على تعزيز جودة الحياة وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات.
ويتعامل التخطيط الحضري مع بيئة ديناميكية تتسم بالتغير المستمر، ما يفرض عليه تبني سياسات مرنة واستشرافية قادرة على التكيف مع التحولات الراهنة والتحديات المستقبلية، بما يحقق استدامة التنمية الحضرية وكفاءة الخطط العمرانية على المدى الطويل.
يعد التخطيط الحضري عملية دقيقة بعيدة المدى، تكرس لبحث واقع السكان في الحضر بحثًا شاملًا للتخطيط العمراني والاقتصادي والاجتماعي والبيئي للمدينة، وذلك لتحقيق عدة أهداف منها الحد من التشتت الحضري للسكان، والحد من البناء العشوائي للمساكن والأحياء، وبحث كيفية استغلال الموارد المتاحة في البلاد ومعالجة التحديات القائمة والمتوقعة التي تتعرض لها المدن، وعلى الرغم من أهمية التخطيط الحضري في اليمن بوصفه ضمانًا لتحسين نوعية الحياة الحضرية ورفاهية الإنسان، إلا أنه يعاني من إشكاليات متعددة وتحديات أثرت في دوره وفي تحقيق أهدافه، ويمكن توضيح ذلك في بعض الجهود البحثية التي تهتم ببحث الواقع، ومن ثَمَّ تقديم بعض الحلول والمعالجات، وفي هذا البحث نضع عددًا من التساؤلات المهمة التي سنسعى إلى الإجابة عنها، وهي:
تكمن أهمية البحث في أنه سيعمل على توضيح المفاهيم الرئيسة للتخطيط الحضري بطريقة منهجية، كما يوضح بدقة أهمية التخطيط الحضري في اليمن مع تقديم شرح لخصائصه المتعددة، بالإضافة إلى توضيح بعض التحديات التي تواجه التخطيط الحضري في اليمن، منها الهجرة الداخلية والوافدة من الخارج، وسيستفيد البحث من بعض التجارب العالمية الرائدة في مجال التخطيط الحضري عن طريق تحليلها وصولًا إلى مميزات تلك التجارب ومعرفة التحديات التي استطاعت أن تواجهها، ومحاولة الاستفادة من بعض الحلول الملائمة للواقع اليمني، ويمكن أن تسهم مخرجات هذا البحث في توضيح وتعزيز دور التخطيط الحضري في المجتمع اليمني، بالإضافة إلى تقديم بعض التوصيات العملية.
يهدف هذا البحث إلى التعرف إلى ظاهرة التخطيط الحضري في اليمن، التي تعد من الموضوعات الحديثة والمعاصرة، وذلك بتحقيق الأهداف الفرعية الآتية:
لتحقيق أهداف البحث استُخدمت المناهج الآتية:
يعرف التخطيط أنه: الخطوات المدبرة التي تهدف إلى تحريك المجتمع بمؤسساته كافة من مستوى محدد إلى مستوى أكثر إشراقًا، وذلك للحاق بركب التقدم الحضري والحضاري الهادف إلى رفاهية الإنسان وتحقيق سعادته مع الحفاظ على قيم المجتمع وتراثه الديني والحضاري[2].
ويعرف التخطيط تعريفًا آخرًا أنه: أسلوب ومنهج في التفكير المنطقي والعقلاني مبني على مؤشرات آنية ومستقبلية، ويهدف إلى ترشيد وتحسين اتخاذ القرار، وتوفير بيئة ملائمة وحياة أفضل للإنسان على مختلف الصُعد الطبيعية والاجتماعية والإنسانية[3].
ويمكن تعريف التخطيط إجرائيًا أنه: رؤية واضحة للمؤسسة أو الجهة المعنية نحو تحقيق أهداف محددة وقابلة للقياس، وهو خارطة طريق تتميز بالمرونة والتكيف مع المستجدات والمتغيرات، والاستفادة من الفرص الجديدة التي تسهم في تحسين الأداء.
يعرف التخطيط أنه: «التخصص والعلم الذي يعنى بمناحي المنطقة الحضرية كافة، يشمل تخصصات متعددة مثل: الهندسة - الاقتصاد - البيئة - القانون - الإدارة - السياسة - علم الاجتماع.. وغيرها»[4].
كما يعرف أنه: «الأسلوب العلمي الذي يهدف إلى تقديم الحلول أو بدائل الحلول للمشكلات الحالية والمتوقعة للمجتمع، وذلك في إطار خطط منظمة ذات سياسة وأهداف واضحة خلال مدة زمنية محدودة مع اعتبار الإمكانات والموارد الحالية والمستقبلية بشرية وطبيعية»[5].
ويعرف أيضًا أنه: «ذلك العلم والتخصص الذي يهتم بتنمية وتطوير وتقييم البيئة الحضرية المبنية عن طريق الاستخدام الأمثل لإمكاناتها؛ بحيث تكون أكثر ملاءمة للإنسان وأكثر تلبية لاحتياجاته وتطلعاته، على أن يتم ذلك طبقًا لخطة محددة وبوسائل فنية وأخلاقية».
وله تعريف آخر: أنه «علم واسع المجال يجمع بين متغيرات عدة طبيعية واجتماعية واقتصادية وهندسية؛ من أجل ضبط وتوجيه نمو المدن، ومعالجة مشاكلها الحالية والمتوقعة بما يوفر بيئة حضرية ملائمة تتوافق مع الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان وتلبي احتياجاتهم بصورة جيدة»[6].
وبناءً على التعريفات السابقة يمكن تعريف التخطيط الحضري إجرائيًا أنه: «عملية دقيقة للمختصين، تتطلب خطوات تنفيذية بعد تحليل الوضع الراهن للمدينة وسكانها تحليلًا شاملًا بوصفها وحدة متكاملة متبدلة ومتغيرة ومتطورة بمشاركة العلوم الأخرى ذات العلاقة؛ بهدف الوصول إلى رؤية مستقبلية تحقيقًا للتنمية المستدامة».
لتحقيق المتطلبات النظرية لهذا البحث نستعرض بعض النظريات التخطيطية الحديثة التي اختلفت في أفكارها التخطيطية في اتجاهات مختلفة.
لقد ظهرت أفكار نظريات التخطيط لمعالجة وضع المدن التي شهدت نموًا كبيرًا للسكان في النصف الأول من القرن العشرين؛ إذ زاد عدد سكانها فتوسعت في العمران تلبية لحاجاتها المختلفة، وتجاوزت بعض المدن المخططات التي وضعت لها قبل المدة المقررة؛ ما أدى إلى ظهور أحياء سيئة لا تتوافر فيها مستلزمات الراحة والأمان، لاسيما المدن الكبيرة والصناعية، فدفع ذلك بالمخططين لوضع عدد من الأفكار التخطيطية في اتجاهات متعددة، منها ما يهدف إلى تطوير مدن قائمة بإحداث تغيير في مخططاتها، ومنها ما يدعو إلى إنشاء مدن جديدة، وبعضها يرى أن يكون التوسع عموديًا أو أفقيًا في المدن، وآراء أخرى تدعو للمحافظة على الأبنية القديمة بطرازها المعماري المتميز، ومن هذه الاتجاهات تبلورت أفكار تخطيطية في اتجاهين مختلفين:
تجاوز (لويد) الأطر التقليدية، فله رؤية عميقة في التفاعل بين الإنسان والمكان والطبيعة، فقد رأى أن شكل المبنى يجب أن يتبع الوظيفة، وأن يعكس احتياجات الناس الذين سيعيشون فيه، وأن يكون في تناغم مع المناظر الطبيعية المحيطة به، وكان يعتقد أن الحياة الحديثة بحاجة إلى أماكن مفتوحة حتى يتحقق التواصل بين الأفراد، واعتمد (لويد) على المواد المحلية من الحجر والخشب والطوب لتتماشى التصاميم مع البيئة المحيطة، وأكد على فكرة أن الشكل يجب أن يكون مخصصًا للوظيفة التي يؤديها المبنى؛ بحيث يلبي المبنى احتياجات الإنسان بشكل مباشر ويسهم في رفاهيته، ويعبر عن جمال المكان والطبيعة في آن واحد، وكان يعتقد أن المباني يجب أن تكون قادرة على التكيف مع التغيرات المستقبلية في استخداماتها، واقترح (لويد) أن تكون مساحة كل تجمع ضمن المدينة 4 أميال مربعة؛ بحيث يستوعب 1,400 نسمة، فيكون نصيب الأسرة الصغيرة فدانًا والأسرة الكبيرة ما بين 8-10 فدادين، وهذا ما يؤدي إلى المساواة بين جماعات الإقليم في توفير الخدمات وفرص العمل، ويقترح أن تكون الكثافة السكانية متدرجة تقل بالابتعاد عن مركز المدينة، ويكون التوسع أفقيًا، وأن تكون المراكز التجارية والصناعية والمؤسسات الحكومية على طول خطوط المواصلات التي تمتد في المدينة؛ ما يسمح للسكان بالوصول إلى أعمالهم بسهولة[7].
تهدف هذه النظرية إلى دمج هدوء الريف وطبيعته مع خدمات للسكان في المدينة، وذلك يحقق مجتمعًا مكتفيًا ذاتيًا، فيقترح (هوارد) أن تكون الأرض ملكًا مشتركًا للسكان، ولا تكون ملكًا خاصًا للأفراد، ويرى أن تخطط المدينة بشكل دائري، ويكون مركز المدينة مبنيًا على مساحة 10,000 دونم، وتتخلله أحزمة خضراء وبحيرات، وتتجه من المركز ستة شوارع رئيسة دائرية، ولا يزيد عدد السكان في المدينة عن 50,000 نسمة، وتوجد في المركز قاعات للموسيقى وبيوت للثقافة ومسرح ومكتبة عامة ومتحف وقاعة للرياضة ومستشفى، ويرى أن تكون هذه المدينة مجتمعًا متكاملًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
ومن المتوقع أن يزيد عدد السكان في المدينة، حينها تُنشأ مدينة جديدة قريبة أو مدن تتجمع حول المدينة الأم (mother Town)؛ لتقليل الضغط السكاني في كل تلك المدن، كما يتضمن تصميم (هوارد) نظامًا من الطرق الدائرية والسكك الحديدية؛ لتسهيل حركة السكان داخل المدينة وخارجها مع التركيز على توافر وسائل النقل العام وممرات خاصة بالمشاة[8].
يرى أن تكون منطقة مركزية وسط المدينة، ولها كثافة عالية في السكان والأنشطة، وتتكون من أبنية ضخمة قد يصل قطرها إلى ميل وارتفاعها إلى 25 طابقًا، وتكون فيها متاجر وصناعات خفيفة ومكاتب، وتشغل المكاتب الإدارية الأدوار السفلى، والمكاتب الصناعية الأدوار الوسطى، والمكاتب الإدارية تشغل الأدوار العليا، ويكون فيها خدمة التنقل الآلي أفقيًا ورأسيًا، ويحيط بالمبنى من كل الجهات مناطق خضراء فيها مباني ترفيه ومدارس، تليها مبانٍ سكنية تحيط بها مزارع، ولقد قسم جودمان المدينة كالآتي:
كما ربط المدينة بالمدن المجاورة عن طريق خطوط النقل المختلفة، منها المطارات - خطوط السكك الحديدية، حافلات النقل، ونقل البضائع يكون عن طريق سيارات نقل وخطوط السكك الحديدية.
تظهر هذه النظرية عدة أفكار تخطيطية، منها مدينة الغد، وهي حلول مقترحة لمعالجة مشاكل المدن القائمة، وتقوم أفكاره على تخطيط مدينة عصرية تستوعب ثلاثة ملايين نسمة، تضم مباني على شكل ناطحات سحاب، وتحيط به حدائق واسعة من كل الجهات، ويصل ارتفاع مبانيها إلى 60 طابقًا يستوعب 1,200 نسمة، ويخصص 5% من مساحة المدينة للمباني العامة، وتحيط بالأبنية المرتفعة عمارات سكنية بارتفاع ثمانية طوابق، مرتبة على شكل صفوف متعرجة، تتخللها فضاءات خضراء، لا تزيد الكثافة السكانية في هذه المدينة عن 120 نسمة / فدان، كما تحيط بالمدينة من الخارج مساكن للأغنياء، وللمدينة مركز يضم محطة مواصلات رئيسة لمختلف وسائل النقل.
طبقت هذه النظرية في مدينة باريس سنة 1925م، إلا أنها أخفقت في حل المشاكل الحضرية التي تعاني منها المدينة؛ ما دفع لوكوربوزييه إلى اقتراح فكرة المدينة القطرية التي تظهر في شكل صفوف عالية في العمارات الشاهقة المتفرقة، وذلك للتخفيف من تكتل السكان في مركز المدينة، وتعويضها بزيادة الحدائق والمساحات المفتوحة وزيادة وسائل النقل المختلفة[9].
ومن العرض السابق يمكن الاستفادة من نظريات التخطيط وتطبيق بعض مبادئها على الواقع اليمني؛ إذ تُسهم في تخطيط بيئات حضرية مستدامة وصحية للسكان؛ كما تسهم في تخطيط البنية التحتية للمدن، مثل: الطرق والنقل والعمران.. وغيرها، مما يساعد في تحسين جودة الحياة، كما أن هذه النظريات تساعد في ضمان الاستخدام والتوزيع الأكثر عقلانية للموارد المتاحة. علاوة على أنها تسهم في محاولة تحقيق مدن أكثر كفاءة واستدامة بيئيًا واقتصاديًا واجتماعيًا عن طريق دراسة نماذج تلك المدن، فالاستثمار في تخطيط المدن يعد استثمارًا في مستقبل أفضل للمدن والمجتمعات.
وبالنظر إلى ما قدمته النظريات السابقة من أفكار تخطيطية يمكن الاستفادة من هذه النظريات بشكل عملي باتباع الخطوات الآتية:
في ظل التطورات التي تشهدها المدن بصفة عامة واليمن بصفة خاصة يزداد الاهتمام بضرورة التخطيط الحضري المتكامل أداة أساسية لبناء مجتمعات مستدامة، ومع تزايد النمو السكاني والتغيرات المناخية وحاجة المجتمع إلى توفير خدمات أساسية وفرص عمل، يتطلب ذلك خططًا استراتيجية لتشكيل البيئات الحضرية المستدامة؛ لذا يُعد التخطيط ضرورة حقيقية وملحة، وذلك عن طريق الآتي:
ويتميز التخطيط الحضري بعدة خصائص؛ تجعله عملية أساسية وبالغة الأهمية لتنمية المدن وتطويرها بشكل فعال ومستدام، إلا أنه يختلف في طبيعته وخصائصه عن أنواع التخطيطات الأخرى؛ نظرًا للطبيعة الخاصة بالبيئة الحضرية التي يتعامل معها، وغالبًا تكون سريعة ومتبدلة ومتطورة، ويمكن توضيح تلك الخصائص في الآتي:
سعت الجمهورية اليمنية منذ مراحل مبكرة إلى تبني مجموعة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى تطوير منظومة التخطيط الحضري في اليمن، سواء عن طريق الأطر التشريعية والتنظيمية التي أرست الأسس القانونية للتخطيط الحضري، أم عن طريق ما جرى تجسيده عمليًا في صورة مشاريع حضرية واستراتيجيات تنموية نُفِّذت على أرض الواقع.
وقد مثلت هذه السياسات والإجراءات محاولات جادة للارتقاء بمستوى التخطيط الحضري وتحسين كفاءته، ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي تعيق مسار التنمية الحضرية واستدامتها.
كما ركزت هذه الجهود على الحد من المشكلات والتحديات المرتبطة بالتحولات الديموغرافية المتسارعة، وفي مقدمتها الهجرة الداخلية والنزوح السكاني، وما يترتب عليهما من ضغوط متزايدة على المدن والبنية التحتية والخدمات العامة، وعلى رغم تفاوت مستويات التنفيذ والنجاح، فإن هذه التجارب تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية التخطيط الحضري بوصفه أداة استراتيجية لتنظيم النمو الحضري، وتحقيق التوازن بين المتطلبات السكانية والإمكانات المتاحة.
ويمكن تناول هذه الجهود والسياسات بمزيد من التفصيل والتحليل على النحو الآتي:
تدل السياسات التشريعية للتخطيط الحضري في اليمن ومنظومة التشريعات والمشاريع وخطط التنمية على أن السلطات الرسمية كانت على استشعار بالمشاكل التي ستكون نتيجة عن التحضر السريع، وعملت على وضع الضوابط التشريعية لتفادي الآثار والإشكالات التي يمكن أن تنتج عن التحضر الذي اجتاح المدن اليمنية، ويوضح الجدول (1) التشريعات العمرانية في اليمن.
|
القوانين |
اللوائح |
|
القانون رقم (5) لعام 1965م، بشأن البناء، فيما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، الذي اشتمل على ضوابط البناء والتخطيط والطرق |
لائحة مخالفات التخطيط وأعمال البناء في المدن الرئيسة والثانوية رقم (23) لسنة 1994م |
|
قانون التخطيط والبناء رقم (31) لسنة 1948م، فيما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية |
لائحة التنفيذية لقانون التخطيط الحضري رقم (360) لعام 1997م |
|
قانون التخطيط الحضري رقم (20) لعام 1995م |
لائحة ضوابط البناء في المدن التاريخية رقم (204) لسنة 2001م |
|
قانون البناء رقم (19) لعام 2002م |
لائحة تنظيم مسارات مرافق البنية التحتية رقم (939) لسنة 2002م |
|
اللائحة التنفيذية لقانون البناء رقم (351) لعام 2008م |
ويهدف التخطيط الحضري في اليمن وفقًا لقانون التخطيط الحضري إلى تحقيق الأغراض الآتية:
وتحقيقًا لهذه الأهداف تم توجيه الجهود نحو عدد من السياسات التخطيطية أهمها وضع استراتيجيات عمل لرفع مستويات التخطيط الحضري، ومن أهم هذه الاستراتيجيات والأهداف التي وضعت من أجلها، وذلك كما في الجدول الآتي:
|
الاستراتيجية |
الهدف منها |
|
استراتيجية التخطيط الهيكلي للمدن |
تهدف إلى توجيه التوسع العمراني للمدن اليمنية (لاسيما صنعاء، عدن، تعز)؛ للحد من الزحف العشوائي |
|
استراتيجية إدارة النمو السكاني والتحضر |
تستهدف استيعاب الهجرة من الريف إلى المراكز الحضرية الرئيسة |
|
استراتيجية التنمية الحضرية المستدامة |
التركيز على البنية التحتية والخدمات؛ لتلبية احتياجات السكان الحاليين والمستقبليين |
|
استراتيجية الإسكان الحضري |
تلبي النقص الحاد في السكن وتوفير بدائل مناسبة للفقراء |
|
استراتيجية معالجة العشوائيات وتحسين المناطق الحضرية المتدهورة |
ضرورة ملحة في المدن اليمنية للتعامل مع المناطق التي نشأت بدون تخطيط |
|
استراتيجية اللامركزية وتعزيز الحكم المحلي |
تمكين السلطات المحلية من إدارة مدنها بشكل فعال |
|
استراتيجية التخطيط التشاركي |
إشراك المجتمع المحلي والسكان في اتخاذ قرارات التخطيط |
|
استراتيجية التعامل مع النزوح والهجرة |
ضرورية لمعالجة الضغط السكاني المفاجئ على المدن بسبب النزاعات |
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية في مجال التخطيط الحضري، إلا أن هذا القطاع ما يزال يواجه تحديات جوهرية ومعقدة في الواقع اليمني، وتأتي في مقدمة هذه التحديات الحروب والصراعات المسلحة، وما خلفته من دمار واسع النطاق طال البنية التحتية والمرافق العامة والمخططات الحضرية؛ الأمر الذي أضعف كفاءة المدن وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، كما يُعد النزوح الداخلي والهجرة السكانية غير المنظمة من أبرز التحديات الراهنة؛ لما تسببه من ضغوط مفاجئة ومتزايدة على المدن المستقبِلة، وانعكاساتها السلبية على الخدمات الأساسية والإسكان والبيئة الحضرية، ويمثل هذا الواقع تحديًا تخطيطيًا بالغ التعقيد، يتطلب مقاربات وسياسات حضرية مرنة، قادرة على الاستجابة للأزمات والتحولات الديموغرافية المتسارعة. في المحور الآتي نتناول أحد أهم هذه «الهجرة والنزوح»، وذلك بتفصيل وتحليل أكثر.
يُعد التخطيط الحضري في اليمن ضرورة ملحة - لا سيما في الوقت الراهن - فقد تعرضت فيها عدد من المحافظات إلى التخريب والتدمير بفعل الحرب المشتعلة منذ العام 2011م حتى يومنا هذا، وبرزت وفقًا لذلك عدد من العوامل التي أثرت في عملية التخطيط في اليمن من ضمنها قضية النزوح أو الهجرة من محافظة إلى أخرى.
وتمثل الهجرة والنزوح زيادة غير طبيعية في إعداد السكان، وتعد أحد العوامل التي لها دور بارز في اختلاف معدلات النمو السكاني من دولة إلى أخرى في إطار الدولة الواحدة، ولها تأثير في التوزيع الجغرافي للسكان وتركيبهم الديموغرافي والاجتماعي والثقافي، ويمكن الحديث هنا عن نوعين من الهجرة التي انتشرت في المجتمع اليمني، وذلك على النحو الآتي:
يمكن تعريف الهجرة الداخلية أنها: «عملية مغادرة شخص للمنطقة الإدارية التي يقيم فيها؛ بغرض الإقامة في تقسيم إداري آخر بنفس الدولة أو المحافظة»[12]، وهي أيضًا: «انتقال الأفراد والجماعات من مكان إقامتهم المعتاد إلى مكان آخر داخل حدود الدولة؛ بهدف الإقامة الدائمة»[13]، «ويمكن أن تكون الهجرة والنزوح انتقالًا قسريًا للأفراد من مناطقهم أو بيئتهم وأنشطتهم المهنية، وهو شكل من أشكال التغير الاجتماعي الناجم عن عدد من العوامل، وأكثرها شيوعًا هو الصراع المسلح، وقد تكون الكوارث الطبيعية والمجاعات والتغيرات التنموية الاقتصادية من أسباب النزوح»[14].
واستنادًا على ما سبق نجد أن هناك دوافع ومسببات تجعل الأفراد يلجؤون للهجرة والنزوح الداخلي، منها:
يُقصد بالهجرة الوافدة «انتقال الأفراد من دولة إلى دولة أخرى؛ بغرض الإقامة الدائمة أو شبه الدائمة»[18]، وهي كذلك الانتقال الجغرافي للسكان دوليًا من دولة إلى أخرى عن طريق الحدود السياسية لها؛ بهدف الاستقرار الدائم، وغيرها من الأهداف بصرف النظر عن المساحة المقطوعة، كما تعنى دخول الأفراد بلدًا آخر بهدف الإقامة والعمل، وغالبًا ما تضع الدول المستفيدة من الهجرة الوافدة بعض القيود في هذا الشأن وفقًا لما تقتضيه مصالحها، وهي من العوامل الأساسية في تنظيم عرض وطلب القوى العاملة في سوق العمل الدولية والإقليمية[19].
ومنذ وقت طويل تستقبل اليمن كغيرها من الدول عددًا من المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، وذلك لموقعها الجغرافي الذي جعل منها منطقة عبور للمهاجرين إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي بشكل خاص، ومنهم من يتطلع إلى البقاء في اليمن.
ووفقًا لتقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) وصل في شهر مارس الماضي 2025م، 1,930 مهاجرًا إفريقيًا إلى اليمن من سواحل شبوة وأبين ومديرية ذوباب في محافظة تعز، وشكَّل الرجال 56% منهم والنساء 23% والأطفال 21% من إجمالي الوافدين، وبحسب التقرير غادر 1,825 مهاجرًا خلال الشهر ذاته من محافظة لحج، متوجهين إلى جيبوتي، وفي شهر سبتمبر من العام نفسه (2025م) وصل 8,878 مهاجرًا إفريقيًا منهم 55% من الصومال - 40% من جيبوتي - 5% من عُمان[20].
يمكن الإشارة إلى أن التركيز على المهاجرين الأفارقة لا يعني أنه لا يوجد مهاجرون من دول عربية أخرى إلى اليمن وإنما بوصفهم الأغلبية، وتتنوع الأسباب الرئيسة لهذه النوع من الهجرة، فمنها أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو طبيعية، يمكن أن نوضحها في الآتي:
كل هذه الأسباب وغيرها تمثل تحديًا حقيقًا أمام بلادنا لا سيما فيما يتعلق بالتخطيط الحضري في جميع المحافظات، وبالتحديد في أمانة العاصمة صنعاء حيث عاصمة البلاد وواجهتها أمام الآخرين، وتظهر هذه التحديات عن طريق الآتي:
تمثل التجارب العالمية في التخطيط الحضري أحد أهم العوامل التي تُسهم في تحقيق التخطيط الحضري الشامل ونقل المجتمع من الأوضاع القائمة إلى أوضاع أكثر تقدمًا، وذلك عن طريق تحقيق أهداف محددة تسعى إلى رفع مستوى معيشة المجتمع من جوانبه كافة العمرانية والاجتماعية والاقتصادية... وغيرها، وحل المشكلات الحضرية المختلفة، وهنا تظهر لدينا تجارب عالمية رائدة نجحت في مجال التخطيط الحضري، امتازت بقدرتها على استخدام التكنولوجيا المتطورة في التصنيع والاقتصاد الرقمي، وذلك لتحقيق عدة أهداف استراتيجية، منها دعم النمو المستدام وتحسين نوعية الحياة للمجتمع. نذكر من هذه التجارب تجربة سنغافورة وتجربة ماليزيا.
تتربع سنغافورة على عرش المدن الأكثر ذكاءً وفق مؤشر المدن الذكية عام 2021م[27]، وتصنف أكثر المدن ذكاءً في آسيا لعام 2024م، وخامس أذكى مدينة على مستوى العالم[28].
ويقصد بمصطلح المدن الذكية أنها المدينة التي تتوافر فيها خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات المتطورة، وتعتمد على ربط الأماكن العامة في المدينة، كالمطارات والأسواق والمستشفيات والحدائق باستعمال تقنيات اتصال متطورة؛ لكي يكون في استطاعة سكان المدينة الاتصال بالمؤسسات والهيئات كافة في مدينتهم لإنجاز أعمالهم إلكترونيًا[29].
تبنت سنغافورة استراتيجية التنمية الموجهة نحو الاستثمار الأجنبي المباشر ودمج رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا ونماذج التنمية، وتجلى نجاحها في تصنيعها السريع ونموها الاقتصادي القوي، ويعود هذا النجاح إلى اختيارها التدخل الحكومي القوي في الاقتصاد مثل: إنشاء صناديق رأس المال الوطنية، وتأسيس مؤسسات عامة وإضفاء الطابع المؤسسي على الادخار على المستوى الوطني عن طريق ضريبة الدخل والاعتماد على العمالة المهاجرة، و خلال ثلاث سنوات انتقلت لسنغافورة من دولة نامية إلى قوة اقتصادية عالمية رائدة، والشكل الآتي يوضح معدل النمو في الناتج المحلي لسنغافورة.
أنشأت سنغافورة مجمعًا صناعيا سكنيًا متكاملًا، ومثلت جودة البنية التحتية دورًا محوريًا في تشكيل البنية الوظيفية المتكاملة، فهيَ مدينة تجمع بين فرص العمل والسكن؛ إذ تعطي الأولوية للإنتاج على حساب السكن، وتعد هذه الاهتمامات حاسمة للتنافسية الاقتصادية، لقد اتخذ هذا المشروع شكلين، أولهما: بناء وصيانة مرافق عالية الجودة، وثانيهما: نظام متطور ودقيق للتحكم في التلوث، نفذ هذا المشروع في مراحل:
لقد زود المشروع ببناء محطة فرعية للكهرباء ومحطة لمعالجة المياه، وذلك لضمان إمداد مستمر بالكهرباء ومياه عالية الجودة للاستخدام الصناعي، كما يضم محطة لمعالجة مياه الشرب ومحطة مياه الصرف الصحي وثلاث محطات لاستقبال الغاز الطبيعي ومحطتين لتوليد الطاقة المشتركة[31].
باعتبار سنغافورة دولة صغيرة مقيدة بإمكانات محدودة في مجال الطاقة المتجددة وتوافر الأراضي تسعى جاهدة لضمان مستقبل مستدام في مجال الطاقة عن طريق تقليل الاعتماد على الغاز والتوجه نحو زيادة واردات الطاقة المتجددة. تهدف سنغافورة إلى رفع قدرة الطاقة الشمسية إلى 2 جيجا واط، وإنشاء شبكات ربط تصل إلى 4 جيجا واط؛ لاستيراد الكهرباء النظيفة استنادًا إلى خطتها الخضراء لعام 2030م، ونتيجة لذلك سترتفع حصة توليد الطاقة المتجددة من حوالي 4% منذ عام 2013م إلى 40% بحلول عام 2030م؛ ما يبرز الحاجة إلى تعزيز ربط شبكة الكهرباء ودمج مشاريع الطاقة المتجددة سريعة النمو.
تمتلك سنغافورة القدرة المالية اللازمة لدعم تحول الطاقة في آسيا؛ ما يجعلها مؤهلة لقيادة وتمويل مشاريع الطاقة المتجددة في المنطقة؛ ذلك يضمن مستقبل الطاقة النظيفة لسنغافورة ويعزز أمنها الطاقي[32].
يعد برنامج الإسكان في سنغافورة نموذجًا حقق نجاحًا عالميًا عن طريق مبادرات حكومية، وتخطيط علمي وآليات توزيع عادلة، ولم تقتصر جهود سنغافورة على معالجة أزمة نقص المساكن في ظل التوسع الحضري فحسب، بل حققت نسبة ملكية تتجاوز 90%؛ ما أسهم هذا بشكل كبير في تحسين جودة حياة السكان، والحد من التفاوت في الدخل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وبهذا أيضًا ضمنت الحكومة استدامة أسعار المساكن على المدى الطويل، وهنا دور التدخل الحكومي الفعال في قطاع الإسكان في تحسين حياة الناس، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة[33].
في استطلاعات المدن الصالحة للعيش بما في ذلك استطلاع ميرسر لجودة المعيشة لعام 2014م صنفت سنغافورة إحدى المدن القليلة ذات الكثافة السكانية العالية القادرة على تحقيق معايير عالية لجودة الحياة، وتقع عدد من المدن التي تعد عالية الجودة للعيش في ساحات جغرافية واسعة ذات مبانٍ منخفضة الارتفاع وكثافة سكانية منخفضة وصناعات منخفضة التلوث مثل: مدينة سيدنى وفانكوفر، إلا أن سنغافورة تعد استثناء؛ إذ تجمع بين هياكل حضرية عالية الكثافة ومستويات معيشية عالية، وتمثل نهجًا للتنمية الحضرية المستدامة؛ إذ لا تؤدى الكثافة السكانية العالية بالضرورة إلى التنازل عن جودة الحياة.
في عام 2008م تأسس مركز المدن الصالحة للعيش؛ بهدف توثيق المعرفة الكافية وراء تجربة سنغافورة الفريدة في التنمية الحضرية، وجد المركز أن سنغافورة قد حققت ثلاث نتائج رئيسة في سعيها نحو التنمية الحضرية الصالحة للعيش، هي:
وكان هناك عنصران أساسيان لنجاح التوسع الحضري، هما:
ومن ضمن خطتها المستدامة حققت سنغافورة في تصنيف النقل العام المرتبة الثانية؛ إذ تتميز بكفاءتها العالية في هذا المجال، وتستخدم فيه التكنولوجيا الحديثة والخدمات الإلكترونية، كما تتبع الدولة سياسة مدروسة للحد من استخدام السيارات[35].
ومن أبرز المشاريع الذكية في سنغافورة مدينة تينغاة، وهي الأولى من نوعها من حيث وفرة المساحات الخضراء والحدائق العامة، وصممت هذه المدينة مدينة جديدة تعتمد على التقنيات الذكية في التبريد المركزي وآليات جمع النفايات وإدارتها بشكل آلي، وتنقسم المدينة إلى عدة مناطق تميزها تصاميم وأنشطة مختلفة، كمنطقة مخصصة للزراعة ومنطقة حدائق يمارس فيها السكان الأنشطة الرياضية والاستمتاع بالحياة الاجتماعية، ومناطق للمشي وركوب الدراجات، وفي المدينة وسائل نقل مستدامة، وتخلو المدينة من السيارات؛ فقد خصصت شبكات أنفاق تحت الأرض لمرور السيارات. لقد اعتمدت سنغافورة على التصميم الذكي والمستدام في المدينة، فاتجهت إلى تقنية المحاكاة بواسطة الحاسوب وأدوات تحليل البيانات؛ لتحسين تدفق الرياح والتحكم بدرجات الحرارة، واعتمدت نظام تبريد مركزي لتعديل الحرارة في المنازل ونظام مبني على الذكاء الاصطناعي يسهم في حفظ الطاقة والتحكم في استهلاكها، وتأمل الدولة أن تسهم هذه المدينة في تحقيق الأهداف التي وضعت للتغلب على التحديات الناجمة عن تغير المناخ في عام 2030م، من ضمنها خفض انبعاثات الكربون ورفع كفاءة وإنتاج استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى رفع مستوى جودة الحياة للسكان[36].
تعد ماليزيا واحدة من أكثر البلدان تحضرًا في شرق آسيا ومن أسرع المناطق تحضرًا في جميع أنحاء العالم، صممت ماليزيا ونفذت عدة خطط تعتمد على استراتيجيات متكاملة تتنوع محاورها، وذلك منذ عام 1966م حتى عام 2025م، وعلى مدى ثلاثين عامًا الماضية اتجهت ماليزيا إلى تصميم وتطوير المدن المدمجة؛ لمواجهة تحديات التنمية المستدامة، ولتعزيز أهداف الاستدامة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ويشير هذا المشروع إلى الالتزام بالتنمية عالية الكثافة وتكامل استخدامات الأراضي وإعادة توظيف المناطق الحضرية القائمة، ويهدف هذا المشروع إلى الحفاظ على المناظر الطبيعية في ضواحي المدن، ويرى أن المدينة المدمجة أكثر استدامة بيئيًا من المدن المترامية؛ إذ يسعى إلى تقليل استهلاك الطاقة واستخدام الأراضي.
تحتل ماليزيا المرتبة التاسعة والعشرين من بين 144 دولة من حيث جودة بنيتها التحتية، فقد حددت أغلب مخصصات ميزانيتها السنوية لتحسين بنيتها التحتية مثل: مخصصات ميزانية عام 2017م حوالي 8 - 10 مليارات دولار أمريكي، خُصصت لمساعدة نمو قطاع الإنشاءات وتعزيز تطوير البنية التحتية، وعندما نالت ماليزيا استقلالها كانت البنية التحتية للبلاد متطورة إلى حد معقول، ومنذ ذلك الحين توسعت جميع فئات البنية التحتية بشكل كبير، ومع ذلك لاتزال شبكاتها موزعة بشكل غير متساوٍ؛ فعملت الحكومة على تنفيذ تطوير البنية التحتية الريفية في خطتها العاشرة حتى الوقت الراهن، كما عملت على استثمار مبالغ طائلة في توسيع الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ البحرية والمطارات، وكان للحكومة دور فاعل في تشجيع تطوير وسائل الاتصال الحديثة مثل: الاتصال بواسطة الأقمار الصناعية والإنترنت.
ويمكن الحديث عن دافعين رئيسين شكَّلا نطاق ونمط استراتيجيات تطوير البنية التحتية في ماليزيا، وهما:
سعت ماليزيا لإفادة السكان بتوفير التسهيلات والخدمات الضرورية لهم واستغلال تلك الخدمات وتحقيق تحسين الوضع الاقتصادي للسكان، ونجحت سياستها في خفض معدلات الفقر والبطالة؛ إذ أصبح معدل الفقر أقل من 7.3% بعد أن كان معدله حوالي 52% في السبعينيات؛ فقد شهدت البلاد تحولًا اقتصاديًا؛ إذ ارتفع مستوى دخل الفرد السنوي ليصبح 18,000 دولار في حين كان لا يزيد عن 350 دولارًا سنويًا، فمن الأهداف الرئيسة لماليزيا تحسين معيشة المواطنين عن طريق زيادة دخل الأسرة [48].
تعد ماليزيا من الدول التي تتبنى سياسات إسكان شاملة وأخرى محدودة، فقد حددت سياساتها الوطنية المبادئ التوجيهية لتخطيط وتطوير قطاع الإسكان، بالإضافة إلى وضع برامج ومخططات الإسكان الموجهة إلى ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وتشارك الحكومة في بناء المساكن العامة عن طريق الشركات الحكومية في حين يشارك المطورون المختصون في بناء المساكن المتوسطة وعالية التكلفة[49].
حققت ماليزيا نجاحًا كبيرًا في مجال البيئة فقد أصدرت قانون جودة البيئة عام 2024م الذي يهدف إلى تعزيز إطار حماية البيئة، وقد فرض هذا القانون غرامات باهضة وعقوبات على مخالفي التوجيهات التي نصت عليها اللوائح البيئية، وذلك بهدف معالجة التلوث البيئي وحماية الموارد الطبيعية، ويتضمن هذا القانون أيضًا لوائح تحدد ممارسات الحرق المكشوف التي تسبب تلوث الهواء الشديد؛ حتى تضمن حماية الصحة العامة للسكان، كما حرص هذا القانون على الالتزام المتجدد بالاستدامة للأنظمة البيئية على المدى الطويل، بالإضافة إلى ربط كل القوانين البيئية بالمعايير الدولية، ومن جوانب القوة لهذا القانون استشارت الحكومة في أثناء تعديله مجموعات من ممثلي الصناعة والمنظمات المجتمعية حول التغيرات المقترحة، بالإضافة إلى وضع أسس للتطوير المستقبلي في التشريعات البيئية الماليزية مع تعزيز الاستدامة للأجيال القادمة[50].
من أبرز المشاريع الذكية في ماليزيا مدينة سيبرجايا، وهي أول مدينة ذكية في ماليزيا تبعد عن كوالالمبور بـ 30كم2، ويبلغ عدد سكانها حوالي 49,276 نسمة بناء على التعداد السكاني لعام 2020م، وتعرف أنها مركز التكنولوجيا الأول في ماليزيا؛ فقد صممت هذه المدينة لتعزيز الابتكار وتحقيق الحياة الحضرية المستدامة، ويسترشد مشروع سيبرجايا بثلاثة مبادئ توجيهية هي: منخفضة الكربون - ذكية - وموجهة نحو الإنسان، وذلك لتحديد مجال التركيز الرئيس لتقييم الظروف المكانية والتنموية الحالية لسيبرجايا، ووضع خطط العمل الرئيسة ذات الصلة اللازمة للتحول[51]، ولقد حددت الحكومة هذه المدينة مركزًا للنمو الجديد لقطاع تكنولوجيا المعلومات، فلها بنية تحتية عالمية المستوى في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ ما دفع عددًا من الشركات الرائدة في قطاع تكنولوجيا المعلومات إلى اتخاذ المدينة مقرًا لها، فقد ضمت المدينة أكثر من 38 شركة متعددة الجنسيات و 800 شركة متخصصة في التكنولوجيا.
يقع مشروع بانجيا في سيبرجايا، وهو مشروع متعدد الاستخدامات، ومشروع ميراج باي ذا ليك، الذي يتكون من الفيلات والشقق الفاخرة مع ممرات مائية طبيعية ومساحات خضراء، وتم هذا المشروع بتصميم دائري مميز حول ثلاث بحيرات مركزية.
لقد نجحت ماليزيا في تعزيز كفاءة الطاقة والبنية التحتية للمركبات الكهربائية في هذا المدينة، وذلك للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في النقل، وجرى تطوير مدينة سيبرجايا في ثلاثة أعوام:
تواجه ماليزيا عدة تحديات، نذكر بعضها في الآتي:
تعرفنا عن طريق عرضنا في المحور السابق تجارب كل من سنغافورة وماليزيا إلى طبيعة تجارب هذه الدول والمميزات التي اتسمت فيها كل تجربة، وبالعودة إلى التجربة اليمنية نجد أن إسهامات اليمن في التخطيط الحضري تواجه تحديات حقيقة، تجعلها دون المستوى المطلوب لتحقيق تنمية مستدامة في المجتمع، يعود ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها ما تعرضت له اليمن من أحداث سياسية واقتصادية في المدة 2011-2025م التي أثرت في مسار التنمية في المجتمع اليمني، وعلى الرغم من ذلك يمكن أن نوضح كيفية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة كتجربة سنغافورة وماليزيا في التخطيط الحضري، وإمكانية تطبيقها على الواقع في اليمن، وذلك وفقًا للخطوات الآتية:
ونخلص إلى القول: إنه يمكن لليمن أن تحذو حذو تلك التجارب، ففي ظل التحولات الرقمية التي يشهدها العالم لم يعد تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة ملحة لدعم قرارات الأجهزة الرقابية، وتعريز ممارسات الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد، وهنا يجري مواجهة الفساد بأنواعه، وذلك بمنهج علمي مدعوم ببيانات الإثباتات؛ ما يحسن كفاءة التحقيقات، وتوجيهها ودعم متخذي القرار بتقارير ذكية عن طريق منظومة رقابية دقيقة؛ ما يؤدي إلى الثقة المجتمعية، ويرتقي بقدرات الأجهزة الرقابية المختصة بتحقيق الشفافية بالكشف والمعالجة في آن واحد.
توصل البحث إلى عدد من النتائج، نوضحها في الآتي:
من النتائج التي جرى التوصل إليها يمكن تقديم بعض التوصيات:
يؤكد هذا البحث على الأهمية البالغة للتخطيط الحضري بوصفه أحد الركائز الأساسية لتنمية المدن في مختلف دول العالم، بما في ذلك اليمن، ولا سيما في ظل ما تشهده المدن من نمو وتوسع متسارعين يفرضان الحاجة إلى سياسات حضرية واضحة ومستدامة تتلاءم مع ديناميكيات المدن ومرونتها وتغيرها المستمر، وقد سعى البحث إلى توضيح مفهوم التخطيط الحضري، وإبراز أهميته وخصائصه المتعددة للمجتمع اليمني، إلى جانب تحليل ظاهرة الهجرة الوافدة، الداخلية والخارجية إلى البلاد، وبيان أثرها المباشر في كفاءة التخطيط الحضري وتحقيق أهدافه، كما تناول البحث عددًا من التجارب العالمية الرائدة في مجال التخطيط الحضري، مثل تجربتي سنغافورة وماليزيا، مع إلقاء الضوء على أبرز ملامح نجاحها والتحديات التي استطاعت تجاوزها، وبيان إمكانية الاستفادة من هذه التجارب وتكييفها بما يتناسب مع خصوصية الواقع اليمني وإمكاناته، بما يسهم في دعم مسار التنمية الحضرية المستدامة.